On Research

وحدة الدراسات الاستراتيجية و الأمنية

تقدير موقف : كيف تدفع الحرب الإيرانية أفغانستان نحو فوضى أمنية جديدة؟

Email :1113

كتابة وتحليل

د. ريم أبو الخير

إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني

جمهورية مصر العربية 

 

 

لا تقف الحروب عادة عند حدود الدولة التي تندلع فيها، بل تمتد آثارها إلى الجوار الجغرافي والسياسي. وفي حالة الحرب الدائرة في إيران، تبدو أفغانستان من أكثر الدول عرضة لتداعياتها؛ نظرًا لقربها الجغرافي، وكذلك للتشابك التاريخي والاقتصادي والسكاني بين البلدين. فالحدود الممتدة بين إيران وأفغانستان تتجاوز كونها خطًا جغرافيًا يفصل دولتين، فهي فضاء معقد تتحرك فيه الهجرة والاقتصاد غير الرسمي والجماعات المسلحة. ومع تصاعد الحرب، تتحول هذه الحدود إلى بؤرة توتر قد تعيد تشكيشل المشهد الأمني في أفغانستان.

في الجغرافيا السياسية للمنطقة الممتدة بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، تمثل الحدود الإيرانية-الأفغانية واحدة من أكثر الخطوط هشاشة وحساسية. فهذه الحدود التي تمتد لمئات الكيلومترات عبر مناطق صحراوية وجبلية ليست مجرد فاصلة بين دولتين، بل هي مساحة تفاعل بشري واقتصادي وأمني معقد. وعندما تدخل دولة كبيرة مثل إيران في حالة حرب أو صراع عسكري واسع، فإن ارتدادات ذلك لا تبقى داخل حدودها، بل تمتد تلقائيًا إلى الدول المجاورة، وفي مقدمتها أفغانستان التي تعاني أصلاً من هشاشة الدولة وتعدد الفاعلين المسلحين.

الحرب الإيرانية، سواء كانت مواجهة مباشرة أو صراعًا إقليميًا واسعًا، تخلق سلسلة من التأثيرات المتشابكة على أفغانستان، يمكن فهمها عبر ثلاثة محاور رئيسية: أزمة اللاجئين، توسع اقتصاد التهريب، وتنامي نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود. هذه العوامل الثلاثة تتفاعل معًا لتشكّل تحديًا أمنيًا مركبًا قد يعيد تشكيل المشهد الأمني في أفغانستان خلال السنوات القادمة.

موجات اللاجئين… أزمة إنسانية تتحول إلى تحدٍ أمني

لطالما شكلت إيران ملاذًا لملايين اللاجئين الأفغان منذ عقود، نتيجة الحروب المتتالية التي شهدتها أفغانستان منذ الغزو السوفيتي مرورًا بالحرب الأهلية ثم مرحلة التدخل الدولي. ومع مرور الوقت تشكلت جاليات أفغانية كبيرة داخل المدن الإيرانية، حيث عمل كثير منهم في قطاعات البناء والزراعة والخدمات.

لكن في حال اندلاع حرب واسعة داخل إيران، فإن هذا الواقع يتغير بسرعة؛ فالحرب تؤدي إلى تدهور الاقتصاد، وتشديد الإجراءات الأمنية، وارتفاع مستويات التوتر الاجتماعي. وفي مثل هذه الظروف يصبح اللاجئون أول الفئات عرضة للضغط أو الترحيل أو العودة القسرية إلى بلادهم، وهذا ما حدث بالفعل أثناء “حرب الـ 12 يومًا” حيث تم ترحيل عدد كبير منهم، ومنهم من اتهم بالتخابر والتعاون مع الموساد الإسرائيلي.

عودة أعداد كبيرة من الأفغان إلى وطنهم في فترة قصيرة خلقت أزمة مزدوجة؛ فمن ناحية إنسانية، واجهت أفغانستان صعوبة في استيعاب هؤلاء العائدين في ظل اقتصاد ضعيف وبنية تحتية محدودة. ومن ناحية أمنية، فإن المناطق الحدودية التي تستقبل هؤلاء غالبًا ما تكون مناطق فقيرة ومهمشة، ما يجعلها أرضًا خصبة للتوترات الاجتماعية.

وعندما تتزايد البطالة والفقر في هذه المناطق، يصبح بعض الشباب عرضة للتجنيد من قبل شبكات الجريمة أو الجماعات المسلحة. وهكذا تتحول أزمة اللاجئين من قضية إنسانية إلى عامل لعدم الاستقرار الأمني داخل أفغانستان. كما أن حركة النزوح الكبيرة تؤدي إلى تغيرات ديموغرافية مفاجئة في بعض المدن الحدودية، وهو ما يخلق ضغطًا على الموارد والخدمات، ويزيد من احتمالات النزاعات المحلية، وهو بالفعل ما تعانيه حاليًا أفغانستان منذ حرب الـ 12 يومًا.

الحدود المفتوحة واقتصاد التهريب

الحدود بين إيران وأفغانستان كانت منذ سنوات طويلة أحد أهم ممرات التهريب في المنطقة. ويرتبط ذلك بعدة عوامل، أبرزها الطبيعة الجغرافية الصعبة للحدود، وضعف السيطرة الحكومية في بعض المناطق، إضافة إلى الفوارق الاقتصادية بين البلدين.

في الظروف الطبيعية، تنشط شبكات تهريب متعددة تشمل تهريب الوقود والبضائع والذهب والعملة. لكن النشاط الأكثر شهرة هو تهريب المخدرات، إذ تعد أفغانستان تاريخيًا أحد أكبر منتجي الأفيون في العالم، وتشكّل إيران ممرًا رئيسيًا لنقل هذه المواد نحو الشرق الأوسط وأوروبا.

ومع اندلاع الحرب في إيران، يتوسع هذا الاقتصاد غير الرسمي بشكل ملحوظ؛ فالحروب تؤدي إلى انشغال القوات العسكرية والأمنية بالجبهات الرئيسية، ما يضعف الرقابة على الحدود. كما أن تدهور الأوضاع الاقتصادية داخل إيران قد يدفع بعض السكان المحليين إلى الانخراط في أنشطة التهريب كمصدر دخل.

هذا التوسع في اقتصاد التهريب لا يقتصر تأثيره على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يحمل أبعادًا أمنية خطيرة. فشبكات التهريب عادة ما تمتلك علاقات مع جماعات مسلحة توفر لها الحماية مقابل التمويل، ومع الوقت تتحول هذه الشبكات إلى مصدر تمويل غير مباشر للصراعات المسلحة داخل أفغانستان. إضافة إلى ذلك، فإن تهريب البشر يتزايد في ظل الفوضى الإقليمية، حيث يسعى كثير من الأشخاص إلى العبور نحو آسيا الوسطى أو أوروبا عبر مسارات غير قانونية. هذا الواقع يعزز نشاط عصابات الاتجار بالبشر ويزيد من تعقيد الوضع الأمني.

الجماعات المسلحة وسيناريوهات الصراع غير المباشر

ويعتبر البعد الأكثر حساسية في تأثير الحرب الإيرانية على أفغانستان هو تحول الحدود إلى ساحة لنشاط الجماعات المسلحة. فالتاريخ الإقليمي يظهر أن الحروب غالبًا ما تخلق فراغات أمنية تستغلها التنظيمات المسلحة لإعادة تنظيم صفوفها أو توسيع نفوذها.

وفي هذا السياق يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة:

أولاً: نشاط التنظيمات المتطرفة التي تسعى إلى استغلال الفوضى الحدودية لتعزيز وجودها، فالمناطق الحدودية غير المستقرة توفر بيئة مناسبة للتجنيد والتدريب والتمويل.

ثانياً: يتعلق بإمكانية استخدام بعض الميليشيات كأدوات نفوذ إقليمي. ففي أوقات الصراع قد تلجأ الدول إلى دعم مجموعات مسلحة خارج حدودها لحماية مصالحها أو الضغط على خصومها. وفي حال توسعت الحرب الإيرانية، قد تتحول بعض الجماعات المرتبطة بطهران إلى فاعل مؤثر في المشهد الأمني الأفغاني.

ثالثاً: يتعلق باحتمال تصاعد التوترات المباشرة على الحدود بين القوات الإيرانية والقوات الأفغانية. فقد شهدت السنوات الماضية بالفعل عدة اشتباكات محدودة بين الجانبين بسبب قضايا المياه أو التهريب أو حركة الحدود. وفي ظل أجواء الحرب، قد تصبح هذه الاشتباكات أكثر تكرارًا أو حدة.

 التفاعل مع الأزمات الإقليمية الأخرى

لا يمكن النظر إلى تأثير الحرب الإيرانية على أفغانستان بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع؛ فالمنطقة تعيش أصلاً حالة من التوترات المتعددة، تشمل صراعات سياسية وأمنية واقتصادية.

أفغانستان نفسها تواجه تحديات داخلية كبيرة، من بينها الأزمة الاقتصادية الحادة، وضعف المؤسسات، ووجود جماعات مسلحة متعددة الولاءات. كما أن علاقاتها مع بعض الدول المجاورة تشهد توترات متقطعة، خاصة في القضايا الحدودية والأمنية، وفي هذا السياق، قد تؤدي الحرب الإيرانية إلى ما يمكن وصفه بـ “تأثير الدومينو الأمني“، حيث ينتقل عدم الاستقرار من دولة إلى أخرى عبر الحدود المفتوحة والشبكات العابرة للدول.

السيناريوهات المستقبلية لأفغانستان خلال الحرب الإيرانية

إذا استمرت الحرب الإيرانية لفترة طويلة، فمن المرجح أن تواجه أفغانستان ثلاثة تحديات رئيسية:

أولا: تزايد الضغوط السكانية نتيجة عودة اللاجئين، وما يرافق ذلك من أزمات اقتصادية واجتماعية.

ثانيا: توسع الاقتصاد غير الرسمي عبر شبكات التهريب والجريمة المنظمة.

ثالثا: احتمال تنامي نشاط الجماعات المسلحة في المناطق الحدودية مستفيدة من الفوضى الإقليمية.

لكن في المقابل، قد تسعى بعض القوى الإقليمية إلى تعزيز التعاون الأمني لمنع انهيار الوضع على الحدود، خاصة إذا أدركت أن عدم الاستقرار قد يمتد إلى دول أخرى في المنطقة.

تكشف الحرب الإيرانية عن حقيقة أساسية في السياسة الدولية، وهي أن الحدود الجغرافية لا تمنع انتقال الأزمات، بل إنها غالبًا ما تصبح خطوطًا تنقل عبرها تداعيات الصراع. وفي حالة أفغانستان، فإن القرب الجغرافي والتشابك التاريخي مع إيران يجعلانها من أكثر الدول عرضة لتأثيرات هذه الحرب. فاللاجئون العائدون، وشبكات التهريب المتوسعة، واحتمالات نشاط الجماعات المسلحة؛ كلها عوامل قد تجعل الحدود الإيرانية-الأفغانية واحدة من أكثر مناطق آسيا توترًا وخطرًا في المرحلة المقبلة. ومن دون إدارة إقليمية حكيمة لهذه التحديات، قد تتحول هذه الحدود من مجرد خط جغرافي مضطرب إلى بؤرة صراع جديدة تضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد الأمني في المنطقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts