
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
(إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني)
جمهورية مصر العربية
كيف انهار الاتفاق النووي؟ ومن المسؤول؟ وإلى أين تتجه المفاوضات الآن؟
مقدمة
شكّل الاتفاق النووي الإيراني، المعروف اختصاراً بـ «برجام»، أحد أبرز الإنجازات الدبلوماسية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، إذ مثّل محاولة دولية لاحتواء أزمة نووية معقدة عبر التفاوض بدل المواجهة. غير أن هذا الاتفاق لم يصمد طويلاً أمام التحولات السياسية، لينتقل من كونه إطاراً قانونياً ملزماً إلى ملف خلافي مفتوح، أعاد المنطقة إلى مربع التوتر، وفتح الباب أمام جولات تفاوضية جديدة، آخرها المفاوضات الجارية في سلطنة عُمان.
أولاً: ما هو اتفاق «برجام»؟
«برجام» هو الاختصار الفارسي للاسم الرسمي: «برنامه جامع اقدام مشترک» أي خطة العمل الشاملة المشتركة. تم توقيعه في يوليو 2015 بين إيران ومجموعة (5+1): الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، وألمانيا، ونصّ على:
فرض قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد المركزي.
إخضاع المنشآت النووية لرقابة دولية مشددة.
مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية والمالية عن إيران.
وقد دخل الاتفاق حيّز التنفيذ مطلع عام 2016، وسط آمال بأن يفتح صفحة جديدة في العلاقات الإيرانية–الدولية.
ثالثاً: لماذا فشلت محاولات إحياء برجام؟
منذ 2021، جرت عدة جولات تفاوضية لإحياء الاتفاق، خاصة في فيينا، لكنها اصطدمت بعقبات جوهرية، أبرزها:
الخلاف حول الضمانات: إيران طالبت بضمانات بعدم انسحاب أمريكي جديد.
ملف العقوبات: واشنطن رفضت رفع جميع العقوبات دفعة واحدة.
توسّع الملفات: إدخال قضايا الصواريخ والنفوذ الإقليمي.
الضغوط الإقليمية: اعتراضات إسرائيلية وتصعيد سياسي وإعلامي.
وبمرور الوقت، لم يعد الهدف إحياء برجام بصيغته الأصلية، بل البحث عن ترتيب مرحلي أو بديل أقل طموحاً.
رابعاً: كيف وصلنا إلى مفاوضات عُمان الحالية؟
مع تصاعد التوتر الإقليمي، وتزايد الحديث عن خيارات عسكرية، عاد خيار التفاوض كضرورة لتفادي الانفجار.
لماذا عُمان؟ اختيار سلطنة عُمان جاء لأسباب واضحة:
تاريخ طويل من الحياد والوساطة.
قبول إيراني وأمريكي بإدارة حوار غير مباشر.
بيئة تفاوض هادئة بعيداً عن الإعلام.
رفض إيران توسيع دائرة المشاركين.
المفاوضات الجارية في مسقط لا تُقدَّم بوصفها «إحياءً لبرجام»، بل كمحاولة لإدارة الأزمة، ومنع التصعيد، وربما التوصل إلى تفاهمات جزئية.
خامساً: ماذا ننتظر من المفاوضات الحالية؟
الرهانات الحالية أقل من اتفاق شامل، وأكثر من مجرد تبادل رسائل. التوقعات الواقعية تشمل:
تفاهمات محدودة حول مستوى التخصيب.
تخفيف جزئي أو مؤقت للعقوبات.
تجميد خطوات تصعيدية من الطرفين.
إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
أما العودة الكاملة إلى «برجام 2015» فتبدو، في المدى القريب، غير مرجحة، في ظل انعدام الثقة وتغيّر الظروف السياسية.
قصة «برجام» ليست مجرد قصة اتفاق نووي، بل نموذج حيّ لفشل الضمانات الدولية أمام تبدّل السياسات، ولحدود الدبلوماسية عندما تغيب الإرادة المشتركة. وبين انهيار الاتفاق ومحاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه، تقف مفاوضات عُمان الحالية كفرصة أخيرة لاحتواء الأزمة، لا لحلّها جذرياً.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح هذه الجولة في تجميد الصراع، أم ستكون محطة جديدة في مسار طويل من التفاوض دون تسوية؟


