
إعداد
عمرو أحمد المتولى
باحث ماجستير فى العلوم السياسية – كلية السياسة و الاقتصاد جامعة السويس
جمهورية مصر العربية
المقدمة:
في القرن الحادي والعشرين، إن الفكر الدموي القائم على التطرف، إن لم تتم مواجهته ببرامج وقائية وعلاجية شاملة، قد يتغلغل بين الشباب مما يؤثر سلباً على المنظومة القيمية والأمن المجتمعي .
فالعنف السياسي الحاكم للتنظيمات المتطرفة لسنوات طويلة أصبح أكثر سيولة وتعقيداً محتوياً على تكنولوجيا وإعلام وفضاء رقمي بعدما كان مرتبطاً ببنية هرمية وقيادة مركزية وسيطرة مكانية فقط، وخطورة ذلك التطور تعدت أدوات الإرهاب ووصلت إلى تغيير طبيعة السلطة داخل التنظيم نفسه؛ فقديماً كانت التنظيمات لا يهمها سوى السيطرة على الأرض كي تفرض حضورها، اليوم أصبح ما يشغلها هو السيطرة على الإدراك أكثر من السيطرة المكانية، واحتلال الجمهور أهم من احتلال المدن.
العرض:
ولفهم تلك التحولات لا بد من التمييز بين الإرهاب التقليدي والإرهاب الشبكي؛ فقد ارتبط الإرهاب التقليدي لسنوات طويلة بالبنية الهرمية التي تمتلك قيادة مركزية وسيطرة جغرافية واضحة، وكانت قوة التنظيم تقاس بقدرته على السيطرة على الأرض وعدد عناصره وحجم موارده العسكرية وتمويلاته، ولكن التطورات التكنولوجية غيرت تلك المعادلة فأصبحت تلك التنظيمات بإمكانها الوصول إلى الجمهور المستهدف دون الحاجة إلى السيطرة الجغرافية، ومن هنا ظهر الإرهاب الشبكي المعتمد على الفضاء الرقمي لنشر الأفكار المتطرفة واستقطاب جنوده وإدارة المجتمعات العابرة للحدود.
فما نعيشه اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي بشتى مواقعه وبرامجه تعدى كونه مجرد نقاش أو تبادل رأي في الدين أو السياسة أو الفن، بل أصبح ساحة مفتوحة على مصراعيها لإدارة الوعي بصورة ممنهجة، فهناك جمهور مستهدف بعناية وأفكار تبنى تدريجياً، ذلك التحول ظهر في انتقال الإرهاب من النموذج التقليدي إلى النموذج الشبكي حيث لم تعد القوة الحقيقية تقاس بعدد المقاتلين أو مدى وجود التنظيم على الأرض، بل تقاس بقدرته على إنتاج السردية القادرة على التحكم في تشكيل الوعي.
ولفهم ذلك يمكننا الرجوع إلى عام 2014، ذلك العام الذي غيَّرَ مفهوم الإرهاب بالكامل، تلك اللحظة التي اعتقد فيها العالم أن آخر ما كان يفعله تنظيم داعش والتنظيمات التابعة هو السيطرة على مدن سوريا والعراق، والإعلام كان يركز على الرايات السوداء والعواصم التي سقطت، فالعالم كان يغفل شيئاً أكثر خطورة لكنه أكثر قدرة لبقاء التنظيم أكثر من السيطرة المكانية وهو ما وصفه الباحثون بـ”الخلافة الافتراضية”، والتي بدأت بالانتشار السريع خاصة بعد الخسارات المتكررة التي تكبدها التنظيم في مناطق الصراع(١).
فظهور الخلافة الافتراضية لم يكن مجرد استجابة مؤقتة للهزيمة على الأرض، بل عكس تطور التنظيمات المتطرفة في فهمها لطبيعة القوة والنفوذ، فبعد أن كانت السيطرة المكانية هي المصدر الرئيسي للهيمنة، أصبح التأثير في الوعي والإدراك أكثر تأثيراً وهيمنة، ولذلك فهمت التنظيمات المتطرفة أن المعركة لا تحسم بالسلاح فقط بل بصناعة المعنى داخل عقل الجمهور والقدرة على احتلال الإدراك.
وهنا برز مفهوم الفكرة بوصفها أحد أهم أدوات الصراع المعاصر، فالتنظيمات المسلحة أصبحت لا تبرر أفعالها فقط بل تعمل على بناء رواية متكاملة تحدد الأصدقاء والعدو القريب والعدو البعيد، وتقدم أتباعها على أنهم جزء من مشروع أكبر وهو “مشروع الخلافة”، ومن خلال تلك الرواية تتم إعادة تشكيل إدراك الواقع للعنصر، فيرى من هو مشروع متطرف أو تكفيري أن العنف والدم وسيلة مشروعة لتحقيق هدف عادل وضروري.
ولذلك لم تعتمد التنظيمات على الإعلام التقليدي بالشكل المعروف، فإذا أمعنا النظر إلى المجلات الرقمية مثل مجلة “النبأ، دابق، رومية، وانتهاءً بمؤسسة ساحة الوغي”، فنجد أن تلك الإصدارات تمثل أدوات استراتيجية صلبة لبناء هوية مشتركة عابرة للحدود، فقد جمعت بين الخطاب الأيديولوجي والمواد الإعلامية التي تنافس شركات الإعلام العالمية، مما يساعد التنظيم في خلق شعور بالانتماء لدى الأفراد حتى وإن كانوا يعيشون في منأى عن الصراع أو لم يتواصلوا بشكل مباشر مع التنظيم.
ولهذا السبب أصبحت منصات التواصل الاجتماعي البيئة المثالية لنمو الإرهاب الشبكي، فبدلاً من المعسكرات التقليدية والتجنيد عن طريق المساجد والجامعات، أصبح بالإمكان التجنيد عن بعد، ولا تتم عملية التجنيد بصورة مباشرة بل تمر بمراحل غير مباشرة تبدأ بشد الأفراد نحو قضية معينة، ثم بناء الثقة عبر كتابة تعليق (كومنت) ورسالة عابرة، ثم الانتقال إلى مرحلة التلقين الفكري وإعادة تفسير الأحداث من منظور تكفيري، وللأسف يشعر الفرد بأنه توصل إلى تلك القناعات بشخصه، ولكن على النقيض تعرض لعملية تأثير طويلة وممنهجة داخل الفضاء الرقمي.
في هذه المرحلة يظهر “الذئب المنفرد”، وهم أشخاص لا ينتمون إلى أي تنظيم لكنهم تشبعوا بأفكار التطرف واقتنعوا، ومن ثم يقومون بعمليات إرهابية ذات طابع فردي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وتأخذ أشكالاً متعددة منها عمليات دهس بالسيارات، وعمليات طعن بالسكين، وعمليات إطلاق نار على التجمعات(٢).
وأثبتت العديد من العمليات كيف يمكن للفرد أن ينفذ هجوماً دون أي ارتباط تنظيمي مباشر، لكنه في الوقت نفسه متشبع بالكامل بالأيديولوجية التي أنتجها الإرهاب الشبكي، وننعش ذاكرتنا ببعض العمليات التي تم تنفيذها:
- نيس، فرنسا 2016: عملية دهس بشاحنة أسفرت عن 80 قتيلاً، وكأن لسان حالهم يقول: عندما لا يوجد سلاح استخدم المتاح(٣).
- برلين 2016: تنفيذ عملية دهس في سوق عيد الميلاد أسفرت عن 12 قتيلاً(٤).
- مانشستر 2017: عملية تفجير، عدد الضحايا 22 قتيلاً.
- أورلاندو 2016: هجوم مسلح في ملهى ليلي أسفر عن 49 قتيلاً.
- نيوأورلينز 2025: عملية دهس أسفرت عن 14 قتيلاً.
وجميع العمليات أثبتت التحقيقات أنها مرتبطة بالخلافة الافتراضية لتنظيم داعش، وخطورة هذه العمليات ليست في عدد الضحايا ولكن في التحول في طبيعة التهديد، فالفرد أصبح لديه القدرة على تنفيذ عملية تقلب الرأي العام وتفرض نفسها على الحكومات، وهو ما يعكس انتقال الإرهاب من نموذج يعتمد على التنظيمات الكبرى إلى نموذج يعتمد على التأثير الفكري على الأفراد؛ لأنه في هذا السياق لا يحتاج الشخص إلى عضوية تنظيم مباشر أو اتصال بهرم سلطة التنظيم، لأن عملية التلقين لم تعد تعتمد على البيئة الصلبة بل على البنية الرقمية القادرة على إعادة تشكيل الإدراك بصورة مستمرة.
ولذلك أصبح من الواضح أن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تعتمد على الحملات العسكرية فقط، بل لا بد من ضرورة تطوير التوعية المجتمعية وبناء روايات بديلة قادرة على تحصين الأفراد من الاستقطاب الشبكي.
الخاتمة:
وأخيراً، لم تعد التحديات الأمنية مرتبطة فقط بتفكيك التنظيمات المسلحة أو ملاحقة الأفراد المتطرفين، بل بفهم الفضاء الرقمي والبيئة الثقافية التي تسمح بالتطرف وانتشاره، مما يجعل المواجهة الفكرية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية.
فإذا نظرنا إلى شخصية الجوكر في فيلم JOKER، قدم البطل شخصية لهذا التحول؛ فهو لم يمتلك جيشاً، ولم يكن قائداً لتنظيم، ولم يسيطر على عاصمة ما، ومع ذلك انتشر أثره بين الجماهير عبر الغضب والإحباط، تكمن أهمية الشخصية في أن التأثير لا يأتي من القوة بل من القدرة على تشكيل الإدراك الجماعي، ومن هنا أخطر ما في الإرهاب الشبكي ما يملكه من قدرة على إنتاج الإدراك وليس ما يملكه من سلاح وموارد، ولذلك المعركة المستقبلية لا تحسم عسكرياً بقدر ما تحسم بقدرة السلطات على بناء سردية أقوى من تلك التي تسعى التنظيمات المتطرفة لترسيخها.
الهوامش
- الخلافة الافتراضية.. البديل الداعشي لخلافته المفقودة، مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، وحدة رصد اللغة الإسبانية.
- ظاهرة “الذئاب المنفردة” عوامل الاختفاء وحالات العودة، عبير مجدي غبن.
- France24
- CNN Arabic بتاريخ 14-12-2016


