On Research

مقالات تحليلية

الإعـــلام الأمـنــي ودينـاميــات الـوعـي الـمجتمعـي في مـواجهــة الجريمــة

Email :1601

إعـــــداد
أ.م.د. نــورس أحمـد كاظـم الموســوي
أستــاذة القانـون الجنائـي المسـاعــد
جمهوريــة العـــراق

يشكِّل الإعلام الأمني في العصر الحديث أحد أبرز محاور إدارة الوعي الجمعي وتنظيم العلاقة بين المواطن والدولة في ميدان الأمن؛ فهو لم يعد مجرّد وسيلة اتصال أو نقل للمعلومة، بل أصبح قوة ناعمة تساهم في تشكيل الفكر والسلوك العام، وتوجيه إدراك الأفراد نحو قيم الانضباط والالتزام بالقانون. كما إنّ العلاقة بين الإعلام والوعي المجتمعي هي علاقة تفاعلية ودينامية تتطور بتطور الأحداث، وتتأثر بالمفاهيم والقيم التي يبثّها الخطاب الإعلامي للمتلقي. ومن هنا تتجلى أهمية دراسة وتحليل ديناميات الوعي المجتمعي في إطار الإعلام الأمني، بوصفها منظومة متحركة من الأفكار والمشاعر والمواقف التي تُوجّه سلوك الأفراد تجاه الجريمة ومؤسسات العدالة.

أولًا: مفهــوم الإعــلام الأمنـي وأبعــاده القانونيــة

الإعلام الأمني هو نشاط مؤسسي منظم يهدف إلى تعزيز الشعور بالأمن ونشر الثقافة القانونية والأمنية خصوصًا، من خلال تقديم المعلومات والحقائق ذات الصلة بالأمن العام ومظاهر الجريمة والمجرمين وما يحيط بذلك بطريقة مهنية ومسؤولة. ولا تقتصر مهمته على التوعية بمكافحة الجرائم فحسب، بل تمتد إلى الوقاية المسبقة عبر بناء ثقة المجتمع بأجهزته ومؤسساته الأمنية. إذ من خلال الكلمة والصورة والتحليل يُعيد الإعلام الأمني تعريف العلاقة بين الفرد والقانون، ويجعل من الإعلام شريكًا في تنفيذ السياسة الجنائية الموضوعية لا خصمًا لها. كما إنّ جوهر الإعلام الأمني يكمن في مبدأ المسؤولية القانونية للمعلومة؛ أي أن نقل الخبر الأمني ليس غاية في ذاته، بل أداة لتقويم السلوك وتأكيد هيبة القانون دون المساس بالحقوق والحريات.

ثانيًـا: دينـاميـات الـوعـي المجتمعـي في الخطاب الأمنـي

الوعي المجتمعي لا يُولد ثابتًا، بل هو عملية دينامية متغيرة تتأثر بعوامل عديدة: منها الثقافية، والتعليمية، والاقتصادية، والإعلامية… إلخ. وحين يُسهم الإعلام الأمني في توجيه هذا الوعي، فإنه يخلق نوعًا من التفاعل المعرفي والسلوكي بين الرسالة الإعلامية والمستقبل، بحيث تتحول المعلومة إلى قناعة، والقناعة إلى التزام.

تجدر الإشارة إلى أن ديناميات الوعي المجتمعي في المجال الأمني تُعد بمثابة المؤشر الذي يُقاس به مدى نجاح الرسالة الإعلامية في تحقيق أهدافها. فالإعلام الذي يثير الخوف أو التهديد أو المبالغة لا يصنع وعيًا، بل يخلق ارتباكًا للمتلقي. أما الإعلام القائم على التحليل العقلاني للظواهر الإجرامية، فهو الذي سيكوِّن فهمًا ناضجًا لدى المواطن يجعله يشارك في حماية أمنه الذاتي والمجتمعي.

ثالثًا: الإعـلام الأمنـي كقوة موجهـة للوعـي الجمعـي

يمتلك الإعلام الأمني قدرة فريدة على تحريك الرأي العام وتوجيه الانفعالات الاجتماعية تجاه القضايا الجنائية والأمنية، فهو الذي يصنع الفارق بين (المعلومة) و(الوعي)، وبين (الحدث) و(الدلالة).

وكلما اتسع تأثير الإعلام الأمني في صياغة الوعي الجمعي، ازدادت مسؤوليته القانونية والأخلاقية وساهم في مواجهة الخطورة الإجرامية بشكل مبكر. كما إنّ الدينامية الحقيقية للوعي تبدأ حين يتحول الإعلام الأمني من ناقل للأحداث إلى مُنتج للمعرفة الأمنية، يعرض الوقائع في سياقها الصحيح، ويزرع في المتلقي قناعة بأنّ الجريمة مهما كان نوعها هي ليست ظاهرة قدرية بل نتاج اختلال فكري وسلوكي يمكن معالجته بالتثقيف والردع أي الوقاية والمنع.

رابعًـا: دور الإعـلام في بنــاء الوقايــة القانونيــة

تُعدّ الوقاية من الجريمة إحدى أهم وظائف الدولة الحديثة، والإعلام الأمني هو أداتها الأولى في التوعية والردع. فمن خلال الحملات الإعلامية القانونية، يمكن بناء منظومة من القيم الوقائية القائمة على احترام النظام والقانون. كما أنّ الإعلام يسهم في نشر الثقافة الجنائية التي تُعرّف المواطن بحقوقه وواجباته، وتجعله شريكًا في مكافحة الجريمة لا مجرد متفرج عليها.

وتتجلى فعالية الوقاية الإعلامية حين تُبنى على مبدأ الشفافية والانفتاح، أي عندما تُعرض الحقائق دون تضخيم، وتُقدّم القوانين بلغة مفهومة، وتُربط الرسالة الإعلامية بالغاية القانونية وهي صيانة المصلحة العامة.

خامسًا: التحديـات الراهنة في تفعيل الديناميات الإعلامية

رغم التطور الكبير في تقنيات الاتصال وتعدد المنصات الإعلامية، ما تزال المؤسسات الإعلامية والأمنية تواجه تحديات وإشكاليات تعيق فاعلية الإعلام الأمني في إدارة الوعي المجتمعي. ويمكن بيان أبرزها على النحو الآتي:

  1. قصور التنسيق المؤسسي بين الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام: وهذا يؤدي إلى تضارب في الرسائل الإعلامية أو تأخر في إصدار البيانات الرسمية، كما يحدث أحيانًا عند وقوع حوادث جنائية كبيرة، إذ تنتشر روايات غير دقيقة قبل صدور البيان الأمني، مما يربك الرأي العام ويضعف الثقة بالمؤسسة الأمنية.

  2. نقص الكفاءات الإعلامية المتخصصة في الشؤون القانونية والأمنية: فالكثير من المحتوى المتعلق بالقضايا الجنائية يُقدَّم من قبل إعلاميين غير ملمين بالمفاهيم القانونية، مما يؤدي إلى استخدام مصطلحات خاطئة كعدُّ المتهم (مجرمًا) قبل صدور حكم قضائي باتّ، أو نشر تفاصيل تحقيقية محظورة قانونًا، وهو ما قد يؤثر في سير العدالة أو يُعدّ مساسًا بقرينة البراءة.

  3. اتساع تأثير الإعلام الرقمي غير المنضبط وانتشار الشائعات: تُعد مواقع التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لنشر الأخبار الملفقة، خاصة في القضايا الأمنية الحساسة، فعلى سبيل المثال انتشار مقاطع فيديوية محوّرة تُنسب إلى جرائم غير حقيقية، أو تداول صور قديمة على أنها جريمة جديدة، يؤدي إلى إثارة الذعر وتأجيج الانفعال المجتمعي دون سند واقعي أو قانوني.

  4. تباين الخطاب الإعلامي بين الإثارة والموضوعية: تسعى بعض القنوات أو الصفحات إلى تحقيق نسب متابعة عالية عبر تقديم الأخبار الأمنية بصيغة درامية أو مثيرة، كتضخيم حادث جنائي فردي على أنه ظاهرة إجرامية عامة، مما يخلق صورة ذهنية مشوهة تُؤثر في استقرار الأمن. وهذا الأسلوب يُضعف مصداقية الإعلام الأمني ويشتت الجهود الوقائية.

ولمواجهة هذه التحديات، يصبح من الضروري اعتماد سياسة اتصال وقائية متكاملة تقوم على المهنية القانونية، والدقة في صياغة الخبر الأمني، والشفافية في حدود القانون، مع ضمان سرعة إيصال المعلومة الصحيحة دون الإخلال بسرية الإجراءات التحقيقية أو مقتضيات العدالة، وبما يعزز ثقة المواطن ويصون الاستقرار المجتمعي.

وتأسيسًا على ما تقدم، يتضح أن الإعلام الأمني لم يعد نشاطًا تقليديًا يقتصر على نقل الحدث، بل أصبح ركيزة فكرية وقانونية ترتكز عليها منظومة الأمن الوقائي في المجتمع. فمن خلال ديناميات الوعي المجتمعي التي يصنعها ويوجهها، يتمكن الإعلام من تحويل المعرفة إلى التزام سلوكي، والمعلومة إلى ممارسة وقائية، والخطاب إلى ثقافة قانونية تسهم في ضبط السلوك العام وتعزيز احترام القانون. وبناءً على التحليل السابق، فإن الأمن الحقيقي لا يتحقق داخل أروقة المحاكم وحدها، بل يُبنى في عقول المواطنين وضمائرهم عبر إعلام مسؤول يزن الكلمة بميزان المشروعية، ويقيس المعلومة بمقياس الضمير المهني، فيوازن بين الحق في المعرفة ومتطلبات حماية النظام العام.

وانطلاقًا من ذلك، يُبرز المقال أن التكامل بين القاعدة القانونية، والخطاب الإعلامي المنضبط، ونضج الوعي المجتمعي يُشكل إطارًا متقدمًا للوقاية من الجريمة قبل وقوعها، ويُعزز دور الإعلام الأمني بوصفه شريكًا مؤسسيًا في حماية الاستقرار الاجتماعي، وإرساء دعائم الأمن المستدام.

المراجع:

  1. علي بن فايز الجحني، الإعلام الأمني والوقاية من الجريمة، مركز الدراسات والبحوث، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، السعودية، 2000.

  2. وليد سليم النمر، الإعلام الأمني ودوره في مواجهة الحرب النفسية، دار الفكر، الإسكندرية، مصر، 2018.

  3. هيفاء راضي جعفر البياتي، مسؤولية الإعلام في حماية الأمن الفكري، مجلة كلية الحقوق، جامعة النهرين، بغداد، العراق، المجلد 19، العدد 1، 2017.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts