On Research

مقالات تحليلية

تقاطع المصالح السعودية–الإماراتية–الإسرائيلية قراءة من منظور إيراني

Email :1186

إعداد

د. محمد حسن الزيبق

كاتب أكاديمي متخصص في الشأن الإيراني

كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر

جمهورية مصر العربية

 

مقدمة: من حرب التحالف إلى صراع الشركاء

لم تعد الحرب في اليمن مجرد ساحة مواجهة بين “التحالف العربي” وحركة “أنصار الله”، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مرآة كاشفة لتناقضات عميقة داخل معسكر الحلفاء أنفسهم. فالتصعيد غير المسبوق بين السعودية والإمارات في شرق وجنوب اليمن، وصولاً إلى الضربات الجوية السعودية ضد أهداف مرتبطة بأبوظبي، لا يمكن فهمه بوصفه خلافاً تكتيكياً عابراً، بل هو تعبير عن صراع بنيوي على النفوذ، والموانئ، وإعادة رسم خرائط القوة في الجزيرة العربية والبحر الأحمر.

من وجهة نظر إيرانية، فإن ما يجري اليوم في حضرموت والمهرة وعدن يتجاوز اليمن ذاته، ويمتد ليطال مستقبل التوازن الإقليمي في الخليج، ودور السعودية القيادي، وصعود الإمارات كلاعب إقليمي فاعل من خلال شراكات دولية متعددة ضمن سياق التوازنات الإقليمية والدولية. هذه القراءة لا تنطلق من فرضيات مؤامراتية، بل من تتبع مسار الأحداث، وتحليل السلوك السياسي والعسكري للأطراف المعنية، وربطها بالتحولات الأوسع في الإقليم.

أولاً: اليمن… من ساحة مواجهة إلى ساحة تصفية حسابات

  1. جذور الأزمة: وحدة هشة وتدخل خارجي منذ اندلاع احتجاجات 2011، دخل اليمن مرحلة انتقالية لم تستكمل شروطها السياسية والاجتماعية. فإقصاء قوى اجتماعية واسعة، وتهميش الشمال الزيدي، والفشل في بناء دولة جامعة بعد علي عبد الله صالح، مهد الطريق لانفجار الصراع. ومع سيطرة “أنصار الله” على صنعاء عام 2014، تحول النزاع الداخلي إلى حرب إقليمية مفتوحة بعد التدخل السعودي–الإماراتي في 2015.

موقف جماعة أنصار الله: منذ أن دشنت السعودية ما سمي بـ “عاصفة الحزم” عام 2015، تعاملت جماعة “أنصار الله” مع الصراع بوصفه حرباً سيادية دفاعية ضد تدخل خارجي، وليس نزاعاً داخلياً فحسب. ومع تفكك التماسك داخل التحالف السعودي–الإماراتي، وانتقال العلاقة بين الرياض وأبوظبي إلى مستوى تنافسي مفتوح، أعادت الجماعة تموضعها سياسياً وعسكرياً باعتبارها الطرف الأكثر تماسكاً واستقلالية داخل المعادلة اليمنية.

وكانت الجماعة تنظر إلى التناقض السعودي–الإماراتي بوصفه تبايناً جذرياً وليس مرحلياً. ومن هذا المنطلق كانت الحركة ترى ضرورة أن يُنظر إلى الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره عاملاً مؤثراً في تعقيد المشهد السياسي اليمني وتعدد مساراته. وتعتبر أن التصعيد السعودي ضد أدوات إماراتية يعكس أزمة استراتيجية سعودية ناتجة عن الفشل في حسم الحرب. وتذهب إلى أن دخول العامل الإسرائيلي، سواء عبر الجنوب اليمني أو البحر الأحمر، يثبت أن اليمن أصبح جزءاً من معادلة أمن إقليمي أوسع، وأن هذا “التحالف” لم يكن يوماً متجانساً. فمنذ اللحظة الأولى، دخلت الرياض وأبوظبي الحرب بأهداف مختلفة:

  • السعودية: منع قيام كيان معادٍ على حدودها الجنوبية، والحفاظ على يمن موحد ضعيف تابع سياسياً.
  • الإمارات: تسعى، وفق بعض التحليلات، إلى تعزيز حضورها في مناطق جنوب اليمن ذات الأهمية الاستراتيجية.
  1. من مواجهة “أنصار الله” إلى مواجهة داخل التحالف مع مرور الوقت، تراجعت أولوية “هزيمة أنصار الله” لدى الإمارات، وحل محلها مشروع تفكيك الجنوب اليمني وإعادة إنتاجه ككيانات تابعة. دعم “المجلس الانتقالي الجنوبي” لم يكن سوى أداة لتحقيق هذا الهدف. في المقابل، رأت السعودية في هذا المسار تهديداً مباشراً لأمنها القومي، خصوصاً مع تمدد النفوذ الإماراتي إلى حضرموت والمهرة المتاخمتين للحدود السعودية. من هنا، يمكن فهم الضربات السعودية ضد شحنات إماراتية، وفرض الحصار المؤقت على الموانئ، ليس باعتبارها ردود فعل انفعالية، بل كمحاولة متأخرة لوقف مسار انفلات الشريك الأصغر وتحوله إلى منافس مباشر.

ثانياً: الإمارات… من “دولة صغيرة” إلى قوة وظيفية إقليمية

  1. الاستراتيجية الإماراتية: ما بعد الدولة من منظور إيراني، تمثل الإمارات نموذجاً لدولة تتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي عبر توظيف المال، والشركات الأمنية، والتحالف مع القوى الكبرى. مشروعها في اليمن ليس معزولاً عن:
  • حضورها في القرن الإفريقي (إريتريا، الصومال، أرض الصومال).
  • سيطرتها على موانئ استراتيجية.
  • دورها المتقدم في التطبيع مع الكيان الصهيوني.

في هذا السياق، لا تسعى أبوظبي إلى “نصر عسكري”، بل إلى هندسة جيوسياسية تضمن لها السيطرة على عقد التجارة والطاقة والملاحة.

  1. اليمن الجنوبي: الحلقة الأضعف والأهم اليمن الجنوبي، بما يحويه من موانئ (عدن، المكلا)، وسواحل طويلة على بحر العرب، يمثل كنزاً استراتيجياً. السيطرة عليه تعني:
  • تطويق السعودية من الجنوب والشرق.
  • امتلاك نفوذ مباشر على طرق بديلة لمضيق هرمز.

من هنا، فإن دعم انفصال الجنوب لا يُقرأ فقط كخيار يمني داخلي، بل كجزء من مشروع إقليمي أوسع لإعادة توزيع القوة.

ثالثاً: السعودية… من قائد تحالف إلى لاعب محاصر

  1. أزمة القيادة السعودية الحرب في اليمن كشفت حدود القوة السعودية. فبعد سنوات من القصف، لم تتمكن الرياض من تحقيق أهدافها الأساسية، بينما تكبدت خسائر سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة. في المقابل، نجحت الإمارات في:
  • تقليل كلفة تدخلها.
  • بناء أدوات نفوذ محلية فعالة.
  • المناورة بين الرياض وتل أبيب وواشنطن.

من وجهة نظر إيرانية، تعيش السعودية اليوم مأزقاً استراتيجياً مزدوجاً:

  • شمالاً: صعود قوة يمنية (أنصار الله) قادرة على الردع.
  • جنوباً وشرقاً: تمدد إماراتي يهدد العمق الاستراتيجي.
  1. الخوف السعودي من التفكيك التقارير التي تتحدث عن “تجزيء السعودية” قد تبدو مبالغاً فيها، لكن الهواجس السعودية حقيقية. فدولة تقوم شرعيتها على توازنات قبلية ومناطقية، وتواجه ضغوطاً اقتصادية، لا يمكنها تجاهل:
  • نزعات استقلالية محتملة في الشرق.
  • هشاشة الجنوب الحدودي.
  • تراجع الدور القيادي في الخليج.

ولهذا، فإن رد الفعل السعودي العنيف تجاه تحركات الإمارات في حضرموت والمهرة يعكس قلقاً وجودياً أكثر منه خلافاً سياسياً.

رابعاً: إسرائيل… اللاعب الخفي في إعادة هندسة الإقليم

  1. من التطبيع إلى الشراكة الأمنية منذ توقيع “اتفاقات إبراهيم”، لم تعد إسرائيل مجرد طرف بعيد عن الخليج، بل أصبحت شريكاً أمنياً مباشراً للإمارات، ولاعباً مؤثراً في البحر الأحمر، وطرفاً مهتماً بتفكيك أي قوة عربية مركزية محتملة. ومن المنظور الإيراني، ترى تل أبيب في السعودية دولة كبيرة يصعب ضبطها بالكامل، بينما ترى في الإمارات شريكاً مثالياً: صغيراً، وطموحاً، ومرناً، ووظيفياً.
  2. جنوب اليمن: منصة إسرائيلية غير مباشرة التقارير عن نية إسرائيل الاعتراف بكيان جنوبي في اليمن، أو بناء شراكات معه، ليست معزولة عن سعيها لتطويق محور المقاومة، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، وخلق بدائل استراتيجية لمضيق باب المندب. بهذا المعنى، يصبح ضرر المشروع الإماراتي في الجنوب أكبر من نفعه، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة.

خامسًا: القراءة الإيرانية الشاملة

من وجهة نظر إيرانية، يمكن تلخيص المشهد في النقاط التالية:

  1. اليمن تحول من ساحة حرب إلى ساحة فرز إقليمي.
  2. التحالف السعودي–الإماراتي وصل إلى نهايته البنيوية، حتى لو استمر شكلياً.
  3. السعودية تواجه خطر التهميش الاستراتيجي إن لم تُعد تعريف تحالفاتها.
  4. “أنصار الله” خرجوا من كونهم فاعلاً محلياً إلى عنصر توازن إقليمي.

إيران، في هذا السياق، ترى أن فشل المشاريع المفروضة من الخارج، وصعود قوى محلية مستقلة، هو مسار تاريخي يصعب كسره بالقوة. كما ترى أن محاولات إعادة رسم الخرائط عبر الانفصال والكيانات الوظيفية لن تؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار.

خاتمة: إقليم على حافة إعادة التشكيل

ما يجري في شرق وجنوب اليمن ليس حدثاً عابراً، بل علامة على دخول الخليج والجزيرة العربية مرحلة جديدة من الصراع على القيادة والنفوذ. تقاطع المصالح السعودية–الإماراتية–الإسرائيلية لا يقوم على انسجام، بل على تناقضات مؤجلة، مرشحة للانفجار في أي لحظة.

من منظور إيراني، فإن الرهان على التفكيك، والكيانات الهشة، والتحالف مع قوى خارج الإقليم، هو رهان خاسر على المدى المتوسط والطويل. أما اليمن، الذي صمد رغم الحرب والحصار، فقد يتحول –بشكل تلقائي– إلى نقطة انطلاق لتوازنات جديدة لا تتحكم بها العواصم النفطية ولا غرف التخطيط الإسرائيلية.

والسؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يحدث في اليمن؟ بل أي شرق أوسط يتشكل من تحت أنقاض اليمن؟

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts