On Research

وحدة الدراسات الاستراتيجية و الأمنية

قراءة تحليلية لكتاب “القرن الأوراسي: الحروب الساخنة، الحروب الباردة، وصناعة العالم الحديث”

Email :151

إعداد

فريق عمل المركز

وحدة الدراسات الاستراتيجية والأمنية

 

 

بطاقة الكتاب التعريفية:

  • العنوان الأصلي: The Eurasian Century: Hot Wars, Cold Wars, and the Making of the Modern World
  • المؤلف: البروفيسور هال براندز (Hal Brands)، أستاذ كرسي “هنري كيسنجر” للشؤون العالمية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز (SAIS)، وكبير الباحثين في معهد “أمريكان إنتربرايز” (AEI)، وأحد أبرز الاستراتيجيين في دوائر صناعة قرار الأمن القومي الأمريكي.
  • جهة النشر: دار نورتون العريقة للنشر الأكاديمي (W. W. Norton & Company).
  • تاريخ النشر: يناير 2025.
  • النطاق الموضوعي: الأمن القومي، الاستراتيجية العسكرية الكبرى (Grand Strategy)، الجيوبوليتيك، والتاريخ العسكري الحديث.

 

  1. الإطار الاستراتيجي والتمهيد الجيوسياسي

في وقت يغرق فيه العالم في أزمات متزامنة، من سهول أوروبا الشرقية إلى مياه المحيط الهادئ والشرق الأوسط، يتدخل “هال براندز” بهذا المرجع الاستراتيجي الضخم (الصادر مطلع عام 2025) ليقدم إطاراً تحليلياً متكاملاً لفهم الفوضى العالمية. لا يُعد هذا الكتاب مجرد سرد تاريخي، بل هو وثيقة أمنية رفيعة المستوى موجهة لصناع القرار، تهدف إلى إعادة معايرة البوصلة الاستراتيجية للغرب. ينطلق الكاتب من فكرة أن الأمن القومي لأي دولة، مهما بلغت قوتها، لا يمكن صياغته في فراغ، بل تحكمه حتميات جغرافية صارمة لم تتغير رغم ثورات التكنولوجيا والاتصالات.

 

  1. الأطروحة المركزية: تفكيك أسطورة “القرن الأمريكي”

يبدأ “براندز” كتابه بهدم سردية راسخة في العقل الجمعي الغربي؛ ألا وهي سردية “القرن الأمريكي” التي صاغها الكاتب هنري لوس في منتصف القرن العشرين. يرى المؤلف أن هذا الوصف يتسم بالنرجسية والقصور الاستراتيجي.

  • المركزية الأوراسية: يجادل الكتاب بأننا نعيش فعلياً في “قرن أوراسي” طويل ودموي. فقارة أوراسيا (الكتلة الأرضية العملاقة التي تضم أوروبا وآسيا) ليست مجرد مساحة على الخريطة، بل هي “الجائزة الاستراتيجية الكبرى”؛ فهي تمتلك الأغلبية الساحقة من سكان الأرض، الثقل الصناعي الأكبر، والموارد الطبيعية الهائلة، كما أنها تطل على المحيطات الأربعة الرئيسية.
  • صراع الهيمنة: يؤكد الكاتب أن المحرك الأساسي لكل الصراعات الكبرى في العصر الحديث هو محاولة قوى استبدادية السيطرة التامة على هذه الكتلة الحرجة، وفي المقابل، محاولة “القوى البحرية” (Offshore Powers) – المتمثلة تاريخياً في بريطانيا ثم الولايات المتحدة – منع حدوث هذه الهيمنة بأي ثمن، لأن سيطرة قوة واحدة معادية على أوراسيا تعني تلقائياً محاصرة وخنق القوى الديمقراطية في العالم الجديد.

 

  1. التشريح التاريخي للأمن القومي: من القيصر إلى السوفييت

يُفرد الكتاب مساحة تحليلية واسعة لتطبيق نظريته على القرن العشرين، مُثبتاً أن الجغرافيا هي الثابت الوحيد في معادلات الأمن القومي:

  • الحروب الساخنة (الحربان العالميتان): يحلل الكاتب كيف كانت ألمانيا في عهد القيصر فيلهلم الثاني، ثم ألمانيا النازية، تسعى لتحقيق نظرية “قلب الأرض” (Heartland) الجيوسياسية للسيطرة على أوراسيا. التدخل الأمريكي في الحربين لم يكن بدافع أخلاقي بحت، بل كان ضرورة أمنية وجودية لمنع تشكل إمبراطورية أوراسية قادرة على غزو الأمريكتين لاحقاً.
  • الحرب الباردة: لم تكن مجرد صراع أيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية، بل كانت من منظور الأمن القومي، معركة احتواء (Containment) جيواستراتيجية. يوضح “براندز” كيف نشرت أمريكا شبكة من التحالفات العسكرية (مثل الناتو في الغرب، ومعاهدات الدفاع المشترك في آسيا) كـ “طوق بحري وبَرّي” لخنق الاتحاد السوفيتي ومنعه من التمدد إلى الموانئ الدافئة والمراكز الصناعية في أوروبا واليابان.

 

  1. التهديد الوجودي الجديد: محور الاضطراب الأوراسي

القسم الأهم والأكثر التصاقاً بصناعة الأمن القومي المعاصر في الكتاب، هو التحليل الدقيق للتهديدات الحالية. يحذر “براندز” من أن العالم يشهد “القرن الأوراسي الثاني”، والذي تتصدره جبهة أوتوقراطية (استبدادية) جديدة تسعى للانتقام وإعادة رسم الخرائط:

  • المثلث المعادي (الصين، روسيا، إيران): يطلق المؤلف على هذا التحالف اسم “محور الاضطراب” (Axis of Upheaval). رغم اختلاف أيديولوجياتهم، يجمعهم هدف استراتيجي واحد: طرد النفوذ الأمريكي والقوى الديمقراطية من القارة الأوراسية.
  • الحالة الروسية (حرب أوكرانيا): يصف “براندز” التكتيكات الروسية بقسوة، مشيراً إلى أن الغزو الروسي لأوكرانيا ليس نزاعاً حدودياً، بل هو محاولة وحشية لـ “محو هوية وطنية” وإعادة بناء حاجز أمني روسي في عمق أوروبا. يقارن الكاتب بين أوكرانيا 2022 وتشيكوسلوفاكيا 1938، مؤكداً أن الفارق الوحيد الذي منع الانهيار هو الدعم التسليحي الغربي السريع.
  • الحالة الصينية: يعتبر الكتاب أن الصين هي التحدي الأعظم أمنياً. فهي تسعى للسيطرة على “الحافة الآسيوية” لبحر الصين الجنوبي، وتهدد تايوان (درع التكنولوجيا العالمي). يحلل الكاتب كيف تحاول بكين استخدام مبادرة “الحزام والطريق” كأداة جيواقتصادية لربط القارة الأوراسية تحت قيادتها المركزية.
  • الحالة الإيرانية: تُمثل الوكيل التخريبي في “الشرق الأوسط الأوراسي”، حيث تستخدم طهران شبكة من الميليشيات اللاتماثلية لضرب نقاط الاختناق البحرية وزعزعة استقرار حلفاء الغرب، مما يشتت الموارد الأمنية الأمريكية.

 

  1. عسكرة التكنولوجيا: الجغرافيا في عصر الذكاء الاصطناعي

لا يقع المؤلف في فخ الحتمية الجغرافية الكلاسيكية، بل يدمج التطور التقني كعامل حاسم في حسابات الأمن القومي:

  • تطويع المسافات: تاريخياً، ساعدت السكك الحديدية الإمبراطوريات البرية على نقل الجيوش بسرعة. اليوم، يحلل الكاتب كيف أن القدرات السيبرانية (Cyber Warfare)، الصواريخ الفرط-صوتية (Hypersonic Missiles)، والذكاء الاصطناعي العسكري، قد ألغت ميزة “المحيطات العازلة” التي كانت تتمتع بها الولايات المتحدة.
  • حرب الابتكار: يؤكد “براندز” أن الصراع للسيطرة على أوراسيا هو في جوهره صراع للسيطرة على “حدود الابتكار التكنولوجي والإنتاج الضخم”. فالأسلحة الذكية، والقدرة على تصنيع أشباه الموصلات، باتت تُعادل أهمية السيطرة على حقول النفط في القرن العشرين.

 

  1. التهديد الداخلي: متلازمة الانعزال وتآكل التحالفات

في التفاتة نقدية للداخل الأمريكي والغربي، يُشخص “براندز” أكبر تهديد للأمن القومي الغربي بأنه لا ينبع من موسكو أو بكين، بل من الانقسام الداخلي في واشنطن والعواصم الأوروبية.

  • خطر الانعزالية: يهاجم الكاتب بشدة الأصوات السياسية (في اليمين واليسار) التي تدعو لانسحاب أمريكا من العالم و”التركيز على الداخل”. يبرهن تاريخياً على أن الانعزالية الأمريكية لم تمنع الحروب، بل جعلتها أكثر دموية وتكلفة عندما اضطرت واشنطن للتدخل متأخرة.
  • صيانة التحالفات: يؤكد أن القوة العسكرية الأمريكية وحدها غير قادرة على احتواء المحور الأوراسي الجديد. الأمن القومي يعتمد بشكل كلي على الحفاظ على حيوية التحالفات (الناتو، أوكوس AUKUS، الشراكات مع اليابان وكوريا الجنوبية)، واعتبار الدفاع عن هذه الدول دفاعاً عن خطوط أمريكا الأمامية.

 

  1. الرؤية الاستراتيجية: خريطة طريق للأمن القومي (The Strategic Playbook)

يختتم الكتاب بتقديم “روشتة استراتيجية” للتعامل مع العقد القادم، يمكن تلخيصها في:

  1. الردع المتقدم (Forward Deterrence): يجب على القوى الديمقراطية أن تحافظ على وجود عسكري قوي ومتقدم على أطراف أوراسيا، وعدم التراجع إلى استراتيجية “الدفاع من بعيد”. التراجع سيخلق فراغات قوى ستملأها فوراً الأنظمة الاستبدادية.
  2. إحياء القاعدة الصناعية الدفاعية (Defense Industrial Base): كشفت حرب أوكرانيا عن ضعف خطير في قدرة الغرب على إنتاج الذخائر والأسلحة التقليدية بكميات ضخمة ومستدامة. يوصي الكاتب بضرورة إعادة بناء الاقتصادات العسكرية لتكون قادرة على خوض حروب استنزاف طويلة الأمد.
  3. التكامل الاقتصادي-الأمني: لا يمكن فصل الاقتصاد عن الأمن. يجب تقييد وصول دول المحور الأوراسي للتكنولوجيا الحساسة ورؤوس الأموال الغربية، وبناء سلاسل توريد آمنة (Friend-shoring) بين الدول الحليفة.

 

  1. التقييم الأكاديمي والختام

يُعد كتاب “القرن الأوراسي” (2025) إنجازاً فكرياً ضخماً، و”جولة قوة” (Tour de Force) في الأدبيات الاستراتيجية الحديثة. قوة هذا الكتاب تكمن في قدرة البروفيسور “هال براندز” الاستثنائية على نسج قرن كامل من التاريخ العسكري والسياسي المعقد، ووضعه في إطار تحليلي متماسك يشرح أزمات الحاضر وينير طريق المستقبل.

رسالة الكتاب النهائية قاطعة: الجغرافيا ليست قدراً لا فكاك منه، لكنها قوة قاهرة. إذا استمرت الديمقراطيات الغربية في الاعتقاد بأن الحروب الإقليمية في شرق أوروبا أو بحر الصين هي مجرد “صراعات محلية لا تعنيها”، فإنها ستستيقظ قريباً على كابوس چيوسياسي يتمثل في قارة أوراسية موحدة، مسلحة نووياً وتقنياً، ومعادية بشدة للديمقراطية، وحينها ستكون تكلفة استعادة الأمن القومي العالمي باهظة، إن لم تكن مستحيلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts