On Research

مقالات تحليلية

قراءة في ماهية الاحتجاجات الإيرانية (1401 هـ.ش – 1404 هـ.ش)

Email :3170

إعداد
د. محمد حسن الزيبق
كاتب أكاديمي متخصص في الشأن الإيراني
كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر
جمهورية مصر العربية

 

مقدمة: من “مهسا أميني” إلى “ديماه 1404 هـ.ش” شهدت إيران خلال السنوات الأربع الأخيرة هزات اجتماعية عنيفة، بدأت بـ “حركة زن، زندگي، آزادي” (امرأة، حياة، حرية) في خريف 1401 هـ.ش، وصولاً إلى موجة احتجاجات “ديماه” (ديسمبر/ يناير 2025/ 2026) 1404 هـ.ش. ورغم أن كلا الحدثين يعبران عن عمق الفجوة بين الدولة والمجتمع، إلا أن تحليل عباس عبدي يكشف عن تحولات بنيوية جعلت من احتجاجات 1404 حدثاً أكثر تعقيداً وخطورة من الناحيتين السياسية والأمنية.

أولاً: التحول من “العفوية” إلى “التدبير والتخطيط” أحد أهم الفروقات التي يطرحها عبدي هو عنصر “التوقع”:

  • في 1401 هـ.ش: اندلعت الاحتجاجات بشكل مفاجئ إثر حادثة أخلاقية وقيمية (وفاة مهسا أميني)، مما جعلها عاطفية، واسعة، وغير متوقعة في توقيتها.
  • في 1404 هـ.ش: يرى عبدي أن الاحتجاجات كانت “متوقعة” تماماً للنخب السياسية؛ فقد أدى انسداد الأفق السياسي، وفشل النظام في استثمار “لحظة الوحدة الوطنية” التي تلت “حرب الـ 12 يوماً” (صراع عسكري مفترض في 2025)، إلى عودة الاحتقان بشكل أكثر حدة. هنا لم يعد الانفجار مفاجأة، بل كان نتيجة حتمية لسلسلة من السياسات الخاطئة.

ثانياً: تجذر حالة “الاستصواب” في بنية الإعلام والدولة أصبحت حالة “الاستصواب” تمثل فلسفة الحكم في إيران؛ إذ لم يعد مصطلح “الاستصواب” في الأدبيات السياسية الإيرانية مجرد إجراء قانوني مرتبط بمجلس صيانة الدستور لغربلة المرشحين، بل تحول – كما يرى عبدي – إلى “ممارسة بنيوية” تتغلغل في مفاصل الدولة. هذه الرقابة الانتقائية وفرض المعايير الأيديولوجية الصارمة لم تعد تقتصر على صناديق الاقتراع، بل امتدت لتشمل الإعلام، والوظائف الحكومية، والمناهج التعليمية، مما خلق واقعاً يتسم بالانسداد والابتذال.

ويشير عبدي إلى أن “الاستصواب في الإذاعة والتلفزيون أسوأ من أي مكان آخر”، فخطورته تكمن في خلق “واقع موازي”. وعندما تختار مؤسسة رسمية مثل “صدا وسيما” تهميش الكفاءات بناءً على الولاء، فإنها تتحول إلى أداة دعائية، مما أدى إلى:

  1. هجرة النخب: شعور الكفاءات بالاغتراب الداخلي أو الهجرة الفعلية نتيجة الاستبعاد الأيديولوجي.
  2. فقدان المرجعية الإعلامية: لجوء الشارع إلى الفضاء الافتراضي والإعلام الخارجي، مما أفقد الدولة سيطرتها على السردية العامة.

ثالثاً: قانون “الوظائف الحساسة” وإقصاء الكفاءات يمثل قانون “تعيين الأشخاص في الوظائف الحساسة” نموذجاً للاستصواب الإداري، حيث تحولت المعايير الأمنية إلى عملية “تطهير” للبيروقراطية من أي فكر إصلاحي أو تكنوقراطي مستقل. هذا النهج أنتج “الابتذال السياسي”، حيث يتم تصعيد الشخصيات بناءً على الطاعة لا القدرة على حل الأزمات المعقدة (التضخم، أزمة المياه، العقوبات)، مما أدى إلى “عجز السياسات”.

رابعاً: الأثر الاجتماعي.. من “الانسداد” إلى “الجمود” يعيش المجتمع الإيراني حالة من “التعليق” أو الجمود. الرقابة السلوكية خلقت فجوة هائلة بين جيل شاب يتوق للانفتاح ومنظومة تصر على فرض نمط حياة محدد (كالحجاب الإلزامي). وبحسب عبدي، فإن الإصرار على الرقابة السلوكية أدى لنتائج عكسية، حيث نشأ “قانون على الورق” يقابله “واقع في الشارع”، وهو تناقض يضعف هيبة الدولة ويخلق صداماً صامتاً مستمراً.

خامساً: الانسداد السياسي وموت “فكرة الإصلاح” أفرغت الرقابة الانتخابية المؤسسات التشريعية من محتواها، فالبرلمان الذي يُنتخب بمعايير ضيقة فشل في أن يكون “صمام أمان”. وعندما تُسد قنوات التعبير الشرعي، ينتقل الاحتجاج إلى الشارع، ويتحول النقد إلى رغبة في التغيير الجذري. إن “الاستصواب” الذي استهدف حماية النظام أصبح المهدد الأكبر لاستقراره لتعطيله آليات التصحيح الذاتي.

سادساً: استراتيجية “تضييع الفرص الذهبية” تجلت هذه الاستراتيجية في مفهوم “الوحدة المهدورة”؛ فبعد “حرب الـ 12 يوماً”، شهدت إيران تلاحماً شعبياً حول فكرة “وحدة الأراضي الإيرانية”. وبدلاً من استثمار النظام لهذه اللحظة لإجراء إصلاحات هيكلية، اعتبرها “صك غفران” لسياساته، مما أدى لانهيار الثقة وتحول الشعور بالوحدة إلى شعور بالخديعة، فانطلقت احتجاجات 1404 من نقطة أكثر عدائية تجاه المركز.

سابعاً: ديموغرافية الاحتجاج.. “ذكورية خشنة” في مواجهة “ثورة ناعمة” يبرز هنا اختلاف جوهري في طبيعة الفاعلين:

  • احتجاجات 1401 هـ.ش: كانت “أنثوية” في طليعتها، اتسمت بمطالب حقوقية ومدنية، وحظيت بتعاطف دولي واسع.
  • احتجاجات 1404 هـ.ش: يلاحظ تراجع حضور النساء وظهور “الشباب الذكور” كقوة محركة، مما زاد من حدة العنف. هؤلاء الشباب يرون في مؤسسات الدولة “عدواً” لا “ناظماً”، فارتفع سقف مطالبهم إلى “الإسقاط المباشر”.

ثامناً: “تسييس المطالب” والهروب من الأهداف النوعية بسبب منع الاحتجاجات القانونية، تتحول أي حركة مطلبية فوراً إلى حركة سياسية. في 1404، انتقلت الشعارات من “الغلاء والمعيشة” إلى “الإطاحة بالنظام” بسرعة قياسية، مما يعكس فقدان الأمل في “الإصلاح الجزئي”.

تاسعاً: دور “حكومة بزشكيان” (المقاربة المختلفة) استخدمت حكومة بزشكيان “الأدوات الناعمة” (لجان التواصل، إقالة مسؤولين، النزول الميداني) لاحتواء الموقف. ويرى عبدي أن هذا السلوك المرن هو ما منع المدن الكبرى من الانفجار الكامل حتى الآن، محذراً من أن هذا “الهدوء النسبي” قد يتبدد إذا لم تتبعه قرارات سياسية كبرى، أو إذا أجهض التدخل الأمني الخشن جهود الحكومة.

عاشراً: معادلة “الاعتراف المتبادل” يختم عبدي بطرح تساؤل: هل تعترف السلطة بـ “الآخر”؟ في 1401، كان الآخر يبحث عن “اعتراف بنمط حياته”. أما في 1404، فأصبح الآخر “أغلبية” تطالب بالاعتراف بتمثيلها في الشارع، وصناديق الاقتراع، والإعلام. القاعدة هنا: “إذا لم تعترف السلطة بوجود الآخر، فإنها تمنحه تلقائياً رخصة عدم الاعتراف بها”.

حادي عشر: تآكل المصادر الشرعية للسلطة يرى عبدي أن مصادر قوة النظام (الثورة، الإسلام، النفط، الشعب) بدأت “تنضب”. حتى “الإسلام” كمنبع للشرعية تآكل بسبب احتكار الدولة لتفسيره، مما أدى لنفور حتى الطبقات المتدينة التي ترفض التسييس الفج للدين.

الخلاصة: احتجاجات 1401 كانت صرخة من أجل “الحرية”، بينما احتجاجات 1404 هي انفجار ناتج عن “اليأس من الإصلاح”. لقد أصبحت الهوية الاحتجاجية أكثر خشونة وأقل استعداداً للتفاوض. المخرج الوحيد ليس في تشديد الرقابة، بل في “الاعتراف بالتعددية” وإلغاء المعايير الاستصوابية التي تقصي الكفاءات، لإنهاء حالة “الجمود” والانسداد التي تنهش في جسد البلاد.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts