
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية ومترجمة متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
لم تعد المواجهة بين إيران وإسرائيل محصورة في حدود الجغرافيا أو ساحات الاشتباك العسكري المباشر وغير المباشر، بل انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء أكثر اتساعاً وتأثيراً، وهو فضاء الصورة والمنصات الرقمية. في هذا السياق، برزت ما يمكن تسميته بـ «حرب الكاريكاتير» وحرب مواقع التواصل الاجتماعي كأدوات ناعمة، لكنها شديدة الفعالية، ضمن استراتيجية إسرائيلية أوسع لاستهداف الداخل الإيراني نفسياً وسياسياً.
الكاريكاتير كسلاح نفسي
الكاريكاتير السياسي ليس مجرد رسم ساخر، بل أداة قديمة في الحروب النفسية، تقوم على تبسيط الصراع وتحويل الخصم إلى صورة نمطية قابلة للسخرية أو الازدراء. في الحالة الإيرانية، ركزت الرسوم المتداولة عبر حسابات إسرائيلية رسمية أو شبه رسمية، وكذلك شبكات داعمة لها، على تصوير القيادة الإيرانية في هيئة عاجزة، منفصلة عن الواقع، أو متناقضة مع معاناة المواطن العادي.
وتكمن خطورة الكاريكاتير في قدرته على اختراق الحواجز اللغوية والثقافية؛ فالصورة الساخرة تصل أسرع من المقال والتحليل، وتُختزل في الذاكرة الجمعية بسهولة، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات الاجتماعية.
حرب المنصات: من الخارج إلى الداخل
نشطت إسرائيل بشكل لافت على منصات مثل فيسبوك و X (تويتر سابقاً)، وإنستغرام، وتليغرام، عبر حسابات ناطقة بالفارسية، سواء كانت رسمية كحسابات المتحدثين العسكريين، أو غير رسمية لكنها تعمل ضمن السردية ذاتها. هذه الحسابات لا تخاطب الدولة الإيرانية، بل تتوجه مباشرة إلى الشعب الإيراني، مستخدمة لغة عاطفية أحياناً، وساخرة أحياناً أخرى، وتُظهر نفسها كـ**«صديق للشعب وعدو للنظام»**.
استثمار اللحظة الداخلية
تتزامن ذروة هذا النشاط عادة مع الاحتجاجات، أو الأزمات الاقتصادية، أو القرارات الحكومية المثيرة للجدل داخل إيران. هنا تتحول مواقع التواصل إلى ساحة لتضخيم وتدوير الغضب، عبر:
- إعادة نشر مقاطع الاحتجاجات مع تعليقات موجهة.
- استخدام الكاريكاتير لربط الأزمات المعيشية بالسياسات الخارجية.
- طرح أسئلة استفزازية حول أولويات الدولة والإنفاق العسكري.
والهدف ليس صناعة الاحتجاج فحسب، بل توجيهه وتسييسه خارجياً، وربطه برواية تخدم الصراع الإقليمي.
من الإعلام إلى العمليات النفسية
ما يميز هذه الحرب الرقمية أنها لم تعد مجرد دعاية سياسية، بل باتت أقرب إلى عمليات نفسية منظمة (Psychological Operations)، تعتمد على:
- التكرار المستمر للرسائل.
- اللعب على التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.
- استخدام الفكاهة والسخرية كوسيلة لتقليل هيبة الخصم.
وفي هذا الإطار، يصبح الكاريكاتير والمنشور القصير جزءاً من معركة “طويلة النفس”، لا تُقاس نتائجها فوراً، بل بتراكم الأثر.
حدود التأثير وردود الفعل
ورغم هذا النشاط المكثف، فإن تأثير هذه الحرب الرقمية يظل نسبياً ومحدوداً؛ فجزء من الشارع الإيراني يتعامل معها بوعي سياسي، ويرى فيها تدخلاً خارجياً مكشوفاً، بينما تستغلها السلطات الإيرانية لتعزيز خطاب «المؤامرة الخارجية» وتبرير تشديد الرقابة على الإنترنت.
لكن الخطورة الحقيقية تكمن في “المنطقة الرمادية”، أي الفئات الغاضبة أو المحبطة التي قد تتفاعل مع الرسائل الساخرة دون تبني الموقف السياسي الإسرائيلي كاملاً، لكنها في الوقت نفسه تفقد ثقتها في الخطاب الرسمي الداخلي.
خاتمة
إن حرب الكاريكاتير ومواقع التواصل الاجتماعي بين إسرائيل وإيران تعكس تحول الصراعات الحديثة من ساحات النار إلى ساحات الوعي. إنها مواجهة لا تُستخدم فيها الصواريخ، بل الرموز والصور والمنشورات القصيرة، حيث يصبح «اللايك» و«إعادة النشر» جزءاً من معادلة القوة. وفي عالم باتت فيه الصورة أسرع من الحقيقة، تظل هذه الحروب الناعمة أخطر مما تبدو؛ لأنها تستهدف ما هو أعمق من السياسة، وهو الإدراك الجمعي للواقع.


