
إعداد
زينب عبد الله سعد
عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة والقانون جامعة IUM
باحث دكتوراه كلية الحقوق – جامعة عين شمس
جمهورية مصر العربية
من المتفق عليه بين شراح القانون أن المقاصة لا تقع بقوة القانون فور توافر شروطها، وإنما يجب على كل ذي مصلحة في المقاصة أن يتمسك بها، ووجوب التمسك بالمقاصة قصد به أن المقاصة ليست من النظام العام؛ بل هي مقررة لمصلحة الطرفين. وأن القاضي لا يجوز له أن يقضي بها من تلقاء نفسه حتى لو علم بوقوعها وإنما يجب على ذي المصلحة أن يتمسك بها، والذي له مصلحة في وقوع المقاصة هو أولاً المدين في كل من الدينين المتقابلين، ثم يليه في المرتبة المدين المتضامن معه، والكفيل في حالة لو طالبه الدائن بالوفاء بدين المدين، ففي هذه الحالة له أن يتمسك بالمقاصة بين ما هو مستحق على المدين وبين ما يستحق للمدين على هذا الدائن، كذا الحال نراه في بعض الحالات الأخرى كمثل حائز العقار المرهون ضمانًا لدين انقضى بالمقاصة.
وتأسيسًا على ما تقدم، نورد بعض الأطر التشريعية والقضائية في مصر ودول الخليج ذات الصلة، فنجد ما نصّت عليه المادة (365/1) من القانون المدني المصري بقولها:
“1- لا تقع المقاصة إلا إذا تمسّك بها من له مصلحة فيها،…”. وبالمثل، جاءت التشريعات المقارنة في دول الخليج متوافقة مع ما قرّره المشرّع المصري، ويتجلى ذلك في نص المادة (428/1) من القانون المدني الكويتي، والمادة (393/1) من القانون المدني القطري، والمادة (356/أ) من القانون المدني البحريني، والمادة (375) من قانون المعاملات المدنية الإماراتي، والمادة (282) من نظام المعاملات المدنية السعودي، والمادة (253) من قانون المعاملات المدنية العُماني.
فتنص المادة 365/ 1 على أنه لا تقع المقاصة إلا إذا تمسك بها من له مصلحة فيها…” فلم يشأ القانون المدني المصري أن يأخذ بالتعبير الذي ورد في المادة 1290 من القانون المدني الفرنسي الذي يقول: “تقع المقاصة بقوة القانون ولو بدون علم الطرفين، فالدينان يتساقطان بالتقابل من وقت وجودهما معًا وذلك في حدود الأقل منهما”.
نقول لم يشأ قانوننا، أي القانون المدني المصري أن يستعمل تعبير القانون الفرنسي الذي يقول تقع المقاصة بقوة القانون de plein droit ذلك لأن هذا التعبير كان نتيجة خطأ في ترجمة عبارة كان يستعملها الرومان في حالة المقاصة: كان يقول الرومان تقع المقاصة ipso jure فترجم واضعو القانون الفرنسي هذه العبارة ترجمة حرفية فقالوا تقع المقاصة بقوة القانون أي بدون إرادة الطرفين. وفي القانون الروماني الكلاسيكي كان يجب على المدين الذي يدفع بالمقاصة أن يعمل ذلك عن طريق الدفع بالغش، فكان يداعي إذن بطريق الدفع exceptionis ope، فأراد جوستنيان أن يبسط الأمر فقرر أن يكون للدائن الحق في أن يتمسك بالمقاصة مباشرة دون أن يلجأ إلى الطريق الملتوي وهو طريق الدفع بالغش. وبذلك كان جوستنيان هو الذي قرر أن المقاصة تقع بقوة القانون لا بطريق الدفع، وكان المقصود بتعبير ipso jure أن الدائن لم يعد في حاجة لأن يلجأ إلى طريق الدفع بالغش، ولكن كانت المقاصة في قانون جوستنيان كما كانت في القانون الروماني الكلاسيكي: فكانت في الحالتين مقاصة قضائية يجب أن يحكم بها القاضي، وكذلك كانت المقاصة اختيارية في قانون جوستنيان، وفي القانون الروماني الكلاسيكي بمعنى أنه كان لابد أن يتمسك بها الدائن ولم تكن تحصل المقاصة بدون إرادة الدائن، ولم تكن تحصل إلا بموافقة المحكمة، فالقول إذن بأن المقاصة تحصل بقوة القانون لم يكن يغير في هذا الأمر شيئًا. وكل ما طرأ هو تغيير في أمور إجرائية، فأصبح الدائن يعمل بطريق الدعوى لا بطريق الدفع. ولكن الفقهاء الفرنسيين القدماء أخطأوا فهم عبارة ipso jure فقالوا إن المقاصة تقع بإرادة القانون، وإنها تحصل دون علم الطرفين أي بدون أي تعبير عن الإرادة يصدر من أصحاب الشأن، وبدون تدخل المحكمة.
ولكن القضاء الفرنسي فسر نص المادة 1290 بما جعلها تتمشى مع أحكام المقاصة وفقًا للقانون الروماني، فقضى بأن المقاصة لا تقع إلا إذا تمسك بها صاحب الشأن، فإن لم يتمسك بها فليس للمحكمة أن تقضي بها من تلقاء نفسها. أي أن مجرد تقابل الدينين لا يكفي لانقضائهما قصاصًا. وبفضل هذا التفسير اقتربت المقاصة في القانون الفرنسي من المقاصة في القانون الألماني الذي يشترط لوقوع المقاصة صدور تعبير عن الإرادة من جانب واحد، وأي من جانب من يريد أن يتمسك بالمقاصة. فإذا لم يحصل هذا التعبير لا تقع المقاصة. وعلى ذلك فالمقاصة في القانون الألماني هي طريقة لانقضاء الالتزامات بإرادة واحدة ولكي يلاحظ أن القانون الألماني يعطي لصدور الإرادة المنفردة في هذه الحالة أثرًا رجعيًّا، أي أن المقاصة لا تعتبر واقعة من وقت التمسك بها فحسب بل من وقت تلاقي الدينين. كما هو الحال في القانون الفرنسي حيث تقع المقاصة من وقت تلاقي الدينين.
ولقد أحسن المشرع المصري إذ نص على أن المقاصة لا تقع إلا إذا تمسك بها من له مصلحة فيها.
ويلاحظ أن التمسك بالمقاصة إذا حصل أمام القضاء يكون تصرفًا إجرائيًّا أو بالأحرى يكون دفعًا فرعيًّا، أما إذا حصل التمسك بالمقاصة خارج القضاء كان التصرف موضوعيًّا أي يتعلق بقانون الموضوع لا بقانون الإجراءات. ولكنه على كل حال ليس تصرفًا منشئًا بل هو تصرف مقرر. يدل على ذلك أن المادة 365/ 2 قالت “ويترتب على المقاصة انقضاء الدينين بقدر الأقل منهما منذ الوقت الذي يصبحان فيه صالحين للمقاصة”. فلم تقل منذ وقت التمسك بالمقاصة.
ولقد رتب القانون على ذلك أنه “إذا كان الدين قد مضت عليه مدة التقادم وقت التمسك بالمقاصة فلا يمنع ذلك من وقوع المقاصة به رغم التقادم ما دامت هذه العبارة لم تكن قد تمت في الوقت الذي أصبحت فيه المقاصة ممكنة” (م 366). أي أن العبرة في المقاصة هي بوقت تلاقي الدينين، وعلى ذلك فإذا كان التقادم لم يكتمل وقت تلاقي الدينين فلا يمنع من وقوع المقاصة أن تكون مدة التقادم قد اكتملت وقت التمسك بالمقاصة ويتفق هذا مع اعتبار التمسك بالمقاصة تصرفًا مقررًا لا منشئًا، ولذلك كان له أثر رجعي.
وعلى صعيد موازٍ، نرصد بعضًا من الأحكام القضائية الصادرة في مصر ودول الخليج، وذلك لتسليط الضوء على كيفية تطبيق النصوص القانونية محل البحث في الواقع العملي.
فقد أرست محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 4862 لسنة 73 ق مبدأً مهمًا، حيث قررت ما يلي: “المقرر في قضاء هذه المحكمة أن المقاصة القضائية لا تكون إلا بدعوى أصلية أو في صورة طلب عارض يقدمه المدعى عليه ردًا على دعوى خصمه طبقًا للمادة 125 من قانون المرافعات، كما أن المقاصة القانونية لا تقع إلا إذا تمسك بها من له مصلحة فيها طبقًا للمادة 365/ 1 من القانون المدني.”
وبالمقابل، قررت محكمة التمييز البحرينية، في الطعنين رقمي 27 و40 لسنة 2024، أن: “من المقرر قانونًا أنه إذا توافرت شروط المقاصة القانونية بأن كان الالتزام المقابل مستحق الأداء وليس محلاً للمنازعة في الوجود والمقدار وتمسك بها من له مصلحة فيها أحدثت أثرها بقوة القانون ووجب على القاضي الحكم بها وكان للمدين أن يتمسك بها باعتبارها دفعًا موضوعيًّا ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف إذ ليس من شأن هذا الدفاع أن يغير موضوع الدعوى المطروحة عليه، أما إذا تخلف أحد شروط المقاصة القانونية بأن كان وجود الالتزام المقابل أو مقداره محل منازعة فيجب على المتمسك بالمقاصة أن يطلبها في صورة دعوى أصلية أو فرعية أمام محكمة أول درجة طبقًا لأحكام المادة 67 من قانون المرافعات لأنها تتضمن تقرير وجود حق له يطلب المدين الحكم له بثبوته مغاير لحق الدائن رافع الدعوى وهو ما يغير من نطاق الدعوى الأصلية بطرح دعوى جديدة ومن ثم لا يجوز طلب المقاصة القضائية لأول مرة أمام محكمة الاستئناف لما في ذلك من إخلال بمبدأ التقاضي على درجتين.”
يُظهر مما سبق كون التمسك بالمقاصة أمام القضاء يُعد دفعًا إجرائيًّا، وخارجه تصرفًا موضوعيًّا، لكنه في الحالتين ليس منشئًا، بل مقرِّرًا لحق قائم.
ختامًا: التمسك بالمقاصة جائز في أي مرحلة من مراحل الدعوى، حتى لأول مرة أمام محكمة الاستئناف، ويصح حتى بعد صدور حكم نهائي وأثناء التنفيذ. ومع ذلك، لا يُقبل التمسك بها لأول مرة أمام محكمة النقض، لأن المقاصة حق قائم بحكم القانون، والتمسك بها هو إعلان من ذي المصلحة لطلب إقرارها، إذ لا يستطيع القاضي الحكم بها من تلقاء نفسه، وصمت الخصم عنها يعني تنازله بعد ثبوتها.

