
إعداد
د. محمد وهاب عبود
جامعة بغداد
العراق
تمهيد
يواجه التحول الرقمي في الإعلام العربي اضطرابًا جديدًا أكثر غموضًا يتمثل بالذكاء الاصطناعي، إذ لا يقتصر هذا التحول على تحديث الأدوات، بل هو انتقالة وجودية عميقة في محور القوة التواصلية، من عالم المدونات الذي يُشرف عليه الإنسان إلى منطق الخوارزميات. كما يتطور دمج الذكاء الاصطناعي في الإعلام بسرعة تتجاوز الأتمتة البسيطة، ليبرز كقوة تُشكّل بنشاط نظرية المعرفة، وتُعيد تشكيل ديناميكيات القوة وصياغة التحيزات المجتمعية. يتجاوز هذا المقال المنظور التقني الحتمي الذي يتأرجح بين التفاؤل والارتياب، ويسعى إلى دراسة نقدية للنماذج الناشئة لوسائل الإعلام العربية التي تُحركها تقنيات الذكاء الاصطناعي، مُستكشفًا التشابكات التقنية والمتاهات الأخلاقية التي تُشكّل تحديًا لخلق خطاب عام حقيقي ومتوازن، فضلًا عن استكشاف الاحتكاك الفلسفي بين الكفاءة الخوارزمية والقيم الإنسانية في منطقة تخوض غمار تيارات واستقطابات اجتماعية وسياسية مُعقّدة.
أولاً: التجميع الخوارزمي والصحفي الاصطناعي
ينتقل النموذج التأسيسي لـ”الإعلام العربي الجديد” من المحتوى المُولّد من قِبَل المستخدم، وهي السمة المُميّزة لعصر الويب، إلى محتوى مُولّد ومُنسّق خوارزميًا. وهذا يُؤدّي إلى ظهور نموذجين مُتميّزين: الأول هو “غرفة الصدى المُخصّصة”، حيث تُنشئ مُجمّعات الأخبار ومصادر التواصل الاجتماعي المُعتمدة على الذكاء الاصطناعي حقائق مُجزّأة. وهذا يتجاوز “فقاعة المُرشّح” السلبية؛ إنه بناءٌ فعّالٌ ومُولّدٌ للواقع، مُصمّم خصيصًا لتفاصيل البيانات الفردية. وفي السياقات الاجتماعية والسياسية المُمزّقة أصلًا بالانقسامات الداخلية والأيديولوجية، يُهدّد هذا التخصيص المُفرط بتفتيت المجال العام إلى سلسلة من وجهات نظر أحادية وعدائية متبادلة.
أما النموذج الثاني، والأكثر حداثةً، فهو الصحفي الاصطناعي. إذ نشهد اليوم استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد المحتوى آليًا، بدءًا من ملخصات الأخبار البسيطة وصولًا إلى مقاطع الفيديو التوليدية المتطورة وانتهاء بالتزييف العميق. وبينما يُشيد المؤيدون بالكفاءة، أي القدرة على “تغطية” جميع الأحداث طوال الوقت، فإن التحديات التقنية ذات طابع سياسي في جوهرها. إذ تُدرّب هذه الأنظمة على مجموعات بيانات ضخمة، ولكن بيانات مَن؟ إن التحدي التقني لمعالجة اللغة الطبيعية العربية (NLP)، بما تتميز به من ازدواجية لغوية غنية (العربية الفصحى الحديثة مقابل اللهجات العامية العديدة)، يعني أن النماذج المُدرّبة على مجموعات البيانات المتاحة يُمكن أن تُهمّش أو تُسيء فهم أو حتى تُمحِي الخطاب العامي الذي يُشكّل الواقع المُعاش للعامة. هذه ليست عقبة تقنية محايدة؛ إنها أزمة تمثيل مُشفرة في البنية نفسها، تُشكك في إمكانية بزوغ مشروع صحفي يُتوسّط بوساطة غير البشري.
ثانياً: التنظيم الشامل وأتمتة المحتوى
بالتوازي مع إنشاء المحتوى، يُمثّل المُنظِّم الشامل نموذجًا أكثر نضجًا للذكاء الاصطناعي في الإعلام العربي. فلا يُمثّل الذكاء الاصطناعي مُنشئًا فحسب، بل رقيبًا؛ فنظرته ليست مُولِّدة، بل مُنظِّمة. في منطقةٍ تُعدّ فيها السيطرة الرسمية على المعلومات مُتفشِّية تاريخيًا، يُقدّم الذكاء الاصطناعي قفزةً في الحجم والكفاءة. إذ تُوظِّف كل من الجهات الحكومية والشركات أنظمة ذكاء اصطناعي مُتطوِّرة لإدارة المحتوى الجماعي والمراقبة. يُمثّل هذا النموذج أتمتةً غير مرغوبة، فهو يتجاوز دور الرقيب التفاعلي، الذي يحذف منشورًا أو يحاسب صحفيًا، إلى الرقيب الاستباقي.
ويتمثّل التحدي التقني الرئيسي هنا في مُشكلة “الصندوق الأسود”. فالمنطق الخوارزمي الذي يُحظر بموجبه نشاطًا أو محتوى معينًا، أو يُصنِّف تقريرًا على أنه “محتوى حساس”، أو يُروِّج لروايات ترعاها جهة معينة، مُبهمٌ في جوهره. فهذا التعتيم ليس خللًا بالنسبة للأنظمة التي تسعى إلى الإنكار المعقول، بل يُعدّ ميزةً فيها. أما تداعياته الأخلاقية، فهي تأثير غامض ومُنتشر في كل مكان؛ إنه جهاز تحكم يتعلم ويتكيف ويمارس الرقابة، ليس بأداة القانون، بل بتعديل صامط ومُاكر لخوارزمية “إرشادات المجتمع”، مُعيدًا صياغة ديناميكيات القوة في ثوب رقمي جديد وفعال.
ثالثاً: التحيز والمساءلة والاستعمار الرقمي الجديد
تتضافر التحديات التقنية للنموذجين الأولين لتُشكّل متاهة أخلاقية عميقة. أولها مشكلة التحيز التي لا مفر منها. فنماذج الذكاء الاصطناعي ليست ما بعد بشرية؛ بل هي بشرية بعمق، ترث وتُضخّم التحيزات المُشفرة في بيانات تدريبها. في السياق العربي، يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي يُمكنه تعزيز التحيزات، سواءً المتعلقة بالجنس أو الأقليات أو الفئات المهمشة. كما يمكن للخوارزمية، المُتغطية بحيادية الرياضيات الزائفة، أن تُرسّخ التحيز على نطاق وسرعة لا يُمكن للبيروقراطية البشرية تحقيقهما.
وهذا يُؤدي إلى أزمة مساءلة. فعندما يُروّج نظام إخباري مُدار بالذكاء الاصطناعي لمعلومات مُضلّلة تُحرّض على العنف، أو عندما يزيل روبوت مُراقبة المحتوى توثيقًا لانتهاكات حقوق الإنسان، فمن المسؤول؟ هل هو المُبرمج في وادي السيليكون؟ أم المؤسسة الإعلامية؟ أم جهة الرقابة على الإعلام؟ يُفكّك هذا التشتت في المسؤولية الأطر التقليدية لأخلاقيات الصحافة، تاركًا فراغًا لا تُعرف فيه هوية المسؤول عن تلك الأنشطة.
وتستند هذه القضايا إلى واقع هيكلي هو الاستعمار الرقمي الجديد. فأقوى نماذج الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية السحابية التي تعمل عليها، ورأس المال الذي يُموّلها، مُركّزة بشكل كبير في الشمال العالمي، وغالبًا ما تُصبح وسائل الإعلام العربية، بل والدول، مُجرّد مُستهلكين لهذه التقنيات، لا مُنتجين لها. ويُرسّخ هذا التبعية الجديدة القيم الأجنبية، وهياكل المراقبة، والمنطق التجاري في قلب المجال العام العربي. ويُصبح نموذج الإعلام “الجديد” إعادة صياغة للتبعيات الاستعمارية القديمة، حيث تُعدّ البيانات المورد الخام المُستخرج من المحيط الخارجي لتُصقل لتصبح “ذكاءً”. وتُخضع اللمسة الإنسانية، والتجربة المُعاشة، والسياق المحلي، والمداولات الأخلاقية، لمنطق معولم وحسابي لا يُحسّن من أجل الحقيقة، بل من أجل التفاعل والسيطرة والربح.
الخاتمة
إن الذكاء الاصطناعي ليس أداةً محايدةً ظهرت لحل مشاكل الإعلام العربي؛ بل هو مجالٌ مُعقّدٌ ومُتنازعٌ عليه، يعكس ويُضخّم تفاوتات القوة القائمة. وتُشكّل النماذج الناشئة، مثل غرفة الصدى المُخصّصة، والصحفي الاصطناعي، والرقابة الشاملة، تحديات عميقة للمشروع الإنساني للإعلام: الإعلام، والتواصل، والمراقبة.
يتطلب المضي قُدمًا تجاوزَ الثنائية البسيطة بين التبني والرفض. إذ يكمن التحدي في تدجين هذه التقنية، وغرس روحٍ مُركّزةٍ على الإنسان فيها. وهذا يتطلّب الاستثمار في تطوير ذكاءٍ اصطناعي محلي، مُدرّب على مجموعات بيانات مُتنوّعة ومُمثّلة ومحليّة تُراعي الثراء اللغوي للمنطقة. ويتطلّب التزامًا جذريًا بالشفافية، وبناء “ذكاءٍ اصطناعيٍّ قابلٍ للتفسير” (XAI) لوسائل الإعلام، يسمح بالرقابة والمساءلة. والأهمّ من ذلك، يتطلّب إعادة تأسيسٍ فلسفيّ، ونقاشًا عربيًا حول القيم التي نسعى إلى ترميزها. وبدون هذا الحراك الأخلاقي الذي يقوده الإنسان، فإن “وسائل الإعلام العربية الجديدة” في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون أكثر من مجرد صدى متطور وآلي ومألوف للقوة المهيمنة.
المصادر
1. صلاح الدين راشد، & راشد. (2024). واقع الصحافة العربية في ظل تقنيات الذكاء الاصطناعي. مجلة البحوث الإعلامية،69 (2)، 1289-1348.
2. بوخاري، & مليكة. (2023). استخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام رؤية نقدية لحدود الاستخدام وآفاق الصحافة. مجلة رقمنة للدراسات الإعلامية والاتصالية، 3 (2)، 67-78.
3. أحمد عسران، & أحمد صابر. (2025). واقع تقنيات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الصحفية العربية. مجلة کلية الآداب، (76).
4. رياض، رباب، & طه. (2024). استكشاف التقاطع بين الذكاء الاصطناعي والصحافة: (ظهور نموذج صحفي جديد). مجلة بحوث الإعلام الرقمي، (4)، 159-192.
5. Mahony, S., & Chen, Q. (2025). Concerns about the role of artificial intelligence in journalism, and media manipulation. Journalism, 26 (9), 1859-1877.
6. Mehmood, R. (2025). Journalism, Media, and Artificial Intelligence: Let Us Define the Journey. Journalism and Media, 6 (3), 122.


