On Research

مقالات تحليلية

النفط العراقي: أزمة الممرات والحلول الغائبة

Email :161

إعداد

شيماء حسين اللامي

باحث في السياسة العراقية

العراق

 

 

في ظل احتمالات إغلاق مضيق هرمز، سواء نتيجة حرب إقليمية أو توترات جيوسياسية، تبرز تحديات عميقة تواجه دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق بحكم موقعه الجغرافي واعتماده شبه الكامل على عوائد تصدير النفط. هذا الاعتماد يكشف عن خلل استراتيجي متراكم، نتج عن عقود من السياسات غير الفعّالة وتعاقب حكومات لم تنجح في بناء بدائل اقتصادية حقيقية.

اليوم، يقف العراق أمام واحدة من أخطر الأزمات التي تهدد أمنه القومي والاقتصادي، حيث يعتمد بشكل شبه كلي على “الريع النفطي” في تمويل موازنته العامة. وهنا يبرز مضيق هرمز ليس فقط كممر مائي، بل كـ “فخ استراتيجي” محتمل، يفرض سؤالاً جوهرياً:

هل ستبقى الدولة العراقية عاجزة أمام أزمات يمكن التنبؤ بها؟

إن توقف تدفق النفط من موانئ البصرة لا يمثل مجرد أزمة مالية مؤقتة، بل يُعد شللاً يصيب الشريان الحيوي للدولة، مما يضع صانع القرار أمام اختبار حقيقي لإيجاد بدائل جيو-اقتصادية تتجاوز القيود الجغرافية التقليدية.

لطالما كان النفط عنصر قوة في السياسة العراقية، لكنه اليوم —بفعل غياب استراتيجيات تنويع منافذ التصدير— تحول إلى نقطة ضعف حرجة. وتؤكد أزمة الممرات المائية أن الجغرافيا السياسية قد تتفوق في تأثيرها على التفاهمات الاقتصادية.

حجم صادرات النفط العراقية (قبل أي إغلاق محتمل)

وفق بيانات وزارة النفط العراقية وشركة تسويق النفط (SOMO) لعامي 2024–2025:

  • يبلغ معدل التصدير الكلي: 3.3 – 3.5 مليون برميل يومياً.
  • عبر الموانئ الجنوبية (مروراً بمضيق هرمز): 90% – 95% من إجمالي الصادرات (حوالي 3.2 مليون برميل يومياً).
  • عبر الخطوط الشمالية (جيهان التركي): متوقف أو يعمل بشكل محدود جداً، بعد أن كان ينقل 400 – 500 ألف برميل يومياً.

سيناريو إغلاق مضيق هرمز

في حال إغلاق المضيق، ستكون التداعيات كارثية:

  • موانئ البصرة: توقف كامل.
  • خط كركوك – جيهان: يعمل جزئياً في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية.
  • النقل البري: محدود للغاية.
  • النتيجة: خسارة تصل إلى 95% من القدرة التصديرية.

البدائل المطروحة: بين الواقع والتحديات

.1 المسار الشمالي (تركيا)

يمثل خط أنابيب كركوك – جيهان أحد أهم البدائل الممكنة، إلا أن تشغيله بكفاءة يتطلب:

  • تسوية الخلافات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان.
  • تفاهمات سياسية مستقرة مع الجانب التركي.
  • تطوير البنية التحتية لزيادة الطاقة الاستيعابية.

ورغم طرح مشروع خط اتحادي مباشر بطاقة تصل إلى 250 ألف برميل يومياً، إلا أن تعثر المفاوضات السياسية ما زال يشكل عائقاً رئيسياً.

. 2المسار الغربي (الأردن – البحر الأحمر)

يُعد مشروع أنبوب البصرة – العقبة خياراً استراتيجياً طويل الأمد، يهدف إلى ربط النفط العراقي بميناء العقبة الأردني.

لكن هذا المشروع يواجه عدة تحديات:

  • تكلفة مالية ضخمة (تُقدّر بنحو 28 مليار دولار).
  • تعقيدات سياسية وأمنية.
  • مخاوف من الاعتماد على أطراف خارجية في تأمين مسار التصدير.
  • معارضة داخلية وشكوك حول جدواه الاستراتيجية.

ورغم قدم الفكرة (منذ ثمانينيات القرن الماضي)، إلا أنها لم تتجاوز حتى الآن مرحلة التخطيط الفعلي.

. 3خيار النقل البري

طُرح كحل مؤقت، لكنه يظل محدود الفاعلية:

  • قدرة نقل منخفضة مقارنة بخطوط الأنابيب.
  • كلفة تشغيلية مرتفعة.
  • مخاطر لوجستية وبيئية.
  • تحديات تتعلق بالبنية التحتية والمسافات.

لذلك، يُنظر إليه كخيار إسعافي وليس حلاً استراتيجياً.

استراتيجيات الطوارئ المقترحة

  • تنويع مسارات التصدير:
    • تفعيل المسار الشمالي عبر تركيا.
    • تسريع مشروع البصرة – العقبة.
    • دراسة إعادة تشغيل خطوط قديمة مثل الخط عبر السعودية (IPSA).
  • تعزيز البنية التحتية الداخلية:
    • إنشاء سعات تخزينية كبيرة داخل وخارج العراق.
    • الاستثمار في موانئ دولية لتأمين منافذ بديلة.
  • تطوير قطاع التكرير:
    • تقليل تصدير النفط الخام.
    • تحويله إلى مشتقات نفطية ذات قيمة مضافة.
    • دعم الاكتفاء الذاتي وتقليل الاستيراد.

مقارنة البدائل

المسار إمكانية التنفيذ أبرز العوائق
تركيا (جيهان) متاح جزئياً تعقيدات سياسية وقانونية
الأردن (العقبة) قيد التخطيط تكلفة عالية ومدة تنفيذ طويلة
السعودية (IPSA) متوقف يتطلب قراراً سياسياً سيادياً

الخلاصة

تكشف أزمة مضيق هرمز عن هشاشة البنية الاستراتيجية لقطاع النفط العراقي، وتؤكد أن الاعتماد المفرط على مسار تصديري واحد يمثل تهديداً وجودياً للدولة.

إن تجاوز هذه الأزمة لا يتطلب حلولاً مؤقتة فحسب، بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية شاملة تقوم على تنويع المنافذ، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، وبناء منظومة طاقة مرنة قادرة على التكيف مع التحولات الجيوسياسية.

ففي عالم تحكمه الأزمات، لم يعد النفط وحده مصدر قوة… بل كيفية إدارته هي الفارق الحقيقي بين الدول.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts