On Research

وحدة الدراسات السياسية

الاستقرار المهدد في بنين: قراءة في خلفيات الانقلاب الفاشل وتداعياته

Email :1111

إعداد

أحمد أبو ضيف البدوي  

ماجستير إدارة أعمال – مهتم بالشأن السياسي

جمهورية مصر العربية 

 

تمهيد

بعد ساعات من بث بيان تلفزيوني حول سيطرة القوات المسلحة على مفاصل الدولة في بنين، وإعلان ما سُمي بـ “اللجنة العسكرية لإعادة التأسيس” حل المؤسسات وتعليق الدستور وإغلاق الحدود، تبيّن سريعاً أن المشهد لم يكن سوى محاولة انقلابية محدودة النطاق وسريعة الانكشاف. إن الظهور المفاجئ لمجموعة من الجنود على شاشة التلفزيون الرسمي، وما رافقه من إطلاق نار في بعض أحياء “كوتونو”، خلق حالة من الارتباك والقلق داخل العديد من الأقاليم، خاصة مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي الحاسم. غير أن هذه المشاهد، رغم رمزيتها وخطورتها، كشفت في الوقت ذاته عن هشاشة التحرك الانقلابي وعجزه عن فرض سيطرة فعلية على أجهزة الدولة الحيوية، باستثناء اختراق مؤقت للإعلام الرسمي.[1]

وقد جاء الرد سريعاً بإحباط هذه العملية من قبل القوات المسلحة الموالية للرئيس “باتريس تالون”، في مؤشر واضح على تماسك المؤسسة العسكرية وولائها للنظام الدستوري القائم. وأكدت تصريحات وزيري الداخلية والخارجية أن الأمر لم يتجاوز تمرداً محدوداً من “مجموعة صغيرة”، وأن السيطرة استُعيدت بالكامل في وقت قياسي، مع دعوة المواطنين إلى استئناف حياتهم الطبيعية. كما أرسلت استعادة بث الإذاعة والتلفزيون الرسميين بعد ساعات قليلة رسالة حاسمة حول فشل الانقلابيين في فرض أمر واقع. هذا التحرك السريع عكس أيضاً حرص الدولة على تفادي سيناريوهات الانفلات التي شهدتها دول مجاورة، حيث تحولت محاولات مماثلة إلى انقلابات كاملة غيّرت الخارطة السياسية.[2]

وتعد بنين واحدة من أبرز الدول الإفريقية التي ترتبط بفرنسا بعلاقات تاريخية واقتصادية وأمنية معقدة، تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية وتطورت بعد الاستقلال ضمن إطار شراكة استراتيجية أوسع في غرب إفريقيا. ومنذ عام 1991، تُصنّف بنين ضمن الدول القليلة في المنطقة التي نجحت في ترسيخ مسار نسبي من الاستقرار الديمقراطي بعد عقود من الانقلابات العسكرية. غير أن هذا النموذج ظل عرضة للاهتزاز بفعل تصاعد التهديدات الأمنية في الشمال، لا سيما مع تمدد الجماعات المتطرفة القادمة من مالي وبوركينا فاسو، ما جعل البلاد تدخل تدريجياً في دائرة عدم الاستقرار الإقليمي الذي يضرب الساحل الإفريقي.[3]

تحمل هذه العملية الفاشلة دلالات سياسية وأمنية عميقة تتجاوز كونها مجرد محاولة انقلابية غير مكتملة الأركان؛ فهي تعكس من جهة حجم التوتر داخل المؤسسة العسكرية نتيجة الخسائر البشرية المتزايدة في مواجهة الجماعات المسلحة، ومن جهة أخرى تجسد حالة الاحتقان المرتبطة بالتعديلات الدستورية الأخيرة التي مددت الولاية الرئاسية، وما رافقها من إقصاء للمعارضة وتشكيك في نزاهة المسار الانتخابي. كما تكشف المحاولة أن بنين، رغم سجلها المستقر نسبياً، لم تعد بمنأى عن “عدوى الانقلابات” التي تضرب غرب إفريقيا، في ظل أزمات الشرعية وتراجع الثقة في النخب الحاكمة وتفاقم الضغوط الأمنية والاقتصادية.[4]

المحور الأول: الخلفية السياسية والأمنية للأزمة في بنين

تشكل الخلفية السياسية للأزمة في بنين نتاجاً لتراكمات معقدة من التوتر بين السلطة التنفيذية والمعارضة، تفاقمت بصورة لافتة خلال العامين الأخيرين مع إقرار تعديلات دستورية مثيرة للجدل مددت الولاية الرئاسية من خمس إلى سبع سنوات، وأعادت ضبط قواعد التنافس السياسي بما يخدم توازنات الحزب الحاكم. قوبلت هذه التعديلات برفض واسع من قطاعات سياسية وشعبية رأت فيها محاولة لتكريس السلطة وتضييق الهوامش الديمقراطية. ومع اقتراب موعد الانتخابات، تصاعدت مظاهر الإقصاء السياسي بعد استبعاد مرشحين معارضين بدعاوى قانونية، ما غذّى شعوراً عاماً بانسداد الأفق السياسي، وخلق مناخاً ملائماً لظهور تحركات متمردة داخل المؤسسة العسكرية، حتى وإن ظلت معزولة.[5]

في المقابل، لا يمكن قراءة الأزمة بمعزل عن التحول العميق في البيئة الأمنية شمال البلاد منذ عام 2019، مع انتقال نشاط الجماعات المسلحة من الساحل إلى حدود بنين الشمالية. سجلت البلاد منذ ذلك التاريخ تصاعداً في الهجمات، من حوادث متفرقة إلى عمليات أكثر تنظيماً استهدفت دوريات الجيش ومراكز الشرطة. هذا التحول أدخل بنين في دائرة الصراع الإقليمي المباشر، بعد أن كانت تُعد لسنوات طويلة دولة هامشية في معادلة الإرهاب بمنطقة الساحل.

ومع تزايد وتيرة الضربات، تكشّف أن الجماعات المتطرفة تعتمد على شبكات تهريب واسعة تمدها بالتمويل والوقود والسلاح؛ فتهريب الوقود من نيجيريا والصيد غير الشرعي والتنقيب العشوائي عن الذهب شكلت روافد اقتصادية لهذه الجماعات، مما جعل القضاء على الخطر المسلح عملية معقدة تتجاوز الحلول العسكرية التقليدية.[6] كما لعبت الجغرافيا دوراً حاسماً، إذ تحولت محميات “بندجاري” إلى ملاذات طبيعية للمسلحين بحكم كثافة الغطاء النباتي وصعوبة المراقبة، ما أرهق القوات البنينية وفرض عليها نمطاً دفاعياً مستنزفاً.

انعكس هذا الوضع مباشرة على معنويات المؤسسة العسكرية نتيجة تزايد أعداد القتلى في معارك غير متكافئة مع عصابات تعتمد حرب الاستنزاف. وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، برزت حالة من التململ الصامت داخل بعض الدوائر العسكرية، غذّتها مشاعر الغضب من الخسائر البشرية والإحساس بضعف الغطاء السياسي للمعركة. وتحت هذه الظروف، يصبح أي تحرك متمرد انعكاساً لاختلالات عميقة في البيئة الاستراتيجية للدولة، حتى وإن جرى احتواؤه سريعاً.[7]

أما فيما يتعلق بدور “أبوجا”، فقد لعبت نيجيريا دوراً حاسماً في إحباط المحاولة عبر استجابة عسكرية سريعة استناداً لطلب رسمي؛ حيث نشرت طائرات مقاتلة ووحدات برية دعمت القوات الموالية في استعادة السيطرة، مما عكس التزام نيجيريا باستقرار المنطقة وتعزيز منظومة الأمن الجماعي في غرب إفريقيا.[8]

المحور الثاني: توقيت المحاولة الانقلابية الفاشلة

تأتي هذه العملية في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تزامنت مع اقتراب استحقاقين انتخابيين مفصليين: التشريعي في يناير 2026، والرئاسي في أبريل من العام نفسه. شهدت البلاد قبيل المحاولة اختراقاً سياسياً بالسماح لحزب “الديمقراطيين” المعارض بالعودة للسباق التشريعي، مما فتح نافذة أمل لإعادة إدماج القوى السياسية. غير أن الانقلاب جاء ليقطع هذا المسار، وكأنه رسالة بأن التوازنات الحقيقية لا تزال تُحسم خارج صناديق الاقتراع.[9]

كما يعكس التوقيت إدراكاً لدى المتورطين بأن المشهد السياسي يتجه نحو تغيرات قد تمس مصالح قوى نافذة؛ فعودة المعارضة للبرلمان كانت تنذر بإعادة توزيع النفوذ التشريعي. وفي البعد الإقليمي، لا ينفصل التوقيت عن مناخ غرب إفريقيا الذي أصبحت فيه الانقلابات حدثاً شبه اعتيادي، مما قلل من “الكلفة النفسية” والمادية لأي مغامرة عسكرية في ظل تراجع فاعلية منظمة “إيكواس”.[10]

المحور الثالث: الأوضاع الأمنية والاقتصادية في البلاد

تتعرض بنين لضغوط أمنية غير مسبوقة منذ عام 2023 مع تحول مناطق مثل “أليبوري” و”دوسو” إلى خطوط تماس مباشرة. وتوسع نشاط تنظيمات مثل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” و”تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية الساحل” ليشمل التغلغل داخل المجتمعات المحلية عبر السيطرة على النشاطات الاقتصادية غير المشروعة. كما أن استهداف أنابيب النفط بين بنين والنيجر يعكس نقلة تكتيكية لضرب موارد الدولة الاستراتيجية.[12][13]

اقتصادياً، دخلت بنين مرحلة من القلق الهيكلي رغم تحقيق معدلات نمو مرتفعة بلغت 7.5% في عام 2024. يعتمد الاقتصاد البنيني (21.48 مليار دولار ناتج محلي) بشكل كبير على الزراعة، لاسيما القطن، وعلى الشراكات الدولية وعائدات الموانئ.[15] إلا أن التدهور الأمني في الشمال أدى إلى تعطل الأنشطة الزراعية ورفع كلفة النقل والتأمين، مما عمّق الفجوة الاجتماعية وزاد من معدلات البطالة، خاصة مع موجات النزوح نحو المدن الكبرى. إن هذا التداخل بين الهشاشة الأمنية والضغوط الاقتصادية يزيد من قابلية الشباب للانخراط في شبكات العنف.[14]

المحور الرابع: حالة الانقسام داخل الجيش البنيني

تعكس المحاولة الفاشلة حالة “انقسام صامت” داخل الجيش؛ ليس بوصفه شرخاً هيكلياً شاملاً، بل تبايناً في المواقف داخل بعض الوحدات والرتب الوسطى مقابل تماسك القيادة العليا. إن القدرة المؤقتة على السيطرة على البث التلفزيوني تعكس خرقاً في منظومة الانضباط، لكن سرعة استعادة السيطرة تؤكد أن الكتلة الصلبة لا تزال موحدة.[16]

يتأثر هذا الانقسام بالسياق السياسي والجدل الدستوري، بالإضافة إلى الإحباط الناتج عن الخسائر البشرية في الشمال. وفشل المحاولة لا يعني زوال الخطر؛ إذ تبرهن التجارب الإقليمية أن الانقلابات الكبرى تسبقها غالباً تمردات محدودة. لذا، تبرز الحاجة لمعالجة أسباب التوتر داخل الجيش عبر تحسين أوضاع الجنود وتعزيز الثقة بين القيادة والسلطة المدنية.[17]

المحور الخامس: ردود الفعل تجاه التحركات العسكرية في بنين

أثارت المحاولة موجة قلق إقليمية ودولية، واعتُبرت اختباراً لصلابة النظام الدستوري:

  1. الاتحاد الإفريقي: أدان المحاولة واعتبرها خروجاً عن الشرعية، مؤكداً مبدأ الرفض المطلق للتغييرات غير الدستورية.[18]
  2. إيكواس: اتسم ردها بالتصعيد، حيث أعلنت استعدادها لنشر قوات احتياط للدفاع عن الدستور، في محاولة لترميم هيبتها المفقودة في المنطقة.[19]
  3. فرنسا: تابعت الموقف بقلق عبر قنواتها الدبلوماسية؛ إذ ترى في استقرار بنين جزءاً من أمنها الاستراتيجي المتبقي في غرب إفريقيا بعد خسائرها في دول الساحل.[20]

المحور السادس: السيناريوهات المحتملة

تجد الدولة البنينية نفسها أمام أربعة سيناريوهات رئيسية:

  1. تثبيت الاستقرار وتشديد القبضة الأمنية: تعزيز الرقابة داخل الجيش والمؤسسات، وهو ما قد يضمن الهدوء القصير المدى لكنه يهدد بتعميق الاحتقان.
  2. الانفراجة السياسية: عبر حوار جاد مع المعارضة ومراجعة القوانين الانتخابية، وهو المسار الأكثر استدامة لضمان الشرعية.
  3. التدهور المزمن: في حال فشل الدولة في احتواء التهديد الأمني والاقتصادي، مما قد يدخل البلاد في حلقة مفرغة من الفقر والعنف.
  4. تدويل الأزمة: عبر تدخل إقليمي مباشر أو ضغوط خارجية، مما قد يحمي الدستور لكنه يمس بالسيادة الوطنية ويحول البلاد لساحة صراع نفوذ.

ختاماً، شكلت المحاولة الانقلابية الفاشلة في بنين لحظة كاشفة لاختلالات عميقة تتقاطع فيها الأبعاد السياسية بالأمنية. لقد أثبتت أن معالجة التهديدات الإرهابية بمعزل عن الإصلاحات السياسية ستظل معالجة ناقصة. وتبقى بنين أمام مفترق طرق يتوقف مآله على قدرة النخب الحاكمة على إعادة بناء الثقة وتحصين الجبهة الداخلية قبل أن تُفرض عليها مسارات خارجية أكثر كلفة.

المراجع

[1] Pulcherie Adjoha, Benin president says coup bid thwarted, vows retribution. https://www.reuters.com/world/africa/soldiers-benins-national-television-claim-have-seized-power-2025-12-07/

[2] Benin government says armed forces foil coup attempt, Washington Post. https://www.washingtonpost.com/world/2025/12/07/benin-coup-attempt/

[3] Benin’s interior minister says a coup attempt has been foiled. NBCUniversal Media. https://www.nbcnews.com/world/africa/soldiers-announce-apparent-military-coup-benin-rcna247813

[4] Benin’s interior minister says a coup attempt has been foiled, ibid.

[5] Jeannine Ella Abatan, Links between violent extremism and illicit activities in Benin, ISS Africa. https://issafrica.org/research/west-africa-report/links-between-violent-extremism-and-illicit-activities-in-benin

[6] Links between violent extremism and illicit activities in Benin, ibid.

[7] Links between violent extremism and illicit activities in Benin, ibid.

[8] Paul Njie AND OTHERS, Benin coup thwarted by loyalist troops, president tells nation, BBC. https://www.bbc.com/news/articles/c62v7n9wzkyo

[9] تعديل دستوري في بنين يمدد ولاية الرئيس ويؤسس مجلساً للشيوخ، الجزيرة الإخبارية. https://shorturl.at/xCU1T

[10] بنين: السماح للحزب الديمقراطي المعارض بالمشاركة في الانتخابات التشريعية، قراءات إفريقية. https://shorturl.at/tzvDs

[11] Yesmin Elhemaly, Benin New coup in West Africa. https://democraticac.de/?p=107709

[12] Héni Nsaibia. New frontlines: Jihadist expansion is reshaping the Benin, Niger, and Nigeria borderlands. https://acleddata.com/report/new-frontlines-jihadist-expansion-reshaping-benin-niger-and-nigeria-borderlands [13] New frontlines: Jihadist expansion is reshaping the Benin, Niger, and Nigeria borderlands, ibid.

[14] Benin New coup in West Africa, ibid.

[15] محمد عبد الفتاح، اقتصاد بنين صامد رغم «محاولة انقلاب»، سي إن إن بيزنس عربي. https://cnnbusinessarabic.com/economic-stories/1131912/

[16] David Pilling, Coup attempt in Benin thwarted, says interior minister, Financial Times. https://www.ft.com/content/5e8d34bd-d36a-4076-a60a-76707220d2e5

[17] Amelia Nierenberg and Saikou Jamme, Benin Rejects Claims of a Coup by Opposition Soldiers. https://www.nytimes.com/2025/12/07/world/africa/benin-coup-shots-military-africa.html

[18] إدانات أفريقية وهدوء حذر في عاصمة بنين بعد محاولة انقلاب، الجزيرة الإخبارية. https://shorturl.at/k58av

[19] المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا تعلن استعدادها لنشر قوات في بنين، الأهرام. https://gate.ahram.org.eg/News/5347921.aspx

[20] Benin government says armed forces foil coup attempt, ibid.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts