
إعداد
د. خلف المفتاح
باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية واليهودية
سوريا
واقعياً، كان الفقر ولا زال من أهم العوامل المخصبة للاضطرابات الاجتماعية والسياسية وغيرها، ولعله البؤرة المصدّرة للفساد. ولعل ظاهرة الفقر تعتبر في الوقت الحاضر من أهم التحديات التي تواجه دول العالم وشعوبه، حيث توضع لها الاستراتيجيات لمكافحتها والحد من تأثيراتها؛ علماً أن الفقر -بوصفه ظاهرة عالمية- لا يقتصر على الدول الفقيرة، وإنما يطال دولاً غنية، بل أكثرها غنىً كالولايات المتحدة والصين والهند وغيرها. فثمة إحصائيات صادرة عن مراكز الدراسات الأمريكية تشير إلى أن عدد الفقراء فيها يزيد على 37 مليوناً، أي ما نسبته 13 بالمائة من السكان، أخذاً في الاعتبار أن معايير الفقر في أمريكا تختلف عنها في أغلب دول العالم؛ فالفقير في أمريكا قد يكون غير ذلك في بلد آخر. وتشير الإحصائيات الصادرة عن مؤسسات دولية معنية إلى أن عدد الفقراء في العالم يبلغ حوالي 2.2 مليار نسمة (أي ربع سكان العالم)، بحيث لا يبلغ معدل دخل الفرد 1.2 دولار يومياً.
هذا من جهة، أما ما تعلق بدولنا العربية لوجدنا الصورة أكثر سلبية؛ فعلى الرغم من أن الدول العربية تعتبر من أغنى دول العالم من حيث الثروات الطبيعية (سواء البترول والغاز والمعادن والزراعة وغيرها)، إلا أن عدد الفقراء في الوطن العربي يزيد على مائة مليون بنسبة تتجاوز 25 بالمائة من السكان. ولا يقتصر الأمر على الفقر وإنما ملحقاته من مرض وجهل وأمية وسوء تغذية. وتشير خارطة الفقر في سورية قبل عام 2010 إلى أن 54 بالمائة من فقراء سورية يعيشون في المنطقة الشرقية والشمالية الشرقية، علماً أنها من أغنى المناطق في سورية من حيث الموارد الطبيعية والمياه والزراعة والثروة الحيوانية. كما لوحظ انخفاض معدل الأعمار فيها مقارنة بالمعدل الوطني، حيث معدل الأعمار في منطقة الجزيرة آنذاك لا يتجاوز 67.4، بينما المعدل الوطني 71.2، إضافة إلى أنه لكل 1100 مواطن طبيب، في حين أن المعدل الوطني طبيب لكل 700 مواطن. إضافة لمتوسط عدد الأسرّة في المشافي، فالمعدل الوطني سرير لكل 800 مواطن، بينما في المنطقة الشرقية سرير لكل 1200 مواطن، ما يعني بالنتيجة أن ثمة خللاً في موازين التنمية البشرية وخدمات الدولة وما يمكن تسميته بالتنمية الإقليمية المتوازنة والعادلة، ولعله من أهم التحديات التي تواجه سورية الجديدة ويحتاج لاستراتيجية وطنية عادلة.
إن الفقر داء عضال، وهو نتيجة لعوامل كثيرة سياسية واقتصادية واجتماعية وفساد وسوء إدارة، وغياب لمبدأ العدالة والمواطنة المتساوية، ما يعني الحاجة الماسة لاستراتيجية وطنية شاملة وخريطة طريق وطنية تتأسس على حزمة سياسات يساهم فيها المجتمع والدولة والرأسمال الوطني. وهذا يحتاج لدراسات ميدانية دقيقة تتحدد فيها خريطة الفقر بشكل موضوعي وعلمي، وهذا يحتاج لإمكانات بشرية ومادية كفؤة عبر الاستثمار الأمثل للطاقات الوطنية الخلاقة والكتلة الحيوية السورية، سيما وأن سورية الجديدة أصبحت منفتحة على دول العالم، وبدأ اقتصادها يتحرر من العقوبات، وثمة دول عربية شقيقة لديها الاستعداد والرغبة في مساعدة الشعب السوري لاستعادة عافيته الوطنية.


