On Research

مقالات تحليلية

رؤية الأطياف السياسية لعملية الإصلاح في الجمهورية الإسلامية الإيرانية

Email :2281

إعداد
د. محمد حسن الزيبق
كاتب أكاديمي متخصص في الشأن الإيراني
كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر
جمهورية مصر العربية

 

 

 

مقدمة

لم يكن مفهوم «الإصلاح» في الجمهورية الإسلامية الإيرانية مفهومًا تقنيًا أو إداريًا محضًا، بل ظل منذ انتصار الثورة عام 1979 مفهومًا إشكاليًا شديد الارتباط بالشرعية السياسية، وبفهم الدولة لذاتها، وبالعلاقة المتوترة بين السلطة والمجتمع. فالإصلاح في الحالة الإيرانية لا يُطرح بوصفه مجرد تحسين للأداء أو تحديثًا للسياسات، وإنما بوصفه إعادة تعريف لمعنى الحكم، وحدود الدولة، ودور الشعب، وطبيعة العقد الاجتماعي الذي تأسس بعد الثورة.

ومع تعاقب الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في العقدين الأخيرين، بات سؤال الإصلاح سؤالًا مركزيًا لا يمكن لأي تيار سياسي تجاهله، وإن اختلفت المقاربات، والمصطلحات، وحدود المسموح والممنوع في طرحه. من هنا، لا يمكن الحديث عن «رؤية واحدة» للإصلاح داخل النظام الإيراني، بل عن رؤى متعددة ومتعارضة أحيانًا، تعكس تنوع الأطياف السياسية، وتباين قراءاتها للأزمة، ولطبيعة الدولة، ولمصدر الشرعية.

ومن هنا، يمثل مفهوم «الإصلاح» في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أحد أكثر المفاهيم التباسًا وتنازعًا بين التيارات السياسية، لا على مستوى البرامج فحسب، بل على مستوى اللغة والخطاب اللذين يُنتَج من خلالهما المعنى السياسي ذاته. وفي هذه الدراسة، لا يُتناول الإصلاح بوصفه شعارًا أو وعدًا، بل بوصفه بنية خطابية تتجسد في نصوص فارسية محددة، صادرة عن فاعلين سياسيين ينتمون إلى أطياف متمايزة. وعليه، فإن المقارنة هنا ليست توصيفية ولا انطباعية، بل قائمة على اقتباسات حرفية وتحليلها داخل سياقها السياسي والزمني، دون تعميم أو قفز استنتاجي.

تأتي تصريحات محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي، حول «الوعي»، و«الثقة»، و«تحويل المشكلات إلى قضايا»، بوصفها نموذجًا دالًا على التحول الخطابي داخل التيار المحافظ التقليدي، الذي بات يتحدث بلغة الإصلاح دون أن يتبنى بالضرورة مضمون الإصلاح الذي تطرحه التيارات الأخرى. وهذا ما يفتح الباب أمام سؤال جوهري: كيف تفهم الأطياف السياسية المختلفة في إيران مفهوم الإصلاح؟ وما حدود هذا الإصلاح في تصور كل تيار؟ وهل نحن أمام إصلاح داخل النظام، أم إصلاح للنظام، أم مجرد إدارة للأزمة بلغة إصلاحية؟

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية معمقة لرؤية مختلف الأطياف السياسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لعملية الإصلاح، من خلال تفكيك الخطاب السياسي، وربطه بالسياق البنيوي للأزمة، وتحليل التوتر القائم بين الخطاب والممارسة.

أولًا: الإطار المفاهيمي للإصلاح في السياق الإيراني

  1. الإصلاح بين الدلالة اللغوية والسياسية لغويًا، يحيل مفهوم الإصلاح إلى إزالة الفساد وإعادة الشيء إلى حالته السوية. أما سياسيًا، فيحمل المفهوم دلالات متعددة تتراوح بين التغيير التدريجي داخل النظام القائم، وإعادة هيكلة مؤسسات الحكم، وصولًا إلى إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع. في السياق الإيراني، اكتسب الإصلاح بعدًا خاصًا، إذ ارتبط منذ التسعينيات بما عُرف بـ «التيار الإصلاحي»، لكنه في الواقع أقدم من ذلك، إذ يمكن رصد جذوره في النقاشات المبكرة داخل النظام حول حدود ولاية الفقيه، ودور الشعب، ومكانة الدستور.
  2. الإصلاح بوصفه إدارة للأزمة أحد الإشكالات المركزية في الخطاب الإيراني حول الإصلاح هو تحوله، في كثير من الأحيان، من مشروع تغييري إلى أداة لإدارة الأزمة. فبدل أن يكون الإصلاح استجابة بنيوية لأسباب الاختلال، يصبح وسيلة لامتصاص الغضب الاجتماعي، أو تأجيل الانفجار، دون معالجة الجذور العميقة للأزمة.

ثانيًا: التيار المحافظ التقليدي – إصلاح من داخل النظام

  1. محددات الرؤية المحافظة يرى التيار المحافظ التقليدي أن الإصلاح ضرورة حتمية لضمان بقاء النظام واستمراريته، لكنه إصلاح «منضبط» ومحكوم بسقوف أيديولوجية ودستورية واضحة. هذا التيار، الذي يضم شخصيات ومؤسسات متجذرة في بنية الدولة، ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن أزمة الجمهورية الإسلامية ليست أزمة شرعية أو بنية سياسية، بل أزمة إدارة وكفاءة وثقة. من هنا، يمكن تلخيص محددات رؤيته للإصلاح في النقاط التالية:
  • الحفاظ الصارم على بنية النظام السياسي ومركزية ولاية الفقيه.
  • رفض أي إصلاح يمس توازن القوى القائم بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة.
  • أولوية الاستقرار والأمن على توسيع المشاركة السياسية.
  • التعامل مع المطالب الاجتماعية بوصفها مطالب معيشية وإدارية لا سياسية.
  1. أمثلة وخطابات دالة برز هذا التصور بوضوح في خطاب شخصيات مثل علي لاريجاني، ومحمد باقر قاليباف، ورؤساء السلطات خلال العقد الأخير. ففي أعقاب احتجاجات كانون الأول/ديسمبر 2017، شدد الخطاب المحافظ على «سوء الإدارة» و«الخلل الاقتصادي» بوصفهما جوهر الأزمة، مع تجنب الخوض في البعد السياسي للاحتجاجات. تصريحات قاليباف الأخيرة حول «آگاهی‌بخشی» (التوعية)، و«اعتماد» (الثقة)، و«تحويل المشكلات إلى قضايا»، تندرج في هذا السياق. فهي تعكس اعترافًا ضمنيًا بوجود أزمة ثقة، لكنها تحصر علاجها في الشفافية الإدارية، والحوكمة الذكية، وتحسين الأداء، دون الإشارة إلى إصلاحات سياسية بنيوية مثل توسيع صلاحيات البرلمان أو تقليص دور الهيئات الرقابية غير المنتخبة.
  2. الإصلاح كخطاب احتوائي عمليًا، يستخدم التيار المحافظ مفهوم الإصلاح بوصفه خطابًا احتوائيًا يهدف إلى امتصاص الغضب الاجتماعي، وإعادة إنتاج الشرعية، لا إلى إعادة توزيع السلطة. وهو ما يفسر الفجوة المستمرة بين الخطاب الإصلاحي المحافظ وبين الواقع السياسي. يتجلى هذا المنطق بوضوح في خطاب محمد باقر قاليباف، الذي يركز على مفردات مثل «الثقة»، «نظام الحكم»، و«الكفاءة». يقول قاليباف: «اعتماد، مهم‌ترين سرمايه اجتماعی است و اين اعتماد نه با شعار، بلكه با كارآمدی و آگاهی‌بخشی توليد می‌شود».

تحليل نصي: يُلاحظ أن «الثقة» (اعتماد) تُقدم هنا بوصفها ناتجًا إجرائيًا يُنتَج عبر الأداء الإداري، لا نتيجة لعقد سياسي أو مشاركة سيادية. الفعل «توليد می‌شود» ينتمي إلى معجم اقتصادي–تقني، ما يكشف أن الإصلاح عند قاليباف يُختزل في تحسين الإدارة، لا في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. ويضيف: «حكمرانی بدون شفافيت، هوشمندسازی و مردمی‌سازی معنا ندارد». مصطلح «مردمی‌سازی» هنا لا يحيل إلى تمكين سياسي أو توسيع القرار الشعبي، بل إلى إشراك موجه تحت سقف الدولة، حيث يبقى الشعب موضوعًا للسياسات لا مصدرًا لها.

ثالثًا: التيار الأصولي الراديكالي – رفض الإصلاح أم إعادة تعريفه؟

  1. الخلفية الفكرية والموقف من الإصلاح ينطلق التيار الأصولي الراديكالي من رؤية ثورية صلبة تعتبر أن أي حديث عن «الإصلاح» هو في جوهره اعتراف بالانحراف عن مبادئ الثورة الإسلامية. لذلك، لا يرفض هذا التيار الإصلاح بوصفه مفهومًا لغويًا، لكنه يرفضه بوصفه مشروعًا سياسيًا نابعًا من ضغوط اجتماعية أو دولية.
  2. شواهد زمنية وخطابية خلال احتجاجات 2009 (الحركة الخضراء)، مثّل هذا التيار رأس الحربة في مواجهة الإصلاحيين، واعتبر مطالبهم محاولة «انقلاب ناعم». وفي احتجاجات 2019 و2022، أعاد التيار نفسه إنتاج الخطاب ذاته، معتبرًا أن الأزمة نتاج «حرب هجينة» و«اختراق ثقافي». خطابات شخصيات مثل حسين شريعتمداري (رئيس تحرير كيهان)، وبعض قادة الحرس الثوري، تؤكد أن الإصلاح الحقيقي يتمثل في تشديد القبضة الثورية، وتطهير الدولة من العناصر «غير المؤمنة بالثورة»، لا في الانفتاح السياسي. في خطاب التيار الأصولي الراديكالي، لا يُعاد تعريف الإصلاح، بل يُلغى بوصفه مفهومًا مشروعًا. وتُستبدل به مفردات مثل «الفتنة»، «النفوذ»، و«الحرب الناعمة». تكتب صحيفة «وطن امروز»: «مسئله اصلاحات نيست؛ مسئله، پروژه نفوذ و بازتوليد فتنه در قالب واژگان فريبنده است».

تحليل نصي: الجملة تنفي وجود «مسألة إصلاح» من الأساس، وتحولها إلى «مشروع نفوذ». هذه آلية خطابية قائمة على إعادة التسمية: من إصلاح إلى مؤامرة، ومن مطالبة اجتماعية إلى تهديد أمني. الإصلاح هنا لا يُناقَش بل يُجرّم لغويًا. ويكتب حسين شريعتمداري: «هر جا از اصلاحات سخن گفته‌اند، رد پای دشمن هم ديده می‌شود». هذا الربط السببي المباشر بين الإصلاح والعدو يُغلق أي أفق نقاشي، ويحول السياسة إلى مجال أمني مغلق.

  1. الإصلاح بوصفه عودة إلى الأصل في هذا التصور، يصبح الإصلاح مرادفًا لـ «العودة إلى القيم الأصلية»، أي تشديد الرقابة الأخلاقية، وتعزيز دور المؤسسات الثورية، وتقليص هامش المجتمع المدني. وهو تصور يصطدم مباشرة مع مطالب الأجيال الجديدة.

رابعًا: التيار الإصلاحي – الإصلاح المؤجل والمكبل

  1. الجذور التاريخية للمشروع الإصلاحي تبلور التيار الإصلاحي بوضوح مع فوز محمد خاتمي في انتخابات 1997، حين طُرح مشروع «المجتمع المدني» و«سيادة القانون». رأى الإصلاحيون أن الإصلاح يجب أن يكون سياسيًا في المقام الأول، عبر توسيع الحريات، وتعزيز دور المؤسسات المنتخبة، وإعادة تفسير بعض مرتكزات النظام.
  2. محطات مفصلية
  • مرحلة خاتمي (1997–2005): محاولة إصلاحية واسعة اصطدمت بالمؤسسات غير المنتخبة.
  • احتجاجات 2009: نقطة عجز تاريخية أدت إلى إقصاء رموز إصلاحية مركزية.
  • مرحلة ما بعد 2017: تحول الإصلاحيين إلى موقع دفاعي، يركز على منع الانهيار بدل تحقيق الإصلاح. هذا ويمر الخطاب الإصلاحي بتحول دلالي واضح، خاصة بعد 2018. يقول حسن روحاني: «انجام تغييرات جزئی و سطحی، تنها بحران را به تعويق می‌اندازد؛ كشور نياز به يك اصلاح بزرگ دارد».

تحليل نصي: مصطلح «إصلاح كبير» (اصلاح بزرگ) يمثل قطيعة لغوية مع خطاب التدرج، لكنه يظل غامضًا مؤسسيًا. الخطاب اعترافي أكثر منه برنامجي، ما يعكس مأزق الإصلاحيين بين التشخيص والقدرة على الفعل. وتقول جبهة الإصلاحات: «اصلاحات بدون تغيير در موازنه قدرت، عملاً ناممكن شده است». هذا النص يقر بأن الأزمة بنيوية لا إجرائية، ويعترف صراحة بفشل استراتيجية «الإصلاح من الداخل».

  1. أزمة المصداقية فشل التيار الإصلاحي في تحقيق وعوده، وتورطه في التسويات مع مراكز القوة، أديا إلى تآكل رصيده الشعبي. وهو ما تجلى في انخفاض المشاركة الانتخابية، وتحول قطاعات اجتماعية واسعة إلى الشارع بدل صناديق الاقتراع.

خامسًا: التيار الوسطي – الإصلاح بوصفه تسوية دائمة

  1. تعريف التيار الوسطي التيار الوسطي لا يقدم نظرية متكاملة في الإصلاح، بل خطابًا توفيقيًا يهدف إلى منع التصدع. يضم هذا التيار شخصيات مثل السيد حسن الخميني وحسن روحاني خلال فترة رئاسة الجمهورية، وبعض التكنوقراط، الذين يؤمنون بإمكانية الإصلاح عبر التفاوض داخل النظام، لا عبر الصدام معه.
  2. أمثلة وشواهد يقول السيد حسن الخميني: «اگر صداهای مختلف شنيده نشود، شكاف ميان مردم و نظام عميق‌تر می‌شود».

تحليل نصي:

الإصلاح هنا ضرورة أخلاقية لحماية النظام من التآكل، لا حقًا سياسيًا مستقلًا للشعب. الخطاب تحذيري لا تصادمي، ويعكس محدودية الرؤية الإصلاحية الوسيطية. خلال رئاسة روحاني (2013–2021)، تم التركيز على الإصلاح الاقتصادي والانفتاح الخارجي (الاتفاق النووي) بوصفه مدخلًا لإصلاح داخلي تدريجي. غير أن فشل الرهان الخارجي، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، كشف هشاشة هذا المسار.

  1. إشكالية الموقع الرمادي يُنظر إلى التيار الوسطي بوصفه عالقًا بين السلطة والمجتمع، عاجزًا عن إرضاء أي منهما. فبالنسبة للسلطة، هو متساهل؛ وبالنسبة للمجتمع، هو متواطئ. وهو ما جعله يفقد قدرته على لعب دور الجسر الإصلاحي.

سادسًا: مقارنة أفقية بين التيارات الأربعة

تمثل المقارنة الأفقية بين التيارات السياسية في إيران مدخلًا ضروريًا لفهم عمق الخلاف حول مفهوم الإصلاح، إذ لا يقتصر التباين على السياسات أو الأدوات، بل يمتد إلى الأسس النظرية المتعلقة بالشرعية، ودور الشعب، وحدود الدولة.

  1. مفهوم الشرعية
  • التيار المحافظ التقليدي: يستند مفهوم الشرعية لديه إلى مزيج من الشرعية الثورية والدستورية، مع أولوية واضحة للشرعية المستمدة من ولاية الفقيه. الشرعية الشعبية تُعد عنصرًا مكملًا، يُقاس أساسًا عبر المشاركة الانتخابية، لا عبر الاحتجاج أو الضغط الاجتماعي. من هنا، يُنظر إلى أي تشكيك في بنية السلطة بوصفه تهديدًا للشرعية لا نقاشًا حولها.
  • التيار الأصولي الراديكالي: يتبنى مفهومًا أحاديًا للشرعية قائمًا على «الحق الإلهي – الثوري». الشرعية الشعبية في هذا التصور ليست مصدرًا مستقلًا، بل انعكاسًا لمدى التزام المجتمع بالقيم الثورية. وعليه، يمكن تبرير تقييد المشاركة أو قمع الاحتجاج بوصفه دفاعًا عن الشرعية الحقيقية للنظام.
  • التيار الإصلاحي: يرى أن الشرعية تقوم على التوازن بين الإرادة الشعبية والنص الدستوري، مع إعطاء وزن متزايد لرضا المجتمع وأدائه الانتخابي. لذلك، يعتبر الإصلاحيون أن تآكل المشاركة الشعبية مؤشر خطير على أزمة شرعية، وليس مجرد خلل عابر.
  • التيار الوسطي: يتعامل مع الشرعية بوصفها مفهومًا عمليًا/براغماتيًا، مرتبطًا بقدرة النظام على تحقيق الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية. الشرعية هنا تُقاس بالنتائج أكثر من المبادئ، وهو ما يجعلها شرعية هشة وقابلة للتآكل السريع.
  1. دور الشعب
  • المحافظون التقليديون: ينظرون إلى الشعب بوصفه شريكًا في إطار موجه؛ دوره يتمثل في الانتخاب، والدعم، والامتثال للقانون. المطالبة خارج القنوات الرسمية تُعد سلوكًا إشكاليًا قد يهدد النظام.
  • الأصوليون الراديكاليون: يختزلون دور الشعب في «الالتفاف حول القيادة». المشاركة الشعبية مطلوبة حين تؤكد الولاء، ومرفوضة حين تتحول إلى ضغط أو مساءلة. الشعب هنا موضوع للتعبئة لا فاعلًا سياسيًا مستقلًا.
  • الإصلاحيون: يرون الشعب فاعلًا مركزيًا في إنتاج الشرعية وتصحيح المسار. والمشاركة السياسية، وحرية التعبير، والاحتجاج السلمي، كلها أدوات مشروعة في تصورهم للإصلاح.
  • الوسطيون: يتعاملون مع الشعب بوصفه عنصر ضغط يجب احتواؤه لا تمكينه بالكامل. المشاركة الشعبية مهمة، لكنها يجب أن تظل ضمن حدود لا تهدد توازن النظام.
  1. حدود الدولة
  • المحافظون التقليديون: يؤمنون بدولة قوية مركزية، ذات حضور واسع في الاقتصاد والمجتمع، مع استعداد محدود لتقليص دورها لصالح المجتمع المدني.
  • الأصوليون الراديكاليون: يدفعون نحو توسيع دور الدولة/المؤسسات الثورية، ليس فقط في السياسة والأمن، بل في الثقافة والاقتصاد، باعتبار ذلك ضرورة لحماية الهوية الثورية.
  • الإصلاحيون: يدعون إلى إعادة تعريف حدود الدولة، وتقليص تدخلها في المجالين الثقافي والاجتماعي، وتعزيز استقلال المجتمع المدني، باعتبار ذلك شرطًا لبناء الثقة.
  • الوسطيون: يتبنون رؤية انتقائية لحدود الدولة؛ تقليص نسبي في بعض المجالات الاقتصادية، مقابل الحفاظ على القبضة السياسية والأمنية.

سابعًا: الإصلاح بين الخطاب والممارسة

تكشف المقارنة بين الخطاب الإصلاحي، بمختلف صيغه، والممارسة السياسية، عن فجوة عميقة. فالإصلاح يُستخدم، في كثير من الأحيان، كلغة لإدارة الأزمة، لا كأداة لحلها. وعلى مدى الأيام الماضية تشكل المقالات والخطابات الواردة في الصحافة الإيرانية مادةً كاشفة عن لحظة سياسية إيرانية مأزومة، لم يعد فيها الإصلاح مجرد مفهوم نظري، بل أصبح ساحة صراع علني بين الأطياف السياسية المختلفة حول تفسير الأزمة، وتحديد المسؤولية، ورسم أفق الخروج منها. ويمكن قراءة هذه المقالات ضمن ثلاثة مستويات متداخلة: مستوى تعريف الإصلاح، ومستوى تحديد الفاعل الإصلاحي، ومستوى إدارة الخوف من الانهيار.

  1. «الإصلاح الكبير» عند حسن روحاني: محاولة استعادة السياسة يقدم حسن روحاني، في خطابه حول «الإصلاح الكبير» والاستفتاء، تصورًا متقدمًا نسبيًا داخل التيار الوسطي–الإصلاحي، يقوم على الاعتراف الصريح بانسداد أفق الإصلاح الجزئي. الجديد في هذا الخطاب لا يكمن فقط في توصيف الأزمة، بل في:
  • الإقرار بفشل منطق الترقيع والإصلاح الإداري.
  • الربط بين الاحتجاجات وانعدام الرضا الشعبي، لا المؤامرة الخارجية فقط.
  • طرح الاستفتاء بوصفه آلية دستورية لإعادة إشراك الشعب في القرار. روحاني هنا يقترب من خطاب إصلاحي بنيوي، لكنه يظل حبيس منطق «الإنقاذ من داخل النظام»، أي دون المساس بالبنية العليا للسلطة. وهو ما يفسر الهجوم الحاد عليه من التيار الأصولي الراديكالي، الذي قرأ طرح الاستفتاء باعتباره تهديدًا مباشرًا لمنطق الوصاية الثورية.
  1. خطاب «وطن امروز» وموسى نجفي: نفي الإصلاح السياسي في المقابل، يعكس تقرير «وطن امروز» ومداخلة موسى نجفي تصور التيار الأصولي–الأيديولوجي للأزمة. هنا لا تُفهم الاحتجاجات والاضطرابات بوصفها نتيجة خلل في الحكم، بل باعتبارها:
  • نتاج «حرب معرفية» و«حرب روايات».
  • جزءًا من صراع خارجي–داخلي لا يحتمل الحياد. هذا الخطاب يقوم على ثلاث آليات دفاعية:
  • نزع الطابع الشعبي عن الاحتجاجات.
  • شيطنة أي مقاربة إصلاحية بوصفها ليبرالية أو غربية.
  • استدعاء التاريخ الديني (الخوارج، الفتنة) لتأطير الواقع المعاصر. في هذا الإطار، يُلغى الإصلاح السياسي بالكامل، ويُستبدل بـ «تعزيز الصمود الثوري»، ما يعمق الفجوة مع المجتمع، خصوصًا الأجيال الشابة.
  1. بيان جبهة الإصلاحات: اعتراف متأخر بالفشل يمثل بيان جبهة الإصلاحات لحظة فارقة في خطاب الإصلاحيين؛ إذ يتجاوز لغة المناورة، ويعترف صراحةً بأن:
  • الإصلاحات من داخل النظام وصلت إلى طريق مسدود.
  • الثقة الشعبية تآكلت حتى تجاه الإصلاحيين أنفسهم.
  • مرجعية الاحتجاج انتقلت إلى الخارج نتيجة انسداد الداخل. هذا البيان هو أول نص إصلاحي شبه جماعي يقترب من توصيف الأزمة بوصفها أزمة حكم شاملة، لا أزمة إدارة أو أشخاص. لكنه في الوقت نفسه يكشف المأزق البنيوي للإصلاحيين؛ فهم يملكون القدرة على التشخيص دون امتلاك أدوات الفعل.
  1. شريعتمداري وأمير حسين ثابتي، النائب عن دائرة طهران في مجلس الشورى الإسلامي: الإصلاح بوصفه عقابًا تُظهر مقالات حسين شريعتمداري ومواقف أمير حسين ثابتي منطقًا مغايرًا تمامًا؛ فالإصلاح هنا لا يعني تغيير السياسات، بل تصفية الخصوم، وتحميل الحكومات السابقة كامل المسؤولية، وتحويل القضاء إلى أداة تطهير سياسي. هذا التصور يُفرغ الإصلاح من مضمونه التحويلي، ويحوله إلى خطاب انتقامي يعمق الاستقطاب، ويمنع أي توافق وطني.
  2. أصوات وسيطة: قاليباف، وأبطحي، والسيد حسن الخميني في المنطقة الرمادية بين المعسكرين، تتبنى خطابات تحاول تخفيف حدة الاستقطاب: قاليباف يتحدث عن الثقة والشفافية دون المساس بالسياسة. أبطحي يربط الإصلاح بإقصاء المتطرفين والعودة إلى الشعب. السيد حسن الخميني يدعو إلى نقد الذات والعدالة ونبذ فكر التفضل والامتنان على الشعب. غير أن هذه الخطابات، رغم نبرتها الباعثة على التهدئة، تفتقر إلى مشروع مؤسسي واضح، ما يجعل تأثيرها محدودًا.

الخلاصة

تكشف هذه المقالات مجتمعة أن الصراع في إيران لم يعد بين «إصلاح» و«لا إصلاح»، بل بين تعريفات متناقضة للإصلاح نفسه. فبينما يطالب الإصلاحيون والوسطيون بتغيير بنيوي يعيد للشعب دوره، ترى التيارات الأصولية أن أي تغيير سياسي هو انتحار للنظام. إن استمرار هذا التناقض دون حسم، ومع تعمق فجوة الثقة، ينذر بتحول الإصلاح من خيار مؤجل إلى فرصة ضائعة، ومن خطاب إنقاذ إلى شاهد على الانقسام البنيوي العميق داخل الجمهورية الإسلامية. كما تكشف هذه المقالات أن الخلاف حول الإصلاح هو في جوهره خلاف حول الشرعية، ودور الشعب، وحدود الدولة. فالإصلاح تحول من مشروع تغيير إلى مؤشر أزمة، وكل تيار يعرف الإصلاح بما يحمي موقعه داخل بنية السلطة، لا بما يستجيب لأزمة الحكم ذاتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts