
إعداد
د. خلف المفتاح
باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية واليهودية
سوريا
شكل القس المسيحي الكاثوليكي مارتن لوثر حالة يمكن تسميتها ووصفها بأنها نهاية القطيعة المسيحية مع اليهودية، وذلك في القرن الخامس عشر الميلادي، وفي ذلك التاريخ كانت ولادة البروتستانتية المسيحية والإصلاح الديني؛ حيث كرس مارتن لوثر مسألتين أساسيتين في مواجهته للكرسي البابوي وانقلابه على الكثير من نصوصه التي تتكئ أساساً على تعاليم بولس الرسول، حيث عمل لوثر على تفكيكها وتفنيد الكثير من الإكليروس والمعتقد المسيحي في إطار دور وطبيعة العلاقة مع النص المسيحي وقصة الإيمان ودور الوساطة الكنسية في ذلك مع الرب. وكل هذا الدور المكثف لها وفي إطار تحديد تلك العلاقة بوصفها الوسيط بين الله والإنسان المؤمن، رأى لوثر أن لا وسيط بين المؤمن والرب، ولا مجال ولا معنى عنده لصكوك الغفران وغيرها، فلا إكليروس وكهنة في ذلك؛ مما أسقط أغلب ما انتهى إليه مجمع خلقيدونيا الذي رأى فيه مارتن لوثر صدى لقياصرة روما أكثر مما هو تعبير عن إرادة بابوية إيمانية واعتقادية خالصة. إضافة إلى أن مجمع خلقيدونيا قد كرس القطيعة ما بين المسيحية الكاثوليكية واليهودية ولم يعتمد منها سوى الأسفار الخمسة وبعض مزامير داوود إضافة للأناجيل وأعمال الرسل، ولعل المصالحة التي جاء بها مارتن لوثر هو اعتماده كل التراث الديني اليهودي والمسيحي أي العهدين القديم والجديد واعتبارهما الكتاب المقدس، من هنا جاء كتابه “المسيح ولد يهودياً” مع أن لوثر عرف بكراهيته لليهود ويتضح ذلك في كتابه “أكاذيب اليهود”. ولعل المفارقة هنا وفي إطار تعقب خط سير العلاقة بين اليهودية والمسيحية أن بعض أتباع البروتستانتية هم من تبنوا وحملوا المشروع الصهيوني في فلسطين، وهم من اصطُلح على تسميتهم “الصهيونية المسيحية” التي حملت وسوقت ذلك المشروع وكانت حامله القوي من خلال نفوذها في بريطانيا القطب العالمي الأقوى في القرنين الثامن والتاسع عشر ولاحقاً في الولايات المتحدة الأميركية حيث شكل المحافظون الجدد نواتها الصلبة. ومن خلال تعقب نشأة الفكرة الصهيونية يكتشف الباحث أن المسيحية الصهيونية هي من كان وراء فكرة المشروع الصهيوني مع إرهاصاته الأولى منتصف القرن الثامن عشر بإثارة ما سمي المشكلة اليهودية وعلو نبرتها في أوروبا الغربية ولاسيما في فرنسا والنمسا، إضافة إلى أنها هي من كانت وراء فكرة أن يتأسس داعم مالي للحركة الصهيونية، الأمر الذي أفضى لاحقاً لإنشاء الصندوق القومي اليهودي الشريان المالي لمشروع تيودور هرتزل إن لم يكن ذراعه القوية، ولاسيما في تدعيم وتمويل الاستيطان اليهودي في فلسطين. وتجدر الإشارة هنا أنه لا يمكن للباحث في تاريخ العلاقة بين البروتستانتية المسيحية واليهودية ولاحقاً الصهيونية أن يعتبر أن التماهي قائم بينهما؛ فألمانيا البروتستانتية هي أكثر من عادى اليهود وألحق بهم الأذى، ولكن ما قام به لوثر هو في جوهره المصالحة التاريخية بين المعتقدين اليهودي والمسيحي بعد القطيعة التاريخية بينهما على خلفية صلب السيد المسيح والتنكر اليهودي لرسالته. ولا شك أن العداء ما بين المسيحية الكاثوليكية واليهودية بقي قائماً حتى منتصف ستينيات القرن الماضي لحين صدور وثيقة “نوسترا أيتات” عن المجمع الفاتيكاني الثاني في 28 أكتوبر 1965 بقيادة البابا بولس السادس، الذي أكد على التراث المشترك بين الديانتين حيث برأت اليهود من دم المسيح، مما أنهى قروناً من العداء اللاهوتي حيث لم يعد ينسب صلب السيد المسيح إلى جميع اليهود حينها أو حالياً مما أزال تهمة قتل الرب عنهم.
ولعل أخطر ما في العلاقة ما بين اليهودية والصهيونية المسيحية راهناً هو التسويق الفكري لمقولة أن الحضارة الغربية قائمة على حاملين تاريخيين ثقافيين هما المسيحية واليهودية، ولعلنا نجد صدى لذلك في مقولة “صراع الحضارات” لصموئيل هانتنغتون حيث يضع اليهودية والمسيحية في فضاء ثقافي واحد. ولعل ما يعيد إلى الأذهان خطورة فكرة العلاقة ما بين الصهيونية الدينية المتطرفة الحاكمة في إسرائيل بقيادة نتنياهو والصهيونية المسيحية البروتستانتية في أميركا هو ما يجري حالياً من تحالف أميركي إسرائيلي في الحرب على إيران وقبلها على غزة، والحديث الأميركي عبر السفير الأميركي في إسرائيل -وهو من أبرز المحافظين الجدد- عن الحدود التوراتية لإسرائيل؛ كل ذلك يقرع ناقوس الخطر عن عمل واستراتيجية باتت معلنة يعاد تعريفها بديباجة جديدة وسردية محدثة تستدعي من أبناء المنطقة وقياداتها الاستعداد والحيطة لما هو قادم من أخطار حقيقية تهددنا وجودياً هوية وأرضاً وتاريخاً، والتفكير العملي والجدي في تشكيل تحالف عربي إسلامي يوفر مظلة أمن وأمان لدول المنطقة وشعوبها قبل أن يقع الفأس بالرأس ويوم لا ينفع الندم.


