On Research

وحدة دراسات الإرهاب و الجماعات المسلحة

نظرية المؤامرة والتطرف العنيف: مقاربة معرفية في الوقاية من الإرهاب

Email :4

إعداد

علاء الخطيب

باحث مستقل 

سوريا

 

 

ملخص

تتناول هذه الدراسة العلاقة البنيوية بين التفكير المؤامراتي والتطرف العنيف، من منظور معرفي وقائي يسعى إلى فهم المسارات الفكرية التي تُهيئ الأرضية للإرهاب قبل تحوّله إلى فعل عنيف. وتنطلق الدراسة من فرضية أن نظرية المؤامرة ليست مجرد اعتقاد خاطئ، بل منهج تفسيري متكامل يُنتج يقيناً مغلقاً، ويُعيد تشكيل الهوية الجماعية عبر ثنائية الضحية والمتآمر، مما يوفر المبرر الأخلاقي المسبق للعنف. وتُحلّل الدراسة التقاطعات البنيوية بين الظاهرتين على مستوى الأسباب والمنهج والوظيفة والتوظيف السياسي، مع التأكيد على أن التطرف يبني نفسه اعتماداً على المنطق المؤامراتي أكثر مما تستدعي نظرية المؤامرة حكماً التطرف. وتنتهي الدراسة إلى جملة من المقاربات الوقائية القائمة على تعزيز التفكير النقدي وبناء الثقة المؤسسية ومعالجة المظالم الواقعية.

الكلمات المفتاحية: نظرية المؤامرة، التطرف العنيف، الوقاية من الإرهاب، التفكير النقدي، الهوية الجماعية، المظلومية.

Abstract

This study examines the structural relationship between conspiratorial thinking and violent extremism from a cognitive-preventive perspective, seeking to understand the intellectual pathways that lay the groundwork for terrorism before it manifests as violent action. The study departs from the premise that conspiracy theory is not merely a false belief, but rather an integrated interpretive framework that produces closed certainty and reshapes collective identity through a victim-conspirator binary, thereby providing a preemptive moral justification for violence. It analyzes the structural intersections between the two phenomena across their causes, methodology, function, and political instrumentalization, emphasizing that extremism builds upon conspiratorial logic more than conspiracy theory inevitably leads to extremism. The study concludes with a set of preventive approaches based on fostering critical thinking, building institutional trust, and addressing real-world grievances.

Keywords: Conspiracy theory, violent extremism, terrorism prevention, critical thinking, collective identity, victimhood narrative.

1 المقدمة الإجرائية للمنهج:

1.1 – أهداف البحث وأهميته

1.1.1 أهداف البحث:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف المترابطة:

  • تحليل العلاقة البنيوية بين التفكير المؤامراتي والتطرف العنيف، والكشف عن التقاطعات المنهجية والمعرفية بينهما.
  • تفكيك آليات اشتغال نظرية المؤامرة بوصفها بيئة حاضنة للتطرف، لا مجرد اعتقاد خاطئ هامشي.
  • تقديم إطار تحليلي يُعين على فهم المسارات الفكرية والنفسية التي تسبق تحوّل التطرف إلى فعل عنيف.
  • الإسهام في تطوير مقاربات وقائية معرفية تُكمل المقاربات الأمنية التقليدية في مواجهة الإرهاب.

1.1.2 – أهمية البحث:

تنبع أهمية هذه الدراسة من ثلاثة محاور:

  • أولاً على المستوى المعرفي: تُسهم في ردم فجوة بحثية في الكتابة العربية المتعلقة بالجذور الفكرية للتطرف، إذ تتجاوز الاقتصار على التحليل الأيديولوجي أو الأمني، لتُقدّم مقاربة معرفية تعتمد على أدوات من علم النفس الاجتماعي وعلم الأعصاب وفلسفة المعرفة.
  • ثانياً على المستوى الوقائي: يكتسب الموضوع راهنية متصاعدة في ظل ازدهار الفضاء الرقمي وتسارع انتشار السرديات المؤامراتية، وارتفاع منسوب الشعبوية السياسية في مناطق عديدة من العالم، مما يجعل فهم هذه ديناميكيات ضرورة وقائية لا ترفاً أكاديمياً.
  • ثالثاً على المستوى السياساتي: توفر الدراسة أرضية تحليلية لصانعي السياسات والعاملين في مجال الوقاية من التطرف، تُمكّنهم من استهداف البيئات الفكرية الحاضنة قبل نضوج شروط العنف.

1.2 – منهج البحث

تعتمد هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي النقدي، إذ تجمع بين مستويين متكاملين:

  • أولاً: المستوى الوصفي، من خلال استعراض المفاهيم الأساسية وتحديد دلالاتها، كمفهوم نظرية المؤامرة والتطرف، والتمييز بينهما وبين المصطلحات المجاورة، مع توظيف الأمثلة التاريخية والمعاصرة لتجسيد هذه المفاهيم في سياقاتها الواقعية.
  • ثانياً: المستوى التحليلي النقدي، من خلال فحص البنية الداخلية للظاهرتين، وتحليل التقاطعات المنهجية والوظيفية بينهما، مستعيناً بأدوات معرفية متعددة التخصصات تشمل:
    • علم النفس الاجتماعي في تحليل آليات الهوية الجماعية والمظلومية.
    • علم الأعصاب الاجتماعي في استيعاب الاستعدادات البيولوجية ذات الصلة.
    • فلسفة المعرفة في نقد المناهج الاختزالية وآليات إنتاج اليقين المغلق.
    • التحليل السياسي في رصد التوظيف الشعبوي لهذه الظاهرة.

وتستند الدراسة في مادتها إلى مراجعة الأدبيات البحثية ذات الصلة، ومنها ما أورده دليل كامبريدج لعلم نفس التطرف العنيف، إلى جانب تحليل نماذج من السرديات المؤامراتية المنتشرة في السياقين العربي والغربي. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة لا تدّعي الاستيعاب الشامل لظاهرة بالغة التعقيد، بل تطرح إطاراً تحليلياً أولياً يفتح الباب أمام بحوث أكثر تعمقاً وتخصصاً.

1.3 إشكالية البحث وتساؤلاته

1.3.1 – إشكالية البحث:

على الرغم من تنامي الاهتمام البحثي بظاهرة التطرف العنيف، لا تزال المقاربات السائدة تميل إلى التركيز على الأبعاد الأمنية والأيديولوجية الصرفة، متجاهلةً الأنماط المعرفية الكامنة التي تُهيج الأرضية الفكرية والتحفيزية لهذا التطرف قبل تحوّله إلى سلوك مادي. وفي هذا السياق، تبرز “نظرية المؤامرة” لا بوصفها مجرد اعتقاد خاطئ أو هامشي، بل كمنهج تفسيري متكامل يُعيد صياغة إدراك الفرد والجماعة للواقع، ويُرسّخ ثنائيات حدّية الصراع، مما قد يوفر مبررات أخلاقية مسبقة للعنف.

ومن هنا تتشكّل إشكالية هذه الدراسة المحورية في: محاولة استكشاف وتحديد طبيعة العلاقة البنيوية بين التفكير المؤامراتي والتطرف العنيف من منظور معرفي-وقائي، والبحث في مدى مساهمة هذا النمط التفسيري في تمهيد المسارات النفسية والسياسية المؤدية إلى الراديكالية العنيفة.

1.3.2 – تساؤلات البحث:

تنبثق عن هذه الإشكالية جملة من التساؤلات الفرعية:

  • ما الفرق الجوهري بين المؤامرة بوصفها حدثاً تاريخياً واقعياً خاضعاً للمصلحة، ونظرية المؤامرة بوصفها منهجاً تفسيرياً تعميمياً واختزالياً؟
  • ما هي أبرز التقاطعات البنيوية والمنهجية بين التفكير المؤامراتي والتطرف على مستويات الدوافع، والوظيفة، والآليات الإدراكية؟
  • كيف تُحوّل نظرية المؤامرة الشعورَ بالمظلومية إلى هوية سياسية جاهزة للعنف؟
  • هل يتأسس التطرف حتماً على التفكير المؤامراتي، أم أن العلاقة بين الظاهرتين تحكمها ديناميكيات تفاعلية غير حتمية؟
  • ما هي المقاربات والبدائل المعرفية الكفيلة بتفكيك هذا المنطق التفسيري المغلق ضمن سياق استراتيجيات الوقاية الفكرية من الإرهاب؟

2 – مقدمة

الإرهاب لا يبدأ بالفعل العنيف، ولا يتشكل التطرف المُولِّد للإرهاب بين ليلة وضحاها. فقبل أن يتحول إلى فعل عنيف، يمرّ عبر مسار فكري طويل تُعاد خلاله صياغة إدراك الفرد للعالم، وتُبسّط فيه الوقائع المعقدة إلى ثنائيات حادة، ويُعاد تعريف الآخر بوصفه تهديداً وجودياً، ويتم اختلاق مبرر أخلاقي يُريح الضمير. ولهذا، فإن الاقتصار على المقاربات الأمنية والتقنية في مواجهة التطرف، رغم ضرورتها، يظل غير كافٍ ما لم يُرفق بفهم أعمق للبيئات الفكرية والمعرفية، والدوافع العاطفية والنفسية والاجتماعية، والمحرضات التعليمية والإعلامية التي تسمح لهذا التطرف بالنمو والانتشار.

في هذا السياق، تبرز نظرية المؤامرة لا باعتبارها مجرد اعتقاد خاطئ أو رأي هامشي أو موقف فردي، بل كنمط ومنهج تفكير جماعي متكامل يشكّل بيئة حاضنة للتطرف، ويوفّر أرضية نفسية ومعرفية لتقبّل الخطاب العنيف وتبريره. فالتفكير المؤامراتي يعيد تفسير الأحداث الكبرى من خلال تحميل أسباب كل الأزمات لفاعل خفي شرير ذي قوة شبه مطلقة، وضع الخطط والمؤامرات السرية منذ زمن بعيد، كل ذلك بهدف استهداف الضحية الفرد/الجماعة؛ ويختزل الواقع في سرديات صراعية تُغذّي الشعور بالمظلومية وتبرّر الإقصاء والعنف.

هذا الارتباط بين نظرية المؤامرة والتطرف دفع جامعة كامبردج، في كتاب [1] “دليل كامبريدج لعلم نفس التطرف العنيف”، لتخصيص فصل كامل عن هذا الارتباط، حيث أورد في خلاصته: “تشير الأبحاث إلى وجود ارتباط وثيق بين نظريات المؤامرة والعنف المتطرف، حيث تعمل هذه النظريات غالباً كأطر معرفية تساعد الأفراد على تبرير أعمال العنف والانخراط فيها. وفي العديد من الحالات الموثقة، استشهد الجناة بروايات قائمة على المؤامرة في بياناتهم قبل ارتكاب الهجمات”.

ومع تسارع التحولات السياسية والاجتماعية، وتراجع الثقة بالمؤسسات في العديد من المجتمعات، وازدهار الفضاء الرقمي بوصفه بيئة مفتوحة لإعادة إنتاج السرديات الزائفة، أصبحت نظرية المؤامرة أكثر من مجرد ظاهرة فكرية؛ بل تحدياً معرفياً وأمنياً يستدعي مقاربة وقائية شاملة. من هنا، تسعى هذه القراءة إلى تسليط الضوء على العلاقة بين التفكير المؤامراتي والتطرف العنيف، وتحليل دوره كأحد المسارات غير المباشرة التي تُسهم في إنتاج بيئات قابلة للتطرف، بما يدعم جهود الوقاية الفكرية ومكافحة الإرهاب على المدى الطويل.

3 – المبحث الأول: التحديد المفاهيمي والإبستمولوجي (المعرفي)

المطلب الأول: نظرية المؤامرة والمؤامرة

نظرية المؤامرة [2] هي جمع مصطلحي “النظرية” و”المؤامرة” معاً في مصطلح واحد. يدل مصطلح المؤامرة على تآمر وتشاور واشتراك عدد من الأشخاص أو المؤسسات أو الدول بهدف إلحاق الأذى بشخص أو مؤسسات أو دول أخرى باستخدام خطة سرية، وتكون عادة غير قانونية وغير أخلاقية؛ فالمؤامرة من الناحية النظرية هي “فرضية” قابلة للتحقق والنفي، ولكنها ليست قابلة للتعميم مثل النظرية. أما النظرية فهي تحمل معنى التعميم على كل الحوادث والظواهر الداخلة في نطاق موضوعها، كما تحمل إمكانية التنبؤ بالمستقبل في النطاق نفسه؛ بغض النظر عن صحة الفرضية أو حتى معقوليتها، فأن نقول “نظرية الأرض المسطحة” لا يعني أنها صحيحة، فالنظرية المشروطة بالصحة والمعقولية ندعوها “النظرية العلمية”. إذن، المؤامرة تحدد نطاق عمل النظرية، والنظرية تعطي المؤامرة خاصية التعميم والتنبؤ.

مثلاً، لو نظرنا لتاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وصولاً إلى الخليج العربي، وتفاعل الدول والإمبراطوريات فيما بينها سواء على شكل صراعات، أو علاقات مصلحية؛ فمن المؤكد أننا سنجد الكثير من المؤامرات التي حاكتها الدول ضد بعضها البعض، والتي حاكتها قوى سياسية داخل كل دولة من هذه الدول؛ فالمؤامرة حقيقة موجودة ليس فقط على مستوى الصراع الدولي، بل أيضاً داخل الدولة، بل وعلى مستوى الجماعات والأفراد.

لكن هذا التاريخ والواقع يسمحان بإثبات العديد من نظريات المؤامرة. فمن الممكن القيام بعملية انتقائية لأحداث الواقع والتاريخ لإثبات أن “الغرب (أو الصليبيين أو الإمبريالية)” يكره المسلمين والعرب، وما فتئ هذا الغرب يحيك المؤامرات ضدهم لأنه يكرههم ويخاف منهم، فدبّر لهم أن يبقوا مشتتين وضعفاء. كذلك يمكن لباحث آخر أن يقوم بعملية انتقائية مختلفة ليثبت لجماهير اليمين المتطرف الغربي أن الخطر الأكبر يأتي من العرب والمسلمين. بينما المنهج الموضوعي والعلمي في قراءة التاريخ والواقع يضع هذه الصراعات والعلاقات ضمن سياقها الزماني والمكاني، وضمن موازين القوى، والمصالح المتعارضة أو المتصالحة، وغيرها من عوامل ومركبات للحركة الجيوسياسية، للوصول إلى قراءة علمية موضوعية غير منحازة.

إذن، يمكننا تعريف نظرية المؤامرة [3] على أنها الإيمان بتفسير يشرح أسباب حدث ما بربطه بسلسلة من الأحداث، يقول بوجود خطة سرية لجماعة أو جماعات قوية جداً، تهدف لأذية جماعة أخرى، باستخدام وسائل غير قانونية وشريرة، وفق خطط مستمرة زمنياً منذ عقود أو قرون بشكل مترابط واعٍ لحركة الزمن. هذا الإيمان يعتمد على انتقاء مصلحي، عاطفي غالباً، لما يناسب نظرية المؤامرة من أدلة وحوادث تاريخية، وإهمال ما يعارض طرحها. وهي تمثل غالباً أداة أساسية في الصراع السياسي والفكري والعقائدي، يتم من خلالها التحكم بحركة الجماعات الإنسانية.

لو طبقنا النقاش السابق على إحدى أكثر نظريات المؤامرة انتشاراً، وهي نظرية المؤامرة الغربية الصهيونية ضد العرب والمسلمين، سنجد أن الفكر المؤامراتي (أي المؤمن بنظرية المؤامرة) يعتمد على حاملين أساسيين:

  • أولاً، يستدعي حوادث تاريخية حقيقية مؤلمة لمنطقة الشرق الأوسط مثلاً، بدءاً من الاستعمار الغربي، مروراً باحتلال فلسطين وإنشاء دولة إسرائيل، والحروب المريرة التي وقعت بين العرب وبين إسرائيل، والدعم الغربي لإسرائيل، وصولاً لحربي الولايات المتحدة الأمريكية في الخليج العربي، وانتهاءً بما تشهده سوريا وليبيا واليمن والسودان. فهذه حقائق ثابتة، والمؤامرات كانت خلال القرنين الماضيين فاعلة وقائمة حكماً، فهذه طبيعة الصراع الدولي منذ نشوء الحضارة الإنسانية.
  • ثانياً، يدعي أن كل هذه الأحداث الكبرى، والأحداث الأقل أهمية، وحتى الأحداث غير المهمة حصلت نتيجة خطة سرية شريرة وضعها الطرف المُتآمر منذ أواسط القرن التاسع عشر، لضرب العرب والمسلمين. وهذه الخطة تسير باطراد محققة أهدافها بإضعاف واستغلال هذه البلاد وشعوبها، وستستمر في المستقبل، لأن “خوف وكراهية” الغرب والصهيونية للعرب المسلمين “الضحايا” ما زالت قائمة.

على الضفة الأخرى نجد أيضاً نظرية مؤامرة تقول بالمؤامرة العربية الإسلامية على أوروبا، والتي يستخدمها اليمين الغربي بكثافة في حملاته الشعبوية. وربما تكون الكاتبة البريطانية، اليهودية المصرية الأصل، بات يور أول من أطلق العنان لنظرية المؤامرة الإسلامية في الغرب، وهي التي حققت ثلاثة من كتبها أفضل المبيعات بين الكتب التي تبحث في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين؛ ففي كتابها [4] “أورابيا Eurabia” تتكلم حول نظرية تقول: إن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والبلاد العربية منذ السبعينيات، والتأثير الإسلامي على سياقها، وبالتعاون ما بين الراديكالية العربية والإسلامية وبين الفاشية والاشتراكية والنازية الأوروبية أدى إلى بعث ثقافة وسياسة معادية لأمريكا والسامية.

المطلب الثاني: ماهية التطرف وأبعاده السلوكية والمعرفية

تختلف تعريفات التطرف [5] حسب منطلق الرؤية ونوع السؤال، لكنها تبقى متمحورة حول تعريف عام للتطرف يقول إن التطرف هو عملية فكرية وسلوكية تنطوي على تبني معتقدات وأفعال تقع في الطرف البعيد من موقع الغالبية في قضية ما، وتتميز بالقطيعة المعرفية والعاطفية مع “الآخر” المختلف، ورفض التسامح مع أي تنوع داخل نطاق الفكرة أو الهوية، والميل لاستخدام العنف (لفظياً، رمزياً، مادياً) كوسيلة شرعية لفرض الرؤية أو الدفاع عنها.

وقد يتجلى التطرف في “المؤيِّد تأييداً مُطلقاً لحزب أو اتجاه سياسي، والنرجسي العاشق لذاته، والمـُحبِّ المتعلِّق بالحبيب، والمتعصِّب لفريق رياضي لا يرى غيره”. ولنا أن نعدد الكثير من أشكال التطرف، والتي تؤدي غالباً لآثار سلبية، حتى لو كان التطرف في مجال ما قد يبدو فعلاً أخلاقياً، كتطرف الوالدين بحماية أولادهم، الذي أجمعت البحوث أن الحماية المفرطة تسيء لشخصية الطفل مستقبلاً؛ بل حتى دينياً رُوي بالحديث أن ثلاثة رجال تنافسوا فيمن يتقي الله أكثر فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: “أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني”.

باختصار لا يمكننا التفكير بآثار إيجابية للتطرف، لكن من الضروري أن نميّز بين أنواع التطرف وآثارها، ويهمنا هنا التركيز على التطرف عندما يتحول لظاهرة اجتماعية فاعلة، بمعنى الانتقال من التطرف كسلوك فردي يظهر بأي جماعة إنسانية بنسب قليلة، إلى التطرف كسلوك جماعي يؤدي لنوع من تنظيم أو تفاعل هذا التطرف ضمن جماعات. فمثلاً، من الطبيعي أن نجد أفراداً أكثر تمسكاً وتعصباً لانتمائهم القومي أو الديني أو الطائفي أو العرقي؛ لكن المجتمع المستقر نسبياً تلقائياً يمارس نوعاً من الكبح والتحديد لهؤلاء الأفراد؛ لكن مع ظهور الأزمات الكبرى يتفاعل هؤلاء المتطرفون بشكل أكثر فعالية، وينسحب المجتمع من المواجهة، مما يؤدي لنتائج خطيرة على المجتمع بسبب طبيعة هذا التطرف، خصوصاً مع وجود قوى سياسية ومالية مستعدة للاستفادة من هذا النوع من التطرف، وجاهزة لتحويل التطرف من سلوك شاذ على السياق العام إلى قيمة عليا وطنية أو دينية أو حتى أحياناً إنسانية.

هنا يبرز السؤال: إذن كيف نرى أو نعرف التطرف؟ في الواقع الموقف من التطرف يبقى نسبياً، فما تراه المجتمعات الليبرالية في الحركات التي تعارض التنوع الديني من تطرف، قد يبدو موقفاً عادياً وغير متطرف في مجتمعات محافظة دينياً؛ هذا يضعنا أمام إشكالية إضافية في التعامل مع التطرف.

مع ذلك يمكننا أن نشير إلى بعض المواصفات الأساسية التي تسم التطرف [6]، فهو نتاج عقلية أو نظام معرفي مغلق، يرتكز على أفكار مطلقة تصل إلى مستوى القداسة لا تقبل النقاش أو المراجعة؛ وعلى اختلاق عدو، أو تضخيم حجم عدو أو خصم موجود؛ كل ذلك يأتي ضمن سردية ملحمية من الصراع بين “الخير” الذي يمثله التطرف و”الشر” الذي يمثله الآخر؛ وبهذه الحالة يصبح القضاء على العدو هو الغاية، بتغييب الغاية الحقيقية وهي الوصول لمجتمع أفضل؛ وبالتالي فالوسيلة تصبح مبررة مهما كانت، لأن الغاية اكتسبت قداسة تسمح بذلك.

إلى جانب العوامل الاجتماعية والنفسية، تشير بعض الأبحاث الناشئة في علم الأعصاب الاجتماعي إلى أن الفروق الفردية في الاستعداد البيولوجي-العصبي (مثل استجابات الدماغ للتهديد، التوازن الهرموني، التفاعل بين الجينات والبيئة) قد تلعب دوراً في زيادة قابلية بعض الأفراد للتفكير المتصلب والاستجابة العاطفية الحادة، وهي سمات قد تتفاعل مع البيئات الحاضنة للتطرف. ومع ذلك، يبقى هذا العامل البيولوجي جزءاً من شبكة معقدة، حيث تظل البيئة الفكرية والاجتماعية هي المحرك الرئيسي لتحويل الاستعداد إلى تطرف فِعلي.

مع أن العامل البيولوجي له دور في ظاهرة التطرف، إلا أن المواجهة مع التطرف لا تخرج عن المواجهة المعرفية، من خلال تعزيز نمط التفكير النقدي في التعليم والإعلام؛ وكسر الثنائيات التي يقوم عليها التطرف “إما معي، أو ضدي”؛ واستبدال سردية الصراع المقدس، بسردية التفاعل البشري القائم على نسبية الرؤية، ونسبية الحقيقة والحكم الأخلاقي؛ وبالتالي مواجهة منهج احتكار الحقيقة بمنهج الالتزام بالقيم الأخلاقية والإنسانية.

إذن فالتطرف ليس ظاهرة منعزلة، بل يتشكّل عبر سيرورة تبدأ بتقبُّل أفكار متصلِّبة ومُطلَقة، وتنتهي بتبرير العنف كوسيلة شرعية. وهو لا ينفصل عن بيئته المعرفية والنفسية التي تسمح له بالنمو، حيث تُهيَّأ الأرضية الفكرية للقطيعة مع الآخر، ويُبنى الإطار التبريري للعداء. ومن هنا، يصبح البحث في الحاضنات الفكرية للتطرف، وعلى رأسها أنماط التفكير الجامدة والثنائية، مدخلاً استباقياً لفهم آليات التطرف قبل تحوّله إلى فعل عنفي. وفي هذاسياق، تبرز نظرية المؤامرة كواحدة من أكثر البيئات الفكرية خصوبةً لتغذية هذا المسار.

4 – المبحث الثاني: الجدلية البنيوية بين المنطق المؤامراتي والتطرف

المطلب الأول: التفكير المؤامراتي والتطرف: تقاطعات المنهج والبنية

تتشابك العلاقة بين التفكير المؤامراتي والتطرف على مستوى عميق يتجاوز مجرد التقاء الأفكار ليصل إلى تشابه جوهري في الأسباب المُشكِّلة، وظروف النشأة، ومنهج القراءة، وزاوية الرؤية، وكيفية بناء الوعي الفردي والجمعي [7]. فكلا الظاهرتين تنتميان إلى نطاق اجتماعي واحد في الخريطة السياسية-المعرفية، وكلتاهما تعملان، في اللاوعي، على إنتاج واقع موازٍ مُسيَّس، يُعيد تعريف الصراع والهوية والشرعية.

المطلب الثاني: أسباب الظهور والسيطرة على النداء العام

غالباً ما تنتج نظرية المؤامرة والتطرف عن فقدان الثقة؛ الثقة بالذات الجماعية والفردية، الثقة بين الشارع وبين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وبالنتيجة فقدان الثقة بالآخر؛ وهنا يكون الآخر ضبابياً غير واضح المعالم، حتى لو تم توصيفه على أنه فرد أو جماعات معينة أو منظمات أو دول، لأن الواقع يجبر أي تصنيف على الاعتراف بمدى صعوبة ترسيم الحدود بين “الأنا” وبين “الآخر”.

وما يعزز فقدان الثقة هو الأزمات التي تصيب المجتمع، الصغير أو الكبير، على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى على مستوى الخطاب الموجه للجموع. إنه شعور عام بالفشل في الحاضر، وخوف من المستقبل، فتتحرك المشاعر الجماعية لاستخدام وسائل الدفاع النفسية الأولية، وأهمها إراحة الضمير من المواجهة مع الذات، وتحميل اللوم والأسباب على “الآخر”.

المطلب الثالث: التشابه المنهجي، آلية إنتاج اليقين في عالم معقد

يعتمد المنهجان المؤامراتي والمتطرف على آلية تفسيرية واحدة، وهي آلية تقوم على تبسيط التعقيد التاريخي والجيوسياسي والاجتماعي واختزاله برؤى أحادية غالباً ما تركز على عامل أو عوامل محدودة. فالمنهج المؤامراتي، شأنه شأن الفكر المتطرف، لا يتحمل الغموض أو التعددية السببية. إنه يحوّل الفشل السياسي، أو الأزمات الاقتصادية، أو التحولات الاجتماعية إلى نتيجة حتمية لفعل متعمد من قوة خفية (دولة، جماعة، عرق، مذهب). هذا المنهج الاختزالي هو بالضبط ما يستند إليه التطرف في بناء عدوه؛ فالمتطرف لا يرى خصمه كفرد أو كدولة ذات مصالح متغيرة، بل كتمثيل لشر مطلق، متصلّب، وثابت في الزمن. السمة المشتركة هنا هي رفض السياق وتجاهل التفاصيل لصالح سردية كبرى مغلقة.

هذا التبسيط للحركة التاريخية الجيوسياسية الاجتماعية والاقتصادية يعتمد غالباً، عند الفكر المؤامراتي والمتطرف، على ثنائية “الأنا” و”الآخر”، حيث يمثل “الأنا” الخير والضحية، بينما يمثل “الآخر” الشر والمعتدي، إذ لا مكان تقريباً للرمادي بين الأبيض والأسود، فإما أنت معي أو ضدي. وتتميز “الأنا” في هذه الثنائية بالتحديد والوضوح، حيث تكون غالباً قائمة على انتماء واضح لقومية أو دين أو طائفة أو جماعة أو أيديولوجية؛ بينما يكون “الآخر” ضبابياً بحيث يمكن أن يضم أي مختلف خارج الجماعة أو السردية المؤسسة.

المطلب الرابع: البنية الوظيفية، من السردية إلى الهوية السياسية

إذا كان هذا المنهج ينتج اليقين، فإن وظيفته التالية هي تحويله إلى هوية سياسية، فلا يبقى المنهج المؤامراتي مجرد تفسير للأحداث، بل تتحول إلى أداة لتشكيل الهوية الجماعية، وهو الدور ذاته الذي يلعبه الخطاب المتطرف.

فنظرة المؤامرة تقدم للإنسان العادي إجابة شاملة عن سؤال “لماذا نحن ضعفاء، ومظلومون، ومهزومون؟”، وتنتقي الجواب المريح: “إنه الآخر الغامض القوي جداً”. والتطرف يستثمر هذا الأساس، فيحوّل الشعور بالمظلومية إلى هوية سياسية أو دينية أو أيديولوجية مُسلَّحة، جاهزة للدفاع عن نفسها ليس بالحجة، بل بالقطيعة ثم بالعنف.

وهكذا يدخل التفكير المؤامراتي والمنهج المتطرف في عملية معقدة دائرية، بحيث يتبادلان دور الأرض الخصبة لنمو بعضهما. فيصعب التمييز من كان أولاً؛ نظرية المؤامرة، أو التطرف، أو كلاهما معاً.

يشكل المنهجان المؤامراتي والتطرفي دائرة مغلقة، فنظرية المؤامرة تعزز الشعور بالمظلومية والتهديد، والتطرف يحول شعور المظلومية إلى هوية دفاعية صلبة ومتطرفة، والهوية المتطرفة تعيد إنتاج نظرية المؤامرة لترسيخها وحمايتها من أي انتقاد [8].

المطلب الخامس: التبرير الأخلاقي والسياسي للعنف

يمثل التبريرُ الأخلاقي للعمل العنيف التقاطعَ الأكثر خطورة بين الظاهرتين في هذا المجال. فنظرية المؤامرة، بوصفها تشرح العالم كمعركة بين الخير المطلق (نحن) والشر المطلق (هم)، تقدم المُبرِّر الأخلاقي المسبق لأي عمل ضد “الطرف المتآمر”. إنها تُجرد الخصم من الأخلاق، وبالتالي تعزله عن إنسانيته، وبالنتيجة تحوله إلى جزء من آلة شريرة.

هذا الإقصاء للآخر هو المرحلة الفكرية النفسية ذاتها التي يقوم بها المتطرف قبل تفجير نفسه أو اغتيال خصمه؛ فهو لا يقتل بشراً، بل يقتل فكرة، أو نظاماً، أو تجسيداً للشر. من هذا المنظور، يصبح العنف السياسي ليس مجرد عمل عدواني، بل هو “رد فعل دفاعي” مشروع ضد مؤامرة كبرى، أو “واجب أخلاقي” لحماية الهوية المهددة.

كلا المنهجين يوقظ ويعزز الانتماء الغريزي الجماعي لدى الناس. هذا الانتماء الجماعي، ووفق العديد من الدراسات والأبحاث الحديثة في علم الاجتماع التطوري، كان أحد أهم أدوات التطور والبقاء للجماعات الإنسانية خلال مئات آلاف السنين من وجود الإنسان على الأرض؛ لكنه أصبح إرثاً ثقيلاً ذو حدين، فاستدعاء هذا الانتماء، حيث يذوب الفرد بالجماعة، في حالات ثنائية الخير والشر يضخم الخوف من الآخر، وبالتالي تصبح الأرضية أكثر جاهزية للتحول نحو العنف ضد الآخر الشرير المتآمر.

المطلب السادس: التوظيف السياسي، من الأدوات الشعبوية إلى استراتيجيات الصراع

على الأرض، يتم توظيف هذا التقاطع توظيفاً سياسياً مباشراً. فالشعبوية السياسية، يمينية كانت أم يسارية، غالباً ما تعتمد على خطاب مؤامراتي لتعبئة الجماهير وتصوير النخب الحاكمة أو القوى الدولية كأعداء متآمرين. هذه التعبئة، حين تصل إلى ذروتها وتتحد مع أزمة سياسية أو اقتصادية حادة، تخلق البيئة المثالية لتبرير خطاب متطرف وخلق “ميليشيات فكرية (أو حتى مسلحة)” تدّعي الدفاع عن “الحقيقة” ضد “المؤامرة”. في السياقات الهشة، يصبح الخطاب المؤامراتي سلاحاً في الحرب الأهلية الباردة قبل أن يتحول إلى وقود للحرب الساخنة.

فعند نضوج الظروف الجيوسياسية في الأزمات، تتحول نظرية المؤامرة والتطرف إلى أداة تحريض فعّالة جماهيرياً، تستهدف الفئات الأكثر عرضة للتطرف؛ وتحول العنف أخلاقياً لعمل مبرر من قبيل الدفاع عن النفسِ ورد الفعل؛ فتخلق أثناء عملها سرديات إضافية بطولية، مشفوعة بقصص درامية تجذب الأشخاص غير المنتمين والباحثين عن معنى [9].

المطلب السابع: هل كل تفكير مؤامراتي هو تفكير متطرف؟

تشير معظم الأبحاث إلى أن نظرية المؤامرة لا تستدعي حكماً التطرف، لكن العكس صحيح؛ أي أن التطرف غالباً ما يبني نفسه اعتماداً على منهج مؤامراتي. فالمنهج المؤامراتي أكثر انتشاراً في المجتمعات، وقد رُصدت عودته لاختراق المجتمعات الغربية مع صعود اليمين المتطرف الغربي في العقدين الأخيرين، وبما أن التطرف لا يناسب نفسياً واجتماعياً الغالبية البشرية بأي جماعة إنسانية، فإن الغالبية يمكن أن تستسلم للتفسيرات البسيطة التي تقدمها نظرية المؤامرة حول أسباب الأزمات وتعقيد الأوضاع، وستشعر بالرضا الذاتي إن تمثلت دور الضحية لتبرير عجزها عن الفعل؛ لكن هذه الغالبية لن تتقبل التطرف كمنهج وسلوك فردي وجماعي، رغم أنها تتغافل عن وجود هذا التطرف بين القلة في المجتمع، بل قد تستسلم هذه الغالبية لتلك القلة المتطرفة لإدارة مصيرها وقت الأزمات والأسئلة الصعبة.

5 – المبحث الثالث: الخاتمة والمقاربات الوقائية

المطلب الأول: الاستنتاجات العامة للدراسة

يخلص هذا البحث إلى أن التقارب البنيوي بين التفكير المؤامراتي والتطرف العنيف ليس مجرد مصادفة سياقية، بل هو نتاج حتمي لمنطق معرفي ونفسي-سياسي مشترك. كلاهما يرفع شعار “الحقيقة المطلقة واليقين المغلق” في مواجهة تعقيد الواقع الجيوسياسي، وكلاهما يعمل على تحويل السياسة من مجال للمصالح والتفاوض الإنساني المشترك إلى ساحة لمعركة وجودية مقدسة محكومة بثنائيات حادّة.

بناءً على ذلك، تؤكد الدراسة أن أي مواجهة جادة للتطرف العنيف وإرهاصاته لا تكتمل إلا بكشف وتفكيك الآليات المعرفية والإدراكية التي تُمهد له وتغذيه؛ وفي مقدمتها تلك “الآلة التفسيرية المؤامراتية” القادرة على تحويل الأزمات البنيوية أو الخسائر السياسية إلى مؤامرات محاكة، وتحويل المنافس أو الآخر المختلف إلى عدو وجودي مجرد من الإنسانية. ومن ثمّ، فإن إدراك هذا التقاطع البنيوي لا يقف عند حدود التنظير المجرد، بل يُمثّل حجر الأساس لتدشين مقاربات وقائية فكرية تتجاوز قصور المقاربات الأمنية التقليدية.

المطلب الثاني: المقاربات والبدائل المعرفية المقترحة للوقاية

تأسيساً على ما تقدم من استنتاجات، تنطلق الوقاية المعرفية من فرضية مفادها أن مواجهة التطرف لا تبدأ عند حدود السلاح أو الردع القانوني، بل في المراحل المبكرة السابقة لتشكّل الهويات الصلبة واليقين العقائدي المغلق. وعملياً، تتحدد ملامح هذه المقاربة الوقائية في المحاور السياساتية التالية:

  • تفكيك المنهج التفسيري الأحادي: الاستثمار المستدام في تعزيز أدوات التفكير النقدي، وتعددية السرديات، وبناء القدرة المجتمعية والتعليمية على قراءة الواقع بوصفه شبكة معقدة من المصالح والعوامل المتداخلة، لا كمؤامرة حتمية ومحكمة الإغلاق.
  • إصلاح الخطاب المؤسسي والإعلامي: تطوير خطاب رسمي وإعلامي مسؤول يبتعد عن استدعاء ثنائيات الإقصاء (“نحن” في مواجهة “هم”)، ويعمل على إعادة الصراعات السياسية إلى مربعها الطبيعي القائم على نسبية المصالح والتفاوض، بدلاً من إكسابها أبعاداً وجودية صفرية.
  • تعزيز الثقة المؤسسية ومعالجة المظالم: يُمثّل بناء الجسور بين المجتمعات ومؤسسات الدولة، وتفكيك المظالم الواقعية عبر آليات شفافة وقنوات مشروعة للمساءلة، ركيزة أساسية لقطع الطريق أمام السرديات المؤامراتية المغلقة؛ إذ تزدهر الأخيرة وتكتسب شرعيتها التبريرية للعنف في البيئات المأزومة التي تغيب عنها قنوات الفهم والعدالة الفاعلة.

إن هذه المحاور الوقائية المقترحة لا تُختزل في إجراءات تقنية سريعة، بل تُمثّل مساراً استراتيجياً طويل الأمد يتطلب تكاملاً بنيوياً بين السياسات التعليمية، الإعلامية، الثقافية، والأمنية. ومع أن تفصيل هذه الأدوات التنفيذية يتجاوز النطاق الأولي لهذه الورقة، إلا أن تأصيل جذورها المعرفية يظل خطوة استباقية لا غنى عنها لتعطيل شروط نشأة التطرف قبل تحوّله إلى فعل عنيف يصعب احتواؤه.

6- الهوامش

[1] The Cambridge Handbook of the Psychology of Violent Extremism, Cambridge University

[2] علاء الخطيب، نظرية المؤامرة والمؤامرة بين الوهم والحقيقة، المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، 25/09/2023.

[3] المرجع السابق.

[4] Bat Ye’Or, Eurabia: The Euro-Arab Ax, Fairleigh Dickinson , 1/2/2005.

[5] Arie W. Kruglanski, The Psychology of Extremism: A Motivational Perspective, Routledge, 13/9/2021

[6] المرجع السابق.

[7] Conspiracy theories and right-wing extremism – Insights and recommendations for P/CVE, Publications Office of the European Union, 2021.

[8] Jana Vanderwee, J. Droogan, Testing the link between conspiracy theories and violent extremism: a linguistic coding approach to far-right shooter manifestos, Journal Behavioral Sciences of Terrorism and Political Aggression, P 396-415,  5/10/2021

[9] Dr Rob Wray, Conspiracy theories and counter extremism, National Centre for Social Research,  8/8/2024

7– المراجع

1-Arie W. Kruglanski, The Psychology of Extremism: A Motivational Perspective, Routledge, 13/09/2021.

2-Bat Ye’Or, Eurabia: The Euro-Arab Ax, Fairleigh Dickinson, 01/02/2005.

3-Conspiracy theories and right-wing extremism – Insights and recommendations for P/CVE, Publications Office of the European Union, 2021.

4-Dr Rob Wray, Conspiracy theories and counter extremism, National Centre for Social Research, 08/08/2024.

5-Jana Vanderwee, J. Droogan, Testing the link between conspiracy theories and violent extremism: a linguistic coding approach to far-right shooter manifestos, Journal Behavioral Sciences of Terrorism and Political Aggression, P 396-415, 05/10/2021.

6-The Cambridge Handbook of the Psychology of Violent Extremism, Cambridge University Press, 31 October 2025, ISBN: 9781009407892.

7-علاء الخطيب، نظرية المؤامرة والمؤامرة بين الوهم والحقيقة، المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، 25/09/2023.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts