On Research

مقالات تحليلية

المسار لجمهورية جديدة

Email :1181

إعداد

د. خلف المفتاح

باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية واليهودية

سوريا

 

 

بعد سقوط النظام في سورية في الثامن من كانون الأول 2024، تجد السلطة الجديدة نفسها أمام تحديات كثيرة وكبيرة، وهذه مسألة طبيعية في ظل التعامل مع واقع استمر بكيفية ونهج وفلسفة معينة لمدة ستة عقود ونيف. فإذا استطاعت السلطة الجديدة عبر عملية حوار وطني واسع الطيف وعابر لحدود التمركز حول الذات والأيديولوجية الضيقة القائمة على إقصاء الفواعل الأخرى، وصولاً إلى مستوى سياسي يقوم على تبديد عامل الخوف من العقل الثأري والوعي الثأري، وأن ينزع حالة التوجس من أقلية خائفة، والسعي لوعي وطني جمعي يتطابق فيه وعي الأكثرية مع وعي الأقليات وينسجم مع مفهوم المواطنة المتساوية، وتتفكك فيه كل العصبيات ما تحت الوطنية والتي هي بالأساس عصبيات ردة فعل على انتماءات ضيقة وممارسات تكرست خارج الفضاء الوطني في مراحل معينة؛ فإنها ستحقق نجاحاً وازناً. وهذا يحتاج إلى تناسي الماضي والنظر إلى المستقبل، آخذاً في الاعتبار عدم تجاوز معالجة كل مخلفات الحرب من دمار وتهجير وتقتيل، والانتقال إلى فكر وتفكير وطني إلى حالة وطنية انتقالية لا انتقامية ولا انتقائية، مع التأكيد أن ذلك لا يعني غياب العدالة الانتقالية وإفلات المجرمين من العقاب والمساءلة. وهذا مرتبط بإزالة آثار ما خلفته الحرب ومحاولة تجاوز عقلية الثأر، وهي موجودة وراسخة تاريخياً في العقل العربي ولها أسبابها في ظل ما جرى من ارتكابات وفظائع. فمفهوم الثأر ليس من العيوب في الثقافة السائدة تاريخياً في مجتمعاتنا العربية، وهذه مسألة يجب عدم التقليل من مخاطرها أو إنكارها، ولكن بالقدر نفسه لا يمكن تجاوز حقيقة أن ثقافة التسامح راسخة في الوجدان العربي والإسلامي، وهذا يحتاج إلى التفكير في العلاقة مع الحياة والتصالح مع طبيعتها الإنسانية الخيرة. عندها تتراجع وتقل سخونة العقلية الثأرية حال الشروع الجاد في عملية تنمية شاملة تصيب الفئات المتضررة من الحرب الإجرامية التي انقضت وانتهت. فإعادة البناء بكل أشكاله المادية والمعنوية، الذي نشهد إرهاصاته الإيجابية على أرض الواقع بوصفه نهجاً استراتيجياً للحكومة، هو السبيل للخروج من ركام المحرقة السورية، ما يساهم في التمهيد للحالة الوطنية السورية والروح الوطنية الحقة التي هي رأسمالنا الرمزي.

والحال: إن أي سلطة تحتكر الدولة والسلطة انطلاقاً من حوامل ضيقة طائفية أو عرقية أو مذهبية أو حزبية، هي مساهمة في دمار المجتمع وتفككه؛ لأن تفكير السلطة (إن حصل بهذه الكيفية) سيتركز ويتكثف على بقائها واستمرارها وتحولها إلى امتياز وغنيمة وليس خدمة عامة ومشروعاً جديداً. ذلك التفكير والنهج سيفقدها قاعدة شعبية حاملة لها أكسبتها الشرعية، فيصبح استمرارها قائماً على الخوف من بطشها، ما يجعلها تشعر في عقلها الباطني أن المسألة تكمن في بقائها في السلطة أو أنها ستسقط وتنتهي؟ ما يجعلها تستخدم كل أدوات القتل والخوف والتدمير انطلاقاً من خوفها هي مع إدراكها ومعرفتها ما فعلت وتغولت فيه. فتصبح المعادلة تبادل الخوف المكثف: المجتمع الخائف من السلطة، والسلطة المتوجسة من مجتمع قمعته وحكمته وتحكمت به. من هنا يصبح زوال الخوف وسلطة الخوف هو الطريق للخلاص من الدكتاتورية، وهو ما حصل في الربيع العربي الذي أثبت أن الخوف من السلطة هو (جنرال) الاستبداد، وإسقاطه هو من يمهد الطريق للحرية والكرامة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts