On Research

مقالات تحليلية

تجزئة الدولة والتهجير غير المباشر في سوريا: نموذج لإعادة التشكيل الجيوسياسي في الشرق الأوسط

Email :3194

إعداد

كريم هاني عبد الغفار

كلية السياسة والإقتصاد – جامعة بني سويف

جمهورية مصر العربية

 

 

المقدمة

يشهد الشرق الأوسط في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تحولات سياسية وأمنية عميقة، أعادت طرح التساؤل حول طبيعة الدولة الوطنية وحدودها واستدامة سيادتها. فالصراعات المستمرة، وتعدد الفاعلين المحليين والإقليميين، وتراجع القدرة المركزية للدولة على فرض الاستقرار، كلها مؤشرات على مرحلة من إعادة التشكيل الجيوسياسي قد تكون شبيهة من حيث النتائج بما حدث بعد اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916.

تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن إعادة تشكيل النفوذ في المنطقة اليوم لا تتم عبر اتفاقيات معلنة، بل من خلال أدوات غير مباشرة، أبرزها: إدارة الصراعات طويلة الأمد، وإضعاف الدولة تدريجيًا، وإحداث تغييرات ديموغرافية عبر التهجير غير المباشر. تهدف الورقة إلى دراسة الحالة السورية كنموذج تطبيقي لهذه التحولات، مع إبراز دور الإرث السياسي لعائلة الأسد والدور الاستراتيجي لإسرائيل، وتقييم التأثيرات المستقبلية على الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.

أولًا: سايكس-بيكو 1916 – التقسيم كأداة لإعادة توزيع النفوذ

شكلت اتفاقية سايكس-بيكو لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، إذ أعادت صياغة المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي بما يخدم مصالح القوى الكبرى آنذاك، لا مجرد ترسيم حدود. والهدف المركزي كان إدارة المجال الحيوي للمنطقة، بما يشمل الممرات الاستراتيجية والموارد الطبيعية، ونتج عن الاتفاقية ظهور دول ضمن حدود سياسية اصطناعية لم تكن دائمًا متوافقة مع البنية الاجتماعية الداخلية، مما جعل بعض هذه الدول عرضة للصراعات والتدخلات الخارجية لاحقًا.

ثانيًا: الحالة السورية كنموذج تطبيقي لإعادة التشكل

  1. الدولة بعد عائلة الأسد: من المركزية الصارمة إلى الفراغ المتدرج على مدار أكثر من خمسة عقود، حكمت عائلة الأسد سوريا بنموذج مركزي شديد الاعتماد على القبضة الأمنية وتركيز السلطة. ورغم أن هذا النموذج حافظ على وحدة الدولة شكليًا، فإنه أخفى هشاشة تراكمت داخليًا؛ وعند اندلاع الصراع، لم تتفكك السلطة فقط، بل تفكك معها احتكار القوة، لتظهر مساحات فراغ سيادي واسعة.
  2. إسرائيل وإعادة ضبط البيئة الأمنية السورية تعتبر إسرائيل سوريا عمقًا أمنيًا حساسًا، خاصة في مرتفعات الجولان وجبل الشيخ، بوصفهما نقاط إشراف استراتيجية. ومنذ سنوات، اعتمدت تل أبيب سياسة قائمة على منع تشكّل أي تهديد عسكري من داخل الأراضي السورية، عبر:
  • ضربات جوية متكررة استهدفت مواقع عسكرية وبنى تحتية.
  • استهداف محيط مواقع سيادية حساسة، بما في ذلك محيط القصر الرئاسي في بعض المراحل.
  • تعزيز السيطرة الأمنية في المناطق الحدودية ذات الأهمية الاستراتيجية.

هذه السياسة تعمل على إضعاف تدريجي للقدرات العسكرية والبنية السيادية للدولة السورية، دون الحاجة لاحتلال شامل، وتخلق واقعًا يمكن وصفه بـ “تجزئة الأمر الواقع” (De Facto Fragmentation).

  1. التهجير غير المباشر وإعادة توزيع المجال الديموغرافي أحد أبرز التداعيات المترتبة على استمرار الضربات العسكرية، وتعدد الفاعلين، وضعف الاستقرار المؤسسي، هو موجات اللجوء المستمرة. تشير التقديرات إلى أن عدد اللاجئين السوريين بلغ نحو:
  • 3.3 مليون في عام 2023.
  • نحو 3 ملايين في عام 2024.
  • حوالي 5.6 مليون بحلول منتصف 2025.

هذا النزيف البشري ليس مجرد أزمة إنسانية، بل يعمل كأداة غير مباشرة لإعادة توزيع الكتلة السكانية، وإفراغ بعض المناطق من سكانها، ما يضعف قدرة الدولة على استعادة سيادتها ويعيد تشكيل موازين القوة على الأرض. بذلك يصبح التهجير غير المباشر آلية استراتيجية لإعادة ترتيب النفوذ الداخلي والخارجي، دون الحاجة لاستخدام أدوات الاحتلال التقليدية.

ثالثًا: تجزئة الواقع وفرض النفوذ

مع استمرار الصراعات، وتعدد مراكز القوة، وإعادة توزيع السكان، تصبح سوريا نموذجًا حيًا لكيفية إعادة تشكيل الدولة عبر الوقائع الميدانية، وتشمل هذه العملية:

  • إدارة الصراعات بدل حسمها نهائيًا.
  • استنزاف الدولة تدريجيًا دون إسقاط كامل.
  • خلق تغييرات ديموغرافية تؤثر على التوازنات الداخلية.
  • فرض مناطق نفوذ متباينة الولاءات داخليًا وخارجيًا.

هذه الأدوات المعاصرة تحقق أهدافًا مماثلة لتلك التي رسمتها اتفاقية سايكس-بيكو، ولكن بأساليب غير مباشرة، قائمة على الوقائع وليس على الخرائط الملونة.

الخاتمة

تظهر سوريا نموذجًا حيًا لكيفية إعادة تشكيل الدولة عبر تراكم الوقائع: فراغ مركزي بعد حكم طويل لعائلة الأسد، تدخل إقليمي مباشر وغير مباشر من قوى مثل إسرائيل، واستنزاف مؤسسي وديموغرافي مستمر.

التهجير غير المباشر هنا ليس نتيجة صدفة، بل أداة استراتيجية تؤدي تدريجيًا إلى إعادة ترتيب النفوذ على الأرض، بما يعيد رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط. من هذا المنطلق، يمكن القول إن المنطقة تشهد مرحلة شبيهة بما يمكن تسميته “سايكس-بيكو جديدة” من حيث النتائج، وإن اختلفت الوسائل عن القرن العشرين؛ ويجب أن نعلم أن الوسائل غير قائمة على القوة والمواجهة العسكرية المباشرة، بل قائمة على المواجهة العقلية، فالحرب حاليًا أصبحت حرب عقول لا حرب سلاح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts