On Research

وحدة الدراسات السياسية

تقدير موقف : العراق بين الوجود الأمريكي والنفوذ الإيراني: جدلية البقاء والاحتواء

Email :165

إعداد

شيماء حسين اللامي

باحث في السياسة العراقية

العراق

 

العراق بين الوجود الأمريكي والنفوذ الإيراني: جدلية البقاء والاحتواء

مقدمة

لا يزال العراق يمتلك موقعًا إستراتيجيًا فريدًا في قلب العالم، ما جعله ساحةً لتصارع الإرادات الدولية والإقليمية. وقد تصاعد هذا التدافع في السنوات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران؛ إذ يسعى كل طرف إلى تعزيز نفوذه وترسيخ حضوره ضمن معادلة البقاء والاستمرار، غالبًا على حساب السيادة العراقية.

وقد تنوّعت أدوات هذا الصراع بين وسائل عسكرية مباشرة، كالقواعد العسكرية والفصائل المسلحة، وأدوات اقتصادية ومالية، ليجد العراق نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي يتمثل في قدرته على موازنة هذه القوى المتنافسة.

في خضم هذا التجاذب، تبرز الحاجة إلى صياغة “عقد اجتماعي وسياسي” جديد، ينقل العراق إلى مرحلة الدولة المستقرة، بعد سنوات من الاضطراب الذي أعقب عام 2003م. وهنا تطرح تساؤلات جوهرية:

  • ما طبيعة الحليف الذي يمكن أن يخدم هذا التحول؟
  • وما شكل الوجود الأجنبي مستقبلًا؟
  • وكيف يمكن للعراق أن يتحول من ساحة صراع إلى فاعل إقليمي مستقل؟

أولًا: التحالفات والاتفاقيات مع الولايات المتحدة

مرّ الوجود الأمريكي في العراق بعدة مراحل قانونية وسياسية مفصلية:

  1. مرحلة الاحتلال : (2003–2011) بدأ الوجود الأمريكي كقوة احتلال عسكري استمر لثماني سنوات، وانتهى بالانسحاب عام 2011م في عهد إدارة أوباما وحكومة نوري المالكي، استنادًا إلى اتفاقية وضع القوات (SOFA) لعام 2008م. وقد نصّت هذه الاتفاقية على تنظيم وجود القوات الأمريكية، ومنعت استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار، كما حدّت من الحصانة القانونية الكاملة للقوات الأمريكية، ما عجّل بقرار الانسحاب.
  2. اتفاقية الإطار الإستراتيجي (SFA – 2008): تُعد هذه الاتفاقية حجر الأساس في العلاقات العراقية–الأمريكية، إذ لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل مجالات التعاون السياسي، والدبلوماسي، والثقافي، والتعليمي، إضافة إلى قطاع الطاقة والتنمية الاقتصادية.
  3. العودة عام 2014 (التحالف الدولي): عقب سقوط الموصل بيد تنظيم داعش، عاد الوجود الأمريكي بطلب رسمي من الحكومة العراقية، ضمن إطار التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. واتسم هذا الوجود بطابع استشاري وتقني، أكثر من كونه وجودًا قتاليًا مباشرًا.

ثانيًا: الروابط العراقية–الإيرانية ونفوذ الجوار

تتسم العلاقة بين بغداد وطهران بدرجة عالية من التعقيد، نظرًا لتداخل العوامل الجغرافية والتاريخية والدينية.

  1. العمق الاجتماعي والديني: تتجاوز العلاقات بين البلدين الإطار الرسمي، لتصل إلى عمق النسيج الاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بالمراقد الدينية وحركة الزيارات المليونية، ما يمنح إيران نفوذًا ناعمًا مستدامًا داخل المجتمع العراقي.
  2. التحالف الإستراتيجي: تطورت العلاقات بعد عام 2003م في سياق مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب. غير أن هذه العلاقة تحولت تدريجيًا إلى قناة اقتصادية حيوية لإيران، خاصة في ظل العقوبات الدولية، من خلال السوق العراقية وملفات الطاقة، ولا سيما الغاز والكهرباء.
  3. الاتفاقيات الأمنية : (2024–2026) شهدت الفترة الأخيرة حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا بين البلدين، تُوّج بتوقيع مذكرات تفاهم أمنية تهدف إلى ضبط الحدود، ومنع العمليات العابرة، وتعزيز التنسيق الأمني، بما يعكس محاولة مأسسة هذا النفوذ ضمن أطر رسمية.

ثالثًا: اللجنة العسكرية العليا (HMC)

جاء تشكيل اللجنة العسكرية العليا في سياق الضغوط الأمنية والسياسية التي أعقبت أحداث أكتوبر 2023م، حيث سعت الحكومة العراقية إلى تحويل مطالب الانسحاب إلى مسار فني تدريجي، قائم على تقييم القدرات الأمنية العراقية.

وتهدف هذه اللجنة إلى:

  • وضع جدول زمني لإنهاء مهام التحالف الدولي.
  • الانتقال من الوجود العسكري متعدد الأطراف إلى علاقات أمنية ثنائية.
  • تجنب حدوث فراغ أمني قد تستغله الجماعات المسلحة.

وبذلك تمثل اللجنة محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات السيادة وضرورات الأمن.

رابعًا: سيناريوهات المستقبل

  1. سيناريو البقاء والاستقرار: يفترض هذا السيناريو نجاح العراق في تحقيق توازن دقيق بين النفوذين الأمريكي والإيراني، مع استمرار الدعم الدولي في إطار استشاري، بالتوازي مع تقليص التدخلات الخارجية. ويؤدي ذلك إلى تعزيز الاستقرار الداخلي ودعم مؤسسات الدولة.
  2. سيناريو الانسحاب والارتهان: يقوم هذا السيناريو على تراجع الوجود الدولي لصالح تصاعد نفوذ طرف إقليمي واحد، ما قد يؤدي إلى اختلال التوازن الإستراتيجي، ويعرض العراق لمخاطر العزلة الاقتصادية، أو الضعف في مواجهة التهديدات الأمنية.

الخاتمة والتوصيات

في ظل بيئة أمنية وسياسية معقدة، تظل قدرة العراق على تنفيذ الاتفاقيات مرهونة بمدى قوة الدولة واستقلالية قرارها السيادي. إن تصاعد التدخلات الخارجية، في سياق صراع المحاور، يفرض على صانع القرار العراقي ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى.

وتكمن فرصة العراق في:

  • تفعيل اتفاقية الإطار الإستراتيجي كشراكة تنموية حقيقية.
  • بناء علاقات متوازنة قائمة على حسن الجوار مع إيران.
  • تعزيز قدراته الذاتية الأمنية والاقتصادية.

إن نجاح العراق لا يتحقق بالانحياز إلى محور دون آخر، بل بقدرته على التحول إلى “نقطة توازن إقليمي” بدلًا من أن يبقى “ساحة صراع”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts