On Research

مقالات تحليلية

محددات الدور المصري في دول حوض النيل

Email :3

إعداد

د. محمد البدري عبدالراضي الوحش

باحث سياسي

دكتوراة الفلسفة في العلوم السياسية

جمهورية مصر العربية

 

 

يعد الارتباط بين الاقتصاد والسياسة أمراً من بديهيات السياسة، حيث يعد الاقتصاد الآن محوراً لكثير من عمل الساسة والدول، وإذا ما تحدثنا عن الإمكانات المتوافرة بدول حوض النيل فهي إمكانات كبيرة يمكن أن تحيل تلك الدول إلى تجمع اقتصادي عملاق إذا ما أحسن التخطيط، كما أن تلك الدول تتوق إلى القيام بنهضة اقتصادية كبيرة تحيلها إلى آفاق أكثر رحابة وأكثر اتساعاً تعتمد على التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة، من هنا يقفز السؤال عن ماهية وطبيعة الدور المصري الذي يجب أن يلعبه انطلاقاً من أسس اقتصادية قوامها التحرك داخل مجال الإقليم الإفريقي كأحد المجالات التي تضمن لمصر عمقاً استراتيجياً على مستوى الاقتصاد، في ظل أن أصبح الاقتصاد عماداً للدولة وأيضاً نهضة الدولة وبعثها، حيث يعد الاقتصاد واحداً من محركاتها القوية.

أولاً: يقصد بمحددات السياسة الخارجية تلك العوامل المتعددة التي تؤثر بشكل أو بآخر في توجيه وتبلور السياسة الخارجية لأي دولة، كما تعني أيضاً دراسة السياسة الخارجية كمتغير تابع أمام مجموعة من المتغيرات المستقلة.

وتنقسم المحددات إلى محددات داخلية وأخرى خارجية.

أولاً: المحددات الداخلية:

  1. المحددات الجغرافية: وتشمل الموقع الجغرافي والمساحة والتضاريس والمناخ، وهي العناصر الأساسية في تكوين الجغرافيا السياسية للدولة والتي تؤثر بشكل مباشر على حركية سياستها الخارجية، والموقع الجغرافي يؤثر على السياسة الخارجية بشكل عام ويؤثر في عناصر قوة الدولة.
  2. الموارد الطبيعية: وتوفر للدولة موارد طبيعية مهمة كمصادر للطاقة من بترول وغاز، ومعادن كالحديد والنحاس والذهب، ومواد غذائية كالقمح والذرة.
  3. المحددات البشرية: وتمثل عاملاً مهماً في نهضة الدولة ولكنه ليس عاملاً ثابتاً، فهناك دول ذات تعداد سكاني ضخم تعاني من الانفجار السكاني، فجيش إسرائيل يمثل 10% من مجموع سكان إسرائيل، وبالرغم من عدد سكانها القليل إلا أنها تمتلك قدرة على تعبئة الجيش تفوق قدرات كثير من الدول المتقدمة.
  4. المحددات المجتمعية: ويقصد بها الصفات العامة التي يشترك فيها كل سكان الدولة والتي تميزهم عن غيرهم.
  5. المحددات السياسية: وتتمثل أساساً في طبيعة النظام السياسي للدولة، والذي يلعب دوراً مؤثراً في السياسة الخارجية، فالنظم الديمقراطية عادة ما تعكس سياسات خارجية سليمة، وهي نظم تتسم بالتعددية وارتفاع نسب المشاركة السياسية.
  6. المحددات العسكرية: يعتبر العامل العسكري المؤشر الرئيسي لقوة الدولة والأداة الفعالة لتحقيق أهدافها الخارجية، فالقوة العسكرية تعطي للدولة مهابة وهيبة في الميدان الدولي.

ثانياً: المحددات الخارجية:

 يعتبر النسق الدولي أو الإقليمي من أهم محددات السياسة الخارجية للدول، فنمط توزيع القوى ضمن نسق دولي يتسم باستقطاب حاد يصعب على دولة ما تبني سياسة العزلة، فالدول الصغرى مثلاً تجد نفسها مجبرة للانضواء في تحالف يحمي أمنها القومي ويحميها من عوامل العزلة التي قد تفرض عليها من قبل الدول الأخرى.

تواجه اقتصاديات دول حوض النيل العديد من المشكلات التي تعيق التنمية الاقتصادية، وذلك لغياب عملية تنمية الموارد البشرية، إضافة للمستجدات الاقتصادية المحلية والعالمية المتسارعة والتي تحتاج إلى مواكبة دائمة، كما ظل اقتصاد دول حوض النيل يعاني من مشكلات عدة أهمها قلة الخبراء والكوادر البشرية المؤهلة.

إذن فالمحددات تعني مجموعة العناصر التي يمكن من خلالها تحديد ملامح السياسة الخارجية المصرية في دول حوض النيل، حيث تعمل السياسة الخارجية المصرية في إطار تلك المحددات، وتنقسم المحددات إلى محددات عامة وهي التي تعد من ثوابت السياسة الخارجية المصرية خلال فترة زمنية معينة، ومحددات خاصة والتي تأتي نتاجاً للواقع الإقليمي المفروض، وتقوم السياسة المصرية عامة على أسس عدة أهمها:

  1. التعاون وحسن الجوار.
  2. إحلال السلام والأمن الإقليمي.
  3. التعاون في المجالات المختلفة.
  4. عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.

أما المحدد الرئيسي الذي تقوم عليه السياسة الخارجية المصرية باتجاه دول حوض النيل فيقوم على الحفاظ على المكتسبات المصرية فيما يتعلق بالحقوق التاريخية لمياه النيل، فالسياسة الخارجية المصرية تدرك تماماً أن الحفاظ على التدفق الطبيعي لمياه النيل باتجاه مصر وعدم ما يحول بين هذا التدفق يُعد أمراً حيوياً ومحوراً ترتكز عليه السياسة الخارجية المصرية في تعاونها مع دول حوض النيل، وفي سبيل هذا سعت السياسة الخارجية المصرية إلى تبني نهج التعاون مع جميع دول حوض النيل، وكان المدخل الاقتصادي اقتراباً أكثر نضوجاً في الولوج إلى دوائر دول حوض النيل، ويمكن القول إن هذا الدور أصابه التذبذب بين القوة والضعف، لكنه إجمالاً يمكن القول إن هذا الدور -الذي كان في صلب خيارات الخارجية المصرية أثناء التعامل مع هذا الملف- يقوم على ما يلي:

  1. بناء علاقات تعاونية تقوم على تبادل الثقة والمنافع بين مصر ودول حوض النيل، ويعني تبادل المنافع وإقامة علاقات تقوم على التعاون والندية.
  2. الاستثمار في ميادين الطاقة الإقليمية لاستخدام مصادر طاقة أكثر وتوزيع عادل للمنافع الناتجة من تجارة الطاقة على الأطراف المشاركة.
  3. الاستخدام الكفء لمياه الإنتاج الزراعي، ويهدف إلى دعم وتنمية وإدارة الموارد المائية بدول الحوض.
  4. التنمية الاقتصادية والمجتمعية لدول الحوض، ويهدف لبناء شبكة عمل من المتخصصين في مجالات التخطيط الاقتصادي ومؤسسات البحث.
  5. تعزيز السوق الزراعية ومشروع التكامل الإقليمي.
  6. تطوير طرق الري في مناطق دول حوض النيل.
  7. تنفيذ برنامج النيباد الشامل للتنمية الزراعية الإفريقية (نيباد).
  8. التوسع في دعم التجارة الزراعية الإقليمية.
  9. فتح آفاق جديدة أمام الاستثمارات الدولية حيث تعتبر الإقليمية الجديدة من أهم وسائل جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
  10. إمكانية نقل التكنولوجيا المتقدمة لدول حوض النيل عن طريق الشراكة الإقليمية مع الدول ذات التقنيات التكنولوجية العالية.
  11. الصناعة وتعتبر محوراً مهماً وأساسياً في محددات صانع القرار المصري، والتي تعني تغييراً في شكل المادة الخام لزيادة قيمتها، وتبرز أهمية الصناعة في إدراك السياسة الخارجية المصرية تجاه دول حوض النيل في أن الصناعة ترفع مستوى معيشة دول الحوض مما يقلل من ضغوطها على حكوماتها، بالإضافة إلى أن الصناعة تفتح لمصر الأسواق المغلقة والناشئة في دول الحوض مما يحقق لمصر وفورات وعوائد إنتاجية تسهم في دفع التنمية الاقتصادية في مصر بالمجمل، انطلاقاً من أن دول الحوض كيان عضوي واحد وبخاصة في المجالات التي تتفوق فيها مصر كالأسمدة والحديد والآلات الزراعية ومواد الطاقة ووسائل النقل الحديثة، وتعتبر الصناعة أحد الركائز الأساسية لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية سواء في الدول النامية أو المتقدمة.

وعليه فإن محدد السياسة الخارجية الاقتصادي لا يشكل عملاً اقتصادياً فحسب هكذا؛ لأن العمل الاقتصادي لابد أن تسبقه تهيئة الأجواء السياسية الملتهبة بين مصر ودول حوض النيل وبخاصة بعد توقيع غالبية دول حوض النيل للاتفاقية الإطارية والتي تحرم مصر من حصصها التاريخية في مياه النيل، فالعمل الاقتصادي لابد وأن يواكبه عمل سياسي أقوى على مستوى المفاوض المصري والذي عليه أن يجعل من المحدد الاقتصادي داعماً له في العملية التفاوضية والقيام بعمليات تساومية تجعل من التعاون الاقتصادي أمراً ملحاً، حيث لن تقوم مصر في هذا الصدد بتقديم مساعدات فمصر لا تملك من القوى الاقتصادية ما يمكنها من تقديم المنح لعشر دول من دول حوض النيل، لكن التبادل الاقتصادي والاستثمارات المشتركة القائمة على علاقة التكافؤ هي السبيل نحو تحقيق نوع من الروابط المشتركة بين مصر ودول حوض النيل، حيث أصبحت دول حوض النيل وأراضيها الخصبة مطمعاً لكثير من الدول والشركات متعددة الجنسيات والتي تقوم بشراء أراضيها من أجل الاستزراع وإنتاج الوقود الحيوي، مما يحتم على مصر الدخول بقوة في هذا المضمار، بل إن دولة مثل البرازيل والتي يوجد بها نهر الأمازون كأكبر مصدر للأنهار العذبة في العالم تقوم بشراء الأراضي داخل دول حوض النيل من أجل إنتاج الوقود الحيوي، كما أن المشكلات الغذائية التي تعاني منها مصر والتي تتمثل في استيراد 40% من حاجة مصر الغذائية تلزم مصر بالاتجاه نحو الاستثمار في دول حوض النيل.

ومحاولة المساهمة في بلورة أفكارٍ وأطرٍ غير تقليديةٍ تساعد على تحقيق متطلبات الأمن المائي لمن يحتاجه في دول الحوض وتعظيم الفوائد الاقتصادية للجميع والاستناد إلى مبادرة دول حوض النيل والتي تعتمد على قدرة الدبلوماسية المصرية على دفع منهج التفاوض لدول حوض النيل ودفعها نحو تبني سياسات تعاونية حقيقية ذات أبعاد إستراتيجية تمكنها من إحداث نقلة نوعية على مستوى العلاقات البينية، كما أن معاناة دول الحوض من بعض مظاهر الجفاف والعطش تطرح على مصر كيفية الدخول لدول حوض النيل من منطلق إنساني بحت وهو توفير الغذاء والكساء والرعاية الصحية بما يليق وكرامة مواطني دول حوض النيل، ومصر لن تقوم بذلك بمفردها بل عن طريق تفعيل الاعتماد المتبادل بينها وبين دول حوض النيل وهو ما يحتاج من جهد كبير تبذله مصر من أجل إقناع دول حوض النيل بأن مصر شريك لهم في همهم وسعيهم للتنمية.

كما يبرز هنا أهمية التكامل بين مصر ودول حوض النيل في مجال الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فهناك ضرورة التأكيد على تكامل الدور المصري في مجال التكنولوجيا والمعلومات بدول حوض النيل حيث هناك تأكيد على إفساح المجال لدور مصري أكبر وأقوى يتجاوز حاجز التنمية التكنولوجية ويمتد ليشمل بعداً مهماً للسياسة الخارجية المصرية ويعد توجيهها للطريق الصحيح هو الذي يؤمن لمصر نفاذاً لقلوب أبناء القارة الإفريقية ورعاية مصالح مصر داخل القارة ومن ثم إفشال المؤامرات التي تحاك ضد مصر، ويمكن أن تعمل مصر على تقوية جسور التعاون الاتصالي والتكنولوجي بين مصر ودول حوض النيل سيؤمن علاقات اقتصادية قوية بين مصر وجميع الدول الإفريقية والدفع باتجاه تنمية اقتصاد الإنترنت في جميع الدول الإفريقية وهو دور مطلوب ويحتاج لمزيد من التوسع واتخاذ قرارات تدعم التنافسية والاستثمار والابتكار والإبداع في مجال الاتصالات، وتلك الحاجة الماسة للنفاذية المعلوماتية داخل القارة.

كما تمتلك مصر موقعاً مهماً على طريق وصلات الألياف الضوئية المارة بالشرق الأوسط وتقوم مصر بتقديم دعم كبير من خلال الصندوق المصري للتعاون الفني مع إفريقيا، ل ومن أمثلة ما تقوم به الحكومة المصرية ما تنظمه وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات من فعاليات تدريبية وزيارات ميدانية لها باعها في هذا المجال كالقرية الذكية والمصانع المتخصصة في منتجات المعلومات والاتصالات إضافة إلى أندية تكنولوجيا المعلومات والمدارس الذكية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts