
إعداد
سارة الجندي
باحثة في العلوم السياسة
جمهورية مصر العربية
مقدمة:
تُعد الإبادة الثقافية أحد أبرز أشكال العنف التي تستهدف هوية الشعوب وذاكرتها الجمعية، عبر تدمير رموزها الثقافية والدينية والتاريخية. وفي السياق الفلسطيني، يُشكل الاحتلال الإسرائيلي نموذجًا صارخًا لهذه الممارسات؛ حيث إنه لم يكتفِ بقتل الفلسطينيين العُزل من كل الفئات؛ أطفال، ونساء، ورجال، وكبار السن، وإبادتهم إبادة جماعية، بل عمل أيضًا بشكل منهجي على طمس المعالم الثقافية الفلسطينية، بدءًا من تدمير المنازل والقُرى التاريخية، مرورًا بمصادر الأرشيفات والمخطوطات، ووصولًا إلى تشويه الرواية التاريخية الفلسطينية. ففي العدوان الحالي على غزة فقط، دُمر أكثر من 200 موقع أثري ومقدس في غزة جرّاء الغارات الإسرائيلية، من بينها مساجد وكنائس ومكتبات ومتاحف، وهو ما يرقى لحد الإبادة الثقافية.
وهذه السياسة الإسرائيلية الممنهجة لطمس الهوية والذاكرة الثقافية الفلسطينية ليست حديثة، فمنذ عام 1948م وقد سطا الاحتلال على آثار فلسطينية مثل التوابيت الكنعانية والمخطوطات ونقلها إلى متاحفه، مما أعاق جهود استعادة هذه القطع الأثرية. كما دمر العدوان العسكري جزءًا كبيرًا من التراث في غزة والقدس ونابلس، بما في ذلك تدمير المكتبات الجامعية وحرق الكتب. فما يقوم به الكيان الصهيوني منذ أكثر من سبعة وسبعين عاماً وحتى الآن لا يقتصر فقط على إبادة الشعب الفلسطيني وتدمير البنية التحتية وجعل قطاع غزة أو الضفة الغربية أو باقي الأراضي المقدسة غير صالح للحياة، بل يعمل الاحتلال أيضًا وفق سياسة ممنهجة تهدف إلى تدمير البنية الثقافية والتعليمية الفلسطينية وحتى فرض الرقابة القسرية على الإنتاج الفكري الفلسطيني، من خلال تجريم امتلاك كُتب تُعبر عن الهوية الوطنية الفلسطينية، حتى ولو كانت كتب أطفال أو مراجع تاريخية أو حتى مجرد وجود العلم الفلسطيني على هذه الكتب. فإن تدمير إسرائيل للتراث الفلسطيني ليس مجردَ انتهاكٍ لحقوق الإنسان، بل محاولة لقتل روح الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، تبقى المقاومة الثقافية دليلًا على أن الهوية لا تُباد بسهولة، وهو ما يُفرض على المجتمع الدولي تحمّل مسؤوليته القانونية والأخلاقية لوقف هذه الجريمة المستمرة. فعلى الرغم من محاولات الاحتلال الدائمة لمحو التراث، يستمر الفلسطينيون في نقل تراثهم عبر الروايات والحكايات والتاريخ الشفوي. كما تُبذل جهود توثيقية للحفاظ على التراث غير المادي مثل الحرف اليدوية والأكلات الشعبية والأزياء التقليدية، من خلال مؤسسات فلسطينية رغم الظروف الصعبة التي يفرضها الاحتلال الصهيوني.
أولًا: نبذة عن التراث الفلسطيني:
يُشكّل التراث الفلسطيني منظومة متكاملة من العناصر الثقافية والمادية التي تجسّد هوية الشعب الفلسطيني وتاريخه العريق. فهو ليس مجرد موروث تقليدي، بل انعكاس لتفاعل حضاري طويل امتدّ عبر آلاف السنين، منذ العصور الكنعانية وحتى الأزمنة الإسلامية والعثمانية، مرورًا بالفترات الإغريقية والرومانية والبيزنطية. ويُعتبر هذا التراث بمثابة سجل حيّ لوجود بشري وثقافي عميق على أرض فلسطين، تجسّد في العمارة، والفنون، والديانة، والعادات الاجتماعية، والعلاقة المتجذّرة بالأرض.[1]
تقع غزة، كجزء من هذا الإرث، في قلب الموروث التاريخي الفلسطيني. فقد عُرفت كمركز تجاري وحضاري منذ العصر البرونزي المبكر، حيث سكنها الكنعانيون واتخذوها بوابة للتجارة بين مشرق المتوسط وشبه الجزيرة العربية. ومرّت المدينة لاحقًا تحت حكم عدد من الإمبراطوريات الكبرى مثل المصرية، والآشورية، والفارسية، والإغريقية، والرومانية، والإسلامية، وهو ما أضفى على معالمها الثقافية طابعًا تعدديًا فريدًا يعكس التراكم الحضاري للمنطقة.[2]
ويضمّ قطاع غزة مئات المواقع والمعالم التي تشهد على هذا التنوع، من بينها المساجد التاريخية والكنائس، والزوايا الصوفية، والمدارس القديمة، والخانات، والبيوت التراثية ذات الطابع المعماري الإسلامي والشرقي، بالإضافة إلى المقابر والأسواق التي تعود لمراحل تاريخية مختلفة. وقد أظهرت الدراسات الأثرية وجود ما يزيد على 300 موقع تراثي في القطاع، تتوزّع في المحافظات الخمس، وتتركز غالبًا في مدينة غزة القديمة، التي تُعد من أقدم المستوطنات البشرية غرب فلسطين. من أبرز هذه المعالم، المسجد العمري الكبير في حي الدرج، الذي شُيّد على مراحل متعاقبة منذ أن كان معبدًا وثنيًا، ثم تحوّل إلى كاتدرائية بيزنطية، قبل أن يُعاد ترميمه وتحويله إلى مسجد إسلامي يحمل اسم الخليفة عمر بن الخطاب. كما يُعد قصر الباشا أحد رموز العمارة المملوكية، حيث كان مقرًا للحكم والتعليم ومتحفًا تراثيًا في أوقات مختلفة، ويتميّز بزخارفه وهندسته البديعة. هذا إلى جانب مواقع أخرى ذات دلالة تاريخية ودينية، مثل دير القديس هيلاريون، أحد أقدم الأديرة المسيحية في بلاد الشام، وميناء الأنثيدون الذي يُعتقد أنه أول ميناء في غزة، ويعود تاريخه إلى القرن التاسع قبل الميلاد.[3]
ولا يقتصر التراث الفلسطيني على المواقع المادية فقط، بل يشمل أيضًا التراث غير المادي، كالحكايات الشعبية، والأغاني التراثية، والرقصات كالدبكة، والتطريز التقليدي الذي يُعتبر لغة بصرية توثق انتماء النساء الفلسطينيات لقراهن ومدنهن عبر الألوان والرموز، وكذلك المأكولات الشعبية التي تعبّر عن هوية المجتمع وذاكرته الجماعية.[4]
ثانيًا: تدمير التراث الفلسطيني والرموز الثقافية منذ 7 أكتوبر 2023:
تدمير المتاحف في قطاع غزة:

تُعد المتاحف في قطاع غزة من أبرز المؤسسات الحافظة للذاكرة الثقافية الفلسطينية، إذ تحتضن مجموعات أثرية فريدة تمثل تسلسلًا حضاريًا يمتد من العصور الكنعانية القديمة حتى الفترات الإسلامية المتأخرة. وقد لعبت هذه المتاحف دورًا محوريًا في توثيق الهوية التاريخية للشعب الفلسطيني، ونقلها إلى الأجيال، فضلًا عن كونها أدوات تعليمية وثقافية حية في ظل محدودية الموارد الأكاديمية المتاحة داخل القطاع.[5]
إلا أن العدوان على غزة منذ أكتوبر 2023م ألقى بظلاله على هذه المؤسسات التراثية، إذ طالت الهجمات العسكرية عددًا من المتاحف المركزية، مُحدِثة أضرارًا فادحة في أبنيتها ومحتوياتها. فقد تعرض متحف خان يونس، الذي أنشئ عن طريق الأفراد ويضم قطعًا من الفخار والعملات والزجاج الملون تعود لعصور متعددة، إلى قصف ألحق به دمارًا جزئيًا، تسبب في تحطم عدد من القطع وفقدان أخرى لا يمكن تعويضها. كما نال الضرر من متحف العقاد للتراث الشعبي، الذي يضم أكثر من 2800 قطعة أثرية وفنية جمعت على مدار عقود، إذ ظهرت عليه آثار التصدع، وتهشمت بعض معروضاته الزجاجية، مما يهدد سلامة مقتنياته. أما قصر الباشا – وهو مبنى أثري يعود للعصر المملوكي- فقد لحقت به أضرار في هيكله الأساسي المعماري، وسط غياب بيانات دقيقة حول مصير موجوداته الأثرية.[6]
يُقدّر عدد المتاحف العاملة في القطاع قبل الحرب بنحو 12 متحفًا تحتوي مجتمعة على قرابة 12,000 قطعة أثرية. وقد نشأت معظم هذه المتاحف بجهود فردية ومجتمعية، في ظل غياب منظومة وطنية متكاملة للتراث، ما جعلها أكثر عرضة للخطر أثناء العدوان، خاصةً مع استشهاد أو تهجير القائمين عليها، أو تدمير الأبنية التي تضمها بالكامل.[7]
تدمير المساجد والكنائس:

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023م، وقد اتّسمت الهجمات العسكرية بطابع شمولي، حيث شملت المعالم الدينية والمواقع ذات القيمة التراثية والروحية العالية. قد أسفر القصف عن تدمير عدد كبير من المساجد التاريخية، بينها المسجد العمري الكبير الذي يُعد من أبرز معالم مدينة غزة القديمة، ويُعتبر شاهدًا على تعاقب الحقب الإسلامية فيها. كما تعرّض مسجد السيد هاشم، الذي يحظى بمكانة دينية خاصة كونه يُنسب إلى أحد أجداد النبي محمد ﷺ، إلى أضرار جسيمة نتيجة الاستهداف المباشر. ولم يسلم مسجد كاتب ولاية، وهو تحفة معمارية تعود إلى العصر المملوكي، من القصف الذي ألحق به أضرارًا بالغة. وتُشير المعطيات الرسمية إلى أن ما لا يقل عن 738 مسجدًا قد دُمّر بالكامل، إلى جانب أضرار لحقت بما يقارب 189 مسجدًا آخر، ما يدل على اتساع نطاق الاستهداف ومركزيته في هذه الحرب. ولم تقتصر الانتهاكات على دور العبادة الإسلامية، بل طالت كذلك الكنائس التي تُشكّل جزءًا لا يتجزأ من النسيج الثقافي والوطني الفلسطيني. فقد تعرّضت كنيسة القديس برفيريوس، أقدم كنائس غزة التي تعود إلى القرن الخامس الميلادي، لقصف خلّف دمارًا كبيرًا وأودى بحياة عدد من المدنيين الذين لجأوا إليها طلبًا للأمان. كما أُصيبت كنيسة العائلة المقدسة، وهي الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في القطاع، بأضرار بالغة نتيجة القصف. وشهد المستشفى المعمداني التابع للكنيسة الإنجليكانية مجزرة مروّعة في أكتوبر 2023م، حيث قُتل المئات إثر قصف مباشر لساحته الخارجية.[8]
تدمير المكتبات:

ضمن هذا الاستهداف الممنهج، برزت مكتبة بلدية غزة العامة، وهي التي مثّلت لسنوات طويلة فضاءً معرفيًا مفتوحًا للباحثين والطلبة ورافدًا مهمًا للثقافة المحلية في فلسطين عمومًا، وغزة خصوصًا، لقد طالها القصف الإسرائيلي بشكل مباشر؛ مما أدى إلى تدميرها بالكامل إلى ركام. لم يكن الدمار مجرد فقدان لمبنى، بل كان محوًا لمحتوى معرفي غني، تراكم على مدى عقود. فالمكتبة كانت تضم آلاف الكتب والمجلدات، إلى جانب أرشيف يضم وثائق تاريخية تعود إلى أكثر من مئة عام، من بينها مخططات لبيوت قديمة ووثائق عمرانية مكتوبة بخط اليد، فضلاً عن نسخ من صحف فلسطينية قديمة تعكس تطورات الحياة السياسية والاجتماعية في فترات مختلفة.[9]
لم يكن الاستهداف مقتصرًا على مكتبة بلدية غزة، بل تعدّى ذلك إلى مكتبات ومراكز توثيقية متنوعة، شكّلت عبر عقود من الزمن مراكز إشعاع معرفي وثقافي. من بين هذه المكتبات، مكتبة ديانا تماري صباغ التي كانت تحتضن آلاف العناوين وتخدم شرائح مختلفة من المجتمع، ومكتبة مركز هولست التي خُصّصت للأطفال وتوفّر بيئة تعليمية آمنة وداعمة، فضلًا عن تدمير مكتبة وأرشيف دائرة المخطوطات والآثار التي كانت تضم مئات الوثائق والمخطوطات التاريخية، بعضها يعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي. كما طالت يد القصف أرشيف مركز التخطيط الفلسطيني الذي يُعد من أبرز مراكز الدراسات في غزة، وكان يحتوي على مكتبة متخصصة في القضية الفلسطينية.[10]
إنّ هذا الاستهداف المنهجي للمكتبات لا يمكن عزله عن سياق أوسع من محاولات طمس الهوية الفلسطينية وقطع الصلة مع التاريخ والحق في المعرفة. الدمار الذي حل بهذه المؤسسات لا يمثّل فقدانًا ماديًا فحسب، بل يرمز إلى جريمة ثقافية تهدد الوجود الفلسطيني في أحد أكثر تجلياته رسوخًا.
ثالثًا: الدوافع الكامنة وراء الإبادة الثقافية:
تعرض المشهد الثقافي والتراث الثقافي الفلسطيني المادي وغير المادي في قطاع غزة وباقي أراضي فلسطين التاريخية إلى اعتداءات وأعمال تدمير ومحو واسعة النطاق أثناء العدوان الإسرائيلي منذ بدء احتلال الأراضي الفلسطينية رسميًا في عام 1948م وحتى اللحظة الراهنة. إذ استهدفت آلة الحرب الإسرائيلية بالإضافة للإنسان الفلسطيني، الأعيان المدنية والمعالم والمواقع الأثرية التاريخية والدينية في القطاع، إضافةً للمؤسسات الثقافية والأكاديمية والمكتبات، والمباني والمتاحف والميادين العامة والبُنى التحتية الثقافية بأكملها، والتي تشكل ذاكرة وتاريخ شعب عمل على مدار سنوات الاحتلال والاضطهاد على حماية موروثه التراثي والثقافي والديني؛ حفاظًا على هويته الوطنية والعربية. ومنذ بداية الاحتلال ولم تقتصر الإبادة الثقافية على الهدم والتدمير فقط للتراث والرموز الثقافية، بل قام العدوان الصهيوني بالعديد من أشكال الإبادة الثقافية الأخرى مثل التهويد، سرقة التراث، تحريف اللغات، وتحويل أسماء المدن والشوارع إلى مفردات عبرية. فإن أهمية التراث الفلسطيني تكمن في منطلق أنه الهوية التي تميز الأرض وأهلها عن غيرها، وهو ما يعطيها القيمة الحقيقية للوجود الحضاري والفكري في تاريخ الأمم ومستقبلها، وسرقة التراث أو تزويره هو بمثابة سرقة لتلك الأرض، فأرض فلسطين لها تاريخ وحضارة شعبية، فهي مهبط الأديان السماوية ولها معالمها ومواقعها التراثية العريقة، وطقوسها، وعاداتها، ومأكولاتها، وفنها وغناؤها.[11]
ويرتبط استهداف الاحتلال للهوية الثقافية والتاريخية للفلسطينيين في قطاع غزة بجرائم الإبادة الجماعية بحق سكان القطاع، فما يرتكبه الاحتلال من إبادة جماعية وتطهير عرقي بحق الفلسطينيين يهدف إلى قتلهم وتدميرهم ماديًا ومعنويًا، ومحو آثارهم وتُراثهم وطمس هويتهم وثقافتهم، في سبيل اقتلاعهم من أرضهم وسرقة الجغرافيا والتاريخ، والرواية والسردية التي ربطت هذا الشعب بأرضه على مدار أكثر من 4500 عام.
تُعد إسرائيل كيانًا قائمًا على معتقدات ورواية تاريخية زائفة تزعم أن فلسطين كانت “أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض”، ولذلك يسعى الاحتلال الصهيوني إلى محو أي دليل على الوجود الفلسطيني، حيث أن التراث والرموز الثقافية هي دليل على البقايا المادية للإنسان، وبأن الشعب الفلسطيني كان موجودًا على أرض فلسطين منذ أقدم العصور. ولذلك، ففي سبيل الاحتلال الإسرائيلي لتكريس السردية الصهيونية التي ابتدعها من وحي الخيال، يقوم بكل ما يلزم لتدمير التراث والرموز الثقافية الفلسطينية لجعل الفلسطينيين غرباء في أرضهم، وفي المقابل يقوم ببناء هوية إسرائيلية مصطنعة ومزيفة تقوم على سرقة التاريخ الفلسطيني ونسبه لهم ليكون هو ذريعة البقاء الإسرائيلي على أرض فلسطين. فمنذ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عام 1948م، وقد أصبحت مدينة القدس إلى جانب المدن والقرى الفلسطينية رمزًا للصراع الثقافي، حيث قام الاحتلال الإسرائيلي بالتغيير الديموغرافي وتهويد الأرض والتراث الفلسطيني بما يضمن أغلبية يهودية في الأراضي الفلسطينية وخاصةً في الضفة الغربية والقدس، فقام بتغيير ملامح فلسطين العربية ومعالمها الجغرافية والدينية والمعمارية والسكانية واستبدالها بمسميات ورموز عبرية، وبدأ بسلسلة جرائمه المشهودة بهدم المنازل، والاستيلاء على الأملاك الخاصة والعامة، ومصادرة الأراضي، وإغلاق المدارس والمراكز التعليمية والثقافية والمواقع التراثية والأثرية، والتدخل في المناهج التعليمية، والاستيلاء على الكتب والمخطوطات والخرائط، والاعتداء على دور العبادة الإسلامية والمسيحية.[12]
ففي عام 1967م بعد احتلال القدس الشرقية، نُقلت عشرات القطع الأثرية من متحف فلسطين للآثار في القدس الشرقية إلى متحف إسرائيل في القدس الغربية. كما أنه في عام 2002م، مع بناء جدار الفصل العنصري، دُمر ما يُقدر بألف ومئة معلَم وموقع أثري فلسطيني بسبب بناء الجدار، بينما عُزلت مئات المواقع الفلسطينية الأخرى تمامًا وضُمت إلى إسرائيل.[13] وبالتالي فإن تدمير ونهب الرموز الثقافية يُساهم في تعزيز السيطرة السياسية لإسرائيل على أرض فلسطين، حيث أن تذويب الذاكرة الجماعية يُضعف المطالب بحق العودة ويقلل من تماسك الهوية الفلسطينية.
إن محو التاريخ والثقافة في غزة هي جزء من نمطٍ متجذر من التدمير الثقافي في جميع أنحاء فلسطين التاريخية، الذي يُغذي منطق الاستعمار الاستيطاني كإطار شامل يهدف إلى طمس كل جوانب الشعب وهويته من الأرض الفلسطينية. فالاستعمار الاستيطاني يسعى لاستبدال السكان الأصليين بمستوطنين جدد، وهو ما يتطلب تدمير الثقافة الأصلية وكل ما يعبر عن هوية السكان الأصليين. فقيام الكيان الصهيوني بالاستيلاء على الأرض والذاكرة التاريخية والثقافية جعل الفلسطينيين شعبًا بلا تاريخ، وترك فلسطين في حالة وصفها باحثون بـ “العُري الثقافي”.[14]
تُمثل أيضًا ضمن تبريرات الاحتلال الصهيوني وراء الإبادة الثقافية هذه هي التفسيرات الدينية التي تستشهد بأحداث وعبارات من الكتاب المقدس بشكلٍ مفرط لخدمة أهداف الإبادة ومحو الذاكرة التاريخية لفلسطين. فيُغلف هذه السياسة الممنهجة العديد من القصص والأساطير والرموز الدينية التي تُبرر أفعال الجيش الإسرائيلي، فيرى بعض السياسيين والقادة العسكريين الإسرائيليين أنه من واجبهم إعادة تمثيل أحداث الدمار التاريخية، ومحو الذاكرة البصرية للشعوب المحتلة كأداة للإخضاع، مثل استنادهم لأسطورة “شمشون”.[15]
وحتى السياسيون العلمانيون الإسرائيليون يستشهدون بالماضي لتبرير أفعالهم التدميرية. فعلى سبيل المثال، قال أول رئيس وزراء إسرائيلي “ديفيد بن غوريون”: “يجب أن تكون هناك استمرارية من يوشع بن نون إلى جيش الدفاع الإسرائيلي”. كما ردد بنيامين نتنياهو هذا الشعور في أول خطاب له بعد عملية طوفان الأقصى، حيث أشار إلى القصة التوراتية عن إبادة النبي صموئيل للعماليق وشبّه الفلسطينيين بهؤلاء الأعداء القدامى، قائلًا: “كما هو مكتوب في التوراة، سأطارد أعدائي وأُدمرهم”،[16] مستمرين في ادعائهم بأن أرض فلسطين هي أرض الميعاد للإسرائيليين.
إن الثقافة الفلسطينية ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الهوية الفلسطينية، بل باتت إحدى أبرز أدوات المقاومة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني، ولذلك يعمل الاحتلال بشكلٍ مستمر على طمس هذه الثقافة. فقد تحولت الثقافة الفلسطينية إلى قوة ناعمة مؤثرة في معركة البقاء والوجود مستندة إلى موروث ثقافي طويل من الفنون والأدب الشعبي، وهذا الموروث لا يسهم فقط في حماية الهوية، بل ويبرزها عالميًا ويعزز دور الثقافة كوسيلة فعالة في النضال. فعلى سبيل المثال، قد رأينا انتشار ارتداء “الشال” الفلسطيني كأحد رموز الهوية الفلسطينية في جميع أنحاء العالم واستخدامه في المظاهرات العالمية الداعمة للقضية الفلسطينية. وبناءً على ذلك، أصبحت المواقع التراثية والرموز الثقافية هدفًا عسكريًا يُعد ردعًا اجتماعيًا للمقاومة المسلحة والسلمية،[17] عبر ضرب رموز مقدسة وتشويه تاريخي يبعث رسائل رادعة للسكان حول قدرة الاحتلال على مسح إرثهم إن تصاعدت المقاومة.
خاتمة:
إن ما يتعرض له التراث الفلسطيني من تدمير ممنهج لا يمكن فصله عن السياق الاستعماري الإحلالي الذي يسعى إلى طمس هوية الشعب الفلسطيني ومحو ذاكرته الجمعية. فقد بيّنت هذه الدراسة كيف تجاوز العدوان الإسرائيلي في غزة منذ أكتوبر 2023م حدود الحرب التقليدية ليطال عمق الوجود الثقافي والحضاري للفلسطينيين، من خلال استهداف المتاحف، والمساجد، والكنائس، والمكتبات، والمواقع الأثرية التي تُعد شواهد حية على امتداد التاريخ الفلسطيني وتجذّره في الأرض.
الإبادة الثقافية التي تُمارَس بحق الشعب الفلسطيني ليست حدثًا عابرًا، بل جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة كتابة التاريخ وتزييف الرواية الأصلية لصالح سردية استعمارية مضللة. وفي هذا الإطار، فإن تدمير الرموز الثقافية لا يعني فقط خسارة مادية، بل هو أيضًا تدمير لروح الجماعة الوطنية ومحاولة لاقتلاع الفلسطينيين من جذورهم التاريخية.
من هنا، تكتسب مسؤولية حماية التراث الفلسطيني بُعدًا نضاليًا وأخلاقيًا، لتصبح الثقافة فعل مقاومة وصمود في وجه محاولات الإلغاء والإبادة. ومن الضروري أن تتضافر الجهود الإقليمية والدولية للحفاظ على هذا التراث، وتوثيق الانتهاكات التي يتعرض لها، والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها وفق القوانين الدولية التي تجرّم التدمير الثقافي باعتباره جريمة حرب.
قائمة المراجع:
[1] مصطفي عبد الله، حرب غزة: الجريمة الأعظم في حق التراث الفلسطيني، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، تاريخ النشر: 12 أكتوبر 2024، متاح على:https://ecss.com.eg/48600/
[2] المرجع السابق.
[3] المرجع السابق.
[4] الفلكلور والتراث الشعبي، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية، متاح على: https://info.wafa.ps/Categorys/Details/131
[5] خالد عزب، غزة.. تراث تدمره الحرب وتحاصره إسرائيل، الجزيرة، تاريخ النشر: 17 أكتوبر 2023، متاح على: https://shorter.me/FeFOq
[6] المرجع السابق.
[7] المرجع السابق.
[8] أبرز المساجد والكنائس التي دمرها العدوان الإسرائيلي على غزة، الجزيرة، تاريخ النشر: 31 يناير 2025، متاح على: https://shorter.me/irchF
[9] زينب ضبع، قصف مكتبة بلدية غزة “يهدف إلى تدمير ذاكرة وتراث” المدينة، بي بي سي نيوز عربي، تاريخ النشر: 8 يناير 2024، متاح على: https://www.bbc.com/arabic/articles/cxe6d1lrz28o
[10] عبد اللطيف زيك أبو هاشم، التدمير المقصود لدور الوثائق والأرشيف والمؤسسات الثقافية والمكتبات في مدينة غزة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ورقة سياسات، العدد 68، 21 مارس 2024، ص ص.7-8، 11-12، متاح على: https://shorter.me/ycGDS
[11] شاهيناز العقباوي، بعد إبادة البشر واقتلاع الشجر.. جاء الدور على هدم الحجر.. مشروع صهيوني لطمس الهوية الفلسطينية وسرقة التراث، الأهرام، تاريخ النشر: 30 أبريل 2024، متاح على: https://gate.ahram.org.eg/News/4795850.aspx
[12] شاهيناز العقباوي، مرجع سبق ذكره.
[13] Caitlin Procter, Israel Is Systematically Destroying Gaza’s Cultural Heritage, JACOBIN, Published
[14] on: 13 March 2024, Available at: https://jacobin.com/2024/03/israel-gaza-war-cultural-heritage Ibid.
[15] أحمد عرفة، عقدة شمشون وتدمير التراث الفلسطيني (1).. الاحتلال اعتمد على رواية لطمس هوية الفلسطينيين.. هدم أكثر من 200 موقع أثري و9 متاحف.. داعب مشاعر اليهود لخلق مجال واسع من الكراهية المطلقة للفلسطينيين وتاريخهم، اليوم السابع، تاريخ النشر: 23 أبريل 2024، متاح على: https://shorter.me/8DuFe
[16] Israel’s Systematic Destruction of Cultural Heritage to Erase Arab Identity-Analysis, The Palestine Chronicle, Published on: 7 January 2025, Available at: https://shorter.me/I4XNI
[17] Pilar Montero Vilar, Destruction of Gaza Heritage Sites Aims to Erase -and Replace- Palestine’s History, The Conversation, Published on: 9 October 2024, Available at: https://shorter.me/pfQmx


