On Research

مقالات تحليلية

مضيق هرمز وأمن الطاقة العالمي: كيف تستثمر الدول الأزمات الجيوسياسية؟

Email :1278

 إعداد

 شيماء حسين اللامي

ماجستير العلوم السياسية

العراق 

 

​يعد مضيق هرمز strait of Hürmüz واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج العربي إلى الأسواق الدولية. ولذلك فإن أي توتر أمني في هذا المضيق ينعكس بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية وعلى الاستقرار الاقتصادي الدولي.

​في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، تتزايد المؤشرات على احتمال عودة إيران إلى استخدام أدوات الضغط البحري في المضيق، بما في ذلك التلويح بإمكانية زرع ألغام بحرية في أجزاء من الممر الملاحي.

​يفسر السلوك الإيراني هذا في قضية مضيق هرمز ضمن إطار ما يسمى “الجيوسياسية الطاقوية”، إذ تسعى الدول إلى استخدام موارد الطاقة أو طرق نقلها كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية، منها رفع كلفة الملاحة الدولية وزيادة الضغط على الأسواق النفطية، مما يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وبالتالي رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها؛ فتعطيل الملاحة في المضيق سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية وهو ما يخلق ضغوطاً اقتصادية وسياسية داخل الدول الصناعية الكبرى.

​لا يقتصر الهدف من هذه السياسة على البعد العسكري والأمني فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة تدويل الأزمة ودفع القوى الاقتصادية الكبرى إلى التدخل السياسي من أجل إنهاء الصراع أو تخفيفه؛ فالدول الكبرى المستوردة للطاقة مثل الهند والصين تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، وأي اضطراب في الملاحة عبر المضيق سيؤثر بشكل مباشر على أمنها الطاقوي واستقرار اقتصادها.

​في المقابل، يمثل هذا التصعيد البحري تحدياً كبيراً أمام الولايات المتحدة، التي تعتبر نفسها الضامن الرئيسي لأمن الملاحة في الخليج، وفي خطوة لسعيها في تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وهذا السعي ليس من منظور اقتصادي وإنما من منظور الحفاظ على مكانتها كضامن رئيسي للأمن البحري الدولي للحلفاء. في خضم هذا تجد واشنطن نفسها أمام خيارين معقدين: الأول يتمثل بالرد العسكري المباشر على أي محاولة لتعطيل الملاحة، بهدف ردع إيران ومنعها من استخدام المضيق كورقة ضغط سياسية، أما الخيار الثاني فيتمثل باحتواء التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة تهدد الاستقرار الإقليمي.

​غير أن ما يلفت الانتباه في هذه الأزمات ليس فقط طبيعة التوترات العسكرية، بل استعداد بعض الدول اقتصادياً واستراتيجياً. فبينما تنشغل أطراف الصراع بإدارة المواجهة، تسعى دول أخرى إلى استثمار تداعيات الأزمة لتحقيق مكاسب طويلة المدى. ومن أبرز الأمثلة على ذلك اليابان التي تعد من أكثر الدول اعتماداً على واردات الطاقة الخارجية. فقد توقعت طوكيو منذ أشهر أن يؤدي أي صراع محتمل في منطقة الخليج إلى اضطرابات كبيرة في إمدادات النفط العالمية، خاصة إذا تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز لأي تعطيل.

​استجابة لهذه التوقعات، قامت اليابان بتعزيز احتياطاتها النفطية الاستراتيجية عبر تخزين نحو 440 مليون برميل من النفط الخام في شبكة واسعة من المخازن الاستراتيجية، التي تشمل خزانات ضخمة فوق الأرض وكهوفاً صخرية ومستودعات تحت الأرض مصممة خصيصاً لهذا الغرض. وتشير التقديرات إلى أن اليابان تمكنت من شراء جزء كبير من هذه الكميات عندما كان سعر النفط أقل من 60 دولاراً للبرميل، مما يعني أن إجمالي تكلفة هذه الاحتياطيات بلغ نحو 26 مليار دولار تقريباً.

​هذه الخطوة ستمنح اليابان هامشاً واسعاً من المرونة الاقتصادية. ففي حال ارتفاع أسعار النفط نتيجة تعطل الملاحة في المضيق، يمكن لطوكيو الاعتماد على هذه الاحتياطيات إلى فرصة استثمارية كبيرة إذا استمرت الأزمة وارتفعت الأسعار بشكل كبير. فإذا ارتفع سعر النفط إلى نحو 110 دولارات للبرميل، فإن القيمة السوقية للـ 440 مليون برميل تصل إلى ما يقارب 48.4 مليار دولار (تصحيح حسابي للقيمة)، أي بزيادة تتجاوز 22 ملياراً مقارنة بسعر الشراء الأصلي. أما في وقت تصاعد الأزمة وارتفاع الأسعار إلى مستويات أعلى قد تصل إلى 150 دولاراً للبرميل، فإن المكاسب الاقتصادية المحتملة قد تكون أكبر بكثير.

​وتزداد أهمية هذه الحسابات الاقتصادية إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الاستهلاك العالمي للنفط يتجاوز 100 مليون برميل يومياً، في حين يمر عبر مضيق هرمز وحده ما يقارب 20 مليون برميل يومياً من النفط قبل اندلاع أي أزمة كبرى؛ وهذا يعني أن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي يمكن أن يترك تأثيراً فورياً عميقاً على الأسواق العالمية.

​إن التجربة اليابانية تكشف عن نموذج واضح لكيفية التخطيط الاستراتيجي في إدارة المخاطر الجيوسياسية؛ فبدلاً من انتظار حدوث الأزمة، تعمل الدول المتقدمة على بناء احتياطيات استراتيجية وتطوير سيناريوهات استباقية تتيح لها تحويل التحديات إلى فرص. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مهم يتعلق بكيفية تعامل الدول المنتجة للنفط مع مثل هذه التحولات. فالدول النفطية مثل العراق تمتلك موارد طاقوية ضخمة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى سياسات اقتصادية واستراتيجية أكثر فعالية لاستثمار تقلبات الأسواق العالمية لصالحها. فهل تمتلك المؤسسات الاقتصادية ومراكز التخطيط في هذه الدول استراتيجية واضحة للاستفادة من الأزمات الطاقوية العالمية؟

​على سبيل المثال العراق؛ إذا أغلق المضيق سيُمنع العراق من تصدير معظم نفطه عبر الموانئ الجنوبية، الجزء الأكبر من الصادرات العراقية يعتمد على المسار البحري في الخليج، فتوقف التصدير سيجبر العراق على تقليص أو إيقاف الإنتاج في عدد من الحقول. كذلك إغلاق الآبار قد يؤدي إلى أضرار في ضغط المكامن النفطية، وتضرر ضغط المكامن ينعكس سلباً على كفاءة الاستخراج مستقبلاً. استعادة الضغط الطبيعي للمكامن يحتاج وقتاً وإجراءات فنية معقدة، فإعادة تشغيل الآبار بعد توقف قسري ليست عملية فورية، وأي توقف طويل قد يخفض الطاقة الإنتاجية الإجمالية للعراق. تراجع الطاقة الإنتاجية سيؤثر لاحقاً على القدرة التصديرية حتى بعد إعادة فتح المضيق. الانعكاس النهائي سيكون اقتصادياً عبر انخفاض الإيرادات النفطية وتعقيد إدارة الموازنة العامة.

​في نهاية المطاف، تكشف أزمات الطاقة العالمية عن صيغة مهمة في العلاقات الدولية، وهي أن الأزمات لا تصنع الخسائر فقط، بل أيضاً فرصاً كبيرة للدول التي تمتلك القدرة على التوقع والاستعداد والتخطيط بعيد المدى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts