On Research

وحدة الدراسات السياسية

تقدير موقف : فرص نجاح الوساطة التركية والمصرية في احتواء الحرب

Email :86

إعداد

شعبان عبدالفتاح شعبان

باحث متخصص في الشأن التركي

جمهورية مصر العربية

 

 

أولاً: ملخص الموقف الاستراتيجي

في سياق التصعيد العسكري المتسارع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برزت كل من تركيا ومصر كفاعلين إقليميين يسعيان إلى احتواء تداعيات الحرب ومنع تحولها إلى صراع إقليمي شامل. وقد كثّف وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” اتصالاته مع عدد من نظرائه، شملت مسؤولين إيرانيين وأمريكيين وأوروبيين، في إطار تحركات دبلوماسية نشطة تهدف إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين أطراف الصراع.

بالتوازي، فعّلت القاهرة مساراً دبلوماسياً مكثفاً، بتوجيه من القيادة السياسية، ركّز على التنسيق مع قوى إقليمية ودولية، خاصة فيما يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، واحتواء التداعيات الاقتصادية العالمية المحتملة. ويعكس هذا الحراك تقاطعاً موضوعياً في مصالح أنقرة والقاهرة، رغم اختلاف أدوات التأثير والدوائر الجيوسياسية لكل منهما.

ثانياً: الدلالات الاستراتيجية للتحركات

تعكس التحركات التركية والمصرية مجموعة من الدلالات الاستراتيجية المرتبطة ببنية النظام الإقليمي:

أولاً: تشير هذه التحركات إلى بروز نمط من الوساطة الإقليمية متعددة المسارات، حيث لا تعتمد أطراف الصراع على قناة واحدة، بل على شبكة وسطاء يمتلك كل منهم أدوات تأثير مختلفة.

ثانياً: يعكس الدور التركي قدرة أنقرة على توظيف موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتوازنة نسبياً مع أطراف متعارضة، بما يسمح لها بلعب دور قناة اتصال غير مباشرة، خاصة في ظل محدودية التواصل بين واشنطن وطهران.

ثالثاً: يبرز الدور المصري في سياق مختلف، حيث تستند القاهرة إلى ثقلها العربي وعلاقاتها الوثيقة مع دول الخليج، ما يمنحها قدرة على التأثير في الملفات المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية.

رابعاً: تشير هذه التحركات إلى إدراك إقليمي متزايد بأن استمرار الحرب دون احتواء قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، بما يتجاوز حدود الصراع المباشر.

ثالثاً: مقارنة الأدوار وأدوات التأثير

تعتمد فعالية الوساطة التركية والمصرية على اختلاف وتكامل أدوات النفوذ لدى كل طرف:

1. الدور التركي:

أدوات دبلوماسية: علاقات مباشرة مع إيران، وقنوات تواصل مع الولايات المتحدة وأوروبا.

أدوات جيوسياسية: موقع جغرافي يربط بين الشرق الأوسط وأوروبا، وتأثير مباشر في ملفات إقليمية مثل سوريا.

أدوات أمنية: عضوية في حلف شمال الأطلسي، وقدرات عسكرية تسمح بلعب دور في ضبط التوازنات الإقليمية.

(تميل الوساطة التركية إلى الطابع العملي والتقني المرتبط بإدارة الاتصالات وتقليل الاحتكاك المباشر).

2. الدور المصري:

أدوات سياسية: ثقل عربي تقليدي وعلاقات وثيقة مع دول الخليج، خاصة في ملفات الطاقة.

أدوات استراتيجية: دور مركزي في أمن الممرات البحرية، سواء في البحر الأحمر أو في التنسيق المرتبط بمضيق هرمز.

أدوات دبلوماسية: علاقات متوازنة مع القوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

(تميل الوساطة المصرية إلى الطابع السياسي-التوافقي المرتبط ببناء مواقف جماعية وتوفير غطاء إقليمي لأي تسوية).

3. طبيعة العلاقة بين الدورين:

لا تعكس التحركات بالضرورة تنسيقاً مباشراً عالي المستوى بين أنقرة والقاهرة، بقدر ما تشير إلى تقاطع وظيفي في الأدوار، حيث يعمل كل طرف ضمن نطاق تأثيره، مع إمكانية التلاقي في مراحل لاحقة من العملية التفاوضية.

رابعاً: تحليل المخاطر

1. المخاطر الدولية:

  • احتمال تعثر المسارات الدبلوماسية نتيجة التباين الحاد في مواقف الأطراف، خاصة فيما يتعلق بالبرنامجين النووي والصاروخي الإيراني.
  • خطر اتساع نطاق الصراع ليشمل ممرات الطاقة الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، بما قد يؤثر على استقرار الأسواق العالمية.
  • إمكانية تصاعد التوتر بين القوى الكبرى في حال انخراط أطراف دولية إضافية بشكل مباشر.

2. المخاطر الإقليمية:

  • احتمال انخراط أطراف إقليمية إضافية، بما يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.
  • تصاعد دور الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في عدد من الساحات الإقليمية، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني.
  • ارتفاع مستوى التوتر في مناطق حيوية مثل الخليج العربي وشرق المتوسط.

3. المخاطر المرتبطة بالوساطة:

  • محدودية قدرة الوسطاء الإقليميين على التأثير في القرارات الاستراتيجية للأطراف الكبرى.
  • تعرض تركيا ومصر لضغوط متعارضة من أطراف الصراع، ما قد يحد من هامش حركتهما الدبلوماسية.
  • خطر فقدان المصداقية في حال فشل جهود الوساطة أو تعثرها لفترة طويلة.

خامساً: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: نجاح جزئي للوساطة (متوسط إلى مرتفع): تنجح الجهود التركية والمصرية، بدعم دولي، في تحقيق تهدئة مؤقتة أو اتفاق مرحلي يركز على ملفات محددة مثل أمن الملاحة أو وقف التصعيد.

السيناريو الثاني: استمرار الجمود التفاوضي (مرتفع): تستمر الاتصالات دون تحقيق اختراق حقيقي، مع بقاء الصراع في حالة تصعيد منخفض الحدة، واستمرار الضغوط العسكرية والسياسية.

السيناريو الثالث: فشل الوساطة وتصعيد واسع (منخفض إلى متوسط): تفشل الجهود الدبلوماسية، ما يؤدي إلى تصعيد عسكري أوسع يشمل ممرات الطاقة وأطرافاً إقليمية إضافية.

سادساً: التوصيات

  1. دعم مسار الوساطة متعددة القنوات بما يضمن تكامل الأدوار بين الفاعلين الإقليميين والدوليين.
  2. التركيز على اتفاقات مرحلية محدودة النطاق، خاصة فيما يتعلق بأمن الملاحة، كمدخل لبناء الثقة بين الأطراف.
  3. تعزيز التنسيق غير المباشر بين تركيا ومصر لتوحيد الرسائل الدبلوماسية وتقليل التباينات في مقاربات الوساطة.
  4. توسيع نطاق الوساطة ليشمل أطرافاً دولية قادرة على تقديم ضمانات أمنية وسياسية.
  5. متابعة مؤشرات التصعيد في الممرات البحرية والطاقة باعتبارها نقاط ضغط رئيسية في مسار الصراع.

خاتمة:

في ضوء هذه المعطيات، يُرجح أن تستمر كل من تركيا ومصر في لعب أدوار وسيطة ضمن مسارات متوازية، مع بقاء فرص تحقيق اختراق دبلوماسي شامل محدودة على المدى القصير، مقابل تزايد أهمية التفاهمات المرحلية كآلية لإدارة الصراع واحتواء تداعياته الإقليمية والدولية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts