
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
في السنوات الأخيرة، أصبح استخدام الرسوم المتحركة بأسلوب الليجو (LEGO Animation) جزءًا من استراتيجية الإعلام الرقمي في العديد من الدول. إيران لم تكن استثناءً؛ فقد طورت صناعة محتوى قصصي باستخدام الليجو كأداة لنشر الرسائل النفسية والسياسية، مستهدفة جمهور الشباب والمراهقين بشكل خاص. هذه الطريقة الذكية تسمح بتقديم أفكار معقدة بطريقة سهلة الاستيعاب، وفي الوقت نفسه تعزيز سرديات الدولة الإيرانية حول القوة والصمود والمقاومة.
في خضم الصراع الممتد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في 2026، ظهرت تقنية جديدة في ساحة الحرب الرقمية: أفلام ورسوم متحركة بأسلوب الليجو. هذه المقاطع المصممة بأسلوب شخصيات البلوكات لم تعد مجرد مزحة أو محتوى ترفيهي، بل أصبحت أداة للإعلام النفسي، والحرب المعلوماتية، والتوجيه الاستراتيجي للرأي العام، سواء داخليًا في إيران أو خارجيًا على المنصات الرقمية العالمية.
ما هي أفلام الليجو الإيرانية؟
أفلام الليجو الإيرانية هي مقاطع قصيرة (غالبًا دقائق قليلة) من الرسوم المتحركة التي تصور أحداثًا سياسية وعسكرية واقعية أو رمزية باستخدام شخصيات تشبه ألعاب الليجو الشهيرة، لكن في سياق الحرب والصراع. تُنتج غالبًا باستخدام الذكاء الاصطناعي وأدوات رقمية سريعة الإنتاج، ما يسمح بإطلاقها في غضون 24 ساعة تقريبًا بعد كل تطور سياسي أو عسكري.
القناة الأكثر شهرة المرتبطة بهذه المقاطع تُعرف باسم “أخبار انفجاري” (Explosive News / Akhbar Enfejari)، والتي أُزيلت من بعض المنصات مثل يوتيوب وإنستجرام بسبب سياسات المحتوى المضلل، لكنها تواصل نشاطها على “إكس” (X) وتيليجرام.
الليجو كأداة إعلامية
أفلام الليجو الإيرانية تجمع بين التسلية والتوجيه النفسي، ولها ميزات تجعلها فعالة في الحروب النفسية الرقمية، ومنها:
- إيصال الرسائل المعقدة ببساطة: يمكن تصوير الصراعات السياسية والعسكرية في شكل قصص قصيرة يسهل فهمها للأطفال والمراهقين.
- تعزيز سرديات الصمود والمقاومة: غالبًا ما تظهر الشخصيات البطولية التي تواجه أعداء أكبر أو أقوى، ما يعكس صورة إيران كدولة مقاومة ومؤثرة.
- جذب جمهور الشباب: استخدام الشخصيات المحبوبة والليجو يجعل الرسائل أكثر قبولًا وتأثيرًا على الجيل الجديد، الذي يشكل نسبة كبيرة من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.
دور هذه الأفلام في الحرب النفسية
تستخدم أفلام الليجو الإيرانية استراتيجيات متقدمة في الحرب النفسية الرقمية:
- تحويل الرموز السياسية إلى شخصيات لعب: غالبًا ما تُصوّر الفيديوهات قادة عالميين مثل ترامب ونتنياهو كشخصيات Lego سهلة السخرية والتهكم، وتُظهر قوتهم كأضعف من الواقع، وتُظهرهم كأعداء غير فعّالين. الهدف النفسي من ذلك هو إضعاف صورة الخصم في أذهان المتلقين وجعله يبدو هزيلًا، غير قادر على مواجهة إيران.
- إعادة تأطير الأحداث الحربية: تُظهر القطع المتحركة سيناريوهات نزاعات، هجمات، انتصارات، وحتى مآسي إنسانية، مثل تصوير هجوم مزعوم على مدرسة في مدينة ميناب – بغض النظر عن حقيقة الأحداث – بطريقة درامية وشديدة التأثير. الهدف النفسي هنا خلق سردية بديلة للأحداث تلائم الرواية الإيرانية، وتؤثر في مواقف جمهور واسع عبر مشاركة هذه المقاطع.
- التوظيف الاستراتيجي للرموز الثقافية: استخدام الليجو ليس عشوائيًا، فاللعبة مرتبطة عالميًا بالطفولة والترفيه، لكنها تُوظف هنا لإيصال رسائل سياسية معقدة بطريقة بصرية قابلة للفهم من مختلف الفئات العمرية، بما فيها الشباب والمراهقين. الهدف النفسي هو إحداث صدمة معرفية لدى المتلقي؛ فالرسالة السياسية الصادمة تأتي في شكل مُرحَّب به بصريًا.
فيما يلي نماذج على نوعية أفلام الليجو الإيرانية، والتي توضح الأساليب المختلفة التي تُستخدم لنقل الرسائل السياسية والعسكرية بطريقة مرئية وجذابة للشباب والمراهقين:
- ليجو الصواريخ والصراعات البحرية:
- فيديوهات قصيرة تُظهر سفنًا وصواريخ تحارب “الأعداء الافتراضيين”، غالبًا موجهة نحو جمهور الخليج أو إسرائيل والولايات المتحدة.
- الهدف: زرع الإحساس بالقوة والصمود، وإيصال رسالة أن إيران قادرة على الرد على أي تهديد.
- ليجو الشخصيات البطولية:
- أفلام قصيرة تبرز مقاومين أو شخصيات وطنية تواجه خصومًا أقوياء أو مؤامرات داخلية وخارجية.
- الهدف: تعزيز الهوية الوطنية وتشجيع الشباب على تبني قيم الولاء والصمود.
- ليجو القصص التاريخية والدينية:
- إعادة تمثيل معارك تاريخية أو رموز دينية باستخدام الليجو، مثل الحروب الإسلامية المبكرة أو أحداث الثورة الإيرانية.
- الهدف: الربط بين الماضي والحاضر، وتقديم سردية تاريخية متجانسة لدعم الرواية الحالية.
أمثلة تحليلية من أبرز الفيديوهات المنتشرة
- Lego Style Propaganda – “Narrative of Victory”
- موضوع الفيلم: يُظهر زعمًا بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تهاجمان إيران، ثم يُصوّر ردًا إيرانيًا قويًا باستخدام شخصيات ليجو ورموز سياسية مثل ترامب ونتنياهو.
- المنصات المنشور عليها: إكس، فيسبوك، إنستجرام، يوتيوب (قبل الحذف).
- الجمهور المستهدف: جمهور عالمي متنوع، خاصة الناطقين بالإنجليزية والعربية والفارسية.
- التأثير النفسي المتوقع: تعزيز انطباع أن إيران ضحية وعدوانها مشروع، خلق إحساس بالقوة والصمود أمام الغرب، وزرع مشاعر الغضب تجاه خصوم إيران.
- AI Lego Satire Mocking Trump & Netanyahu
- موضوع الفيلم: مقطع ساخر يصور القيادات الأمريكية والإسرائيلية كشخصيات ليجو مهزومة أو محط سخرية.
- المنصات المنشور عليها: إكس، إنستجرام.
- الجمهور المستهدف: المستخدمون الشباب على إكس وإنستجرام، مؤيدو الخط الإيراني الرقمي.
- التأثير النفسي المتوقع: تهوين صورة الخصوم، خلق مشاعر فوقية ونصر افتراضي، وتوظيف السخرية كأداة نفسية لإضعاف مناعة الخصم.
- Akhbar Enfejari Lego Videos
- موضوع الفيلم: عدة مقاطع قصيرة تُظهر أحداثًا سياسية أو عسكرية بصبغة Lego/بلوكات، بعضها يصف ضربات مفترضة أو سيناريوهات رد إيرانية.
- المنصات المنشور عليها: إكس، تيليجرام، يوتيوب (قبل الحذف).
- الجمهور المستهدف: جمهور عالمي عبر الشبكات الاجتماعية.
- التأثير النفسي المتوقع: خلق انتشار واسع (ملايين المشاهدات)، التأثير على الرأي العام الدولي، وإيصال رسائل قصيرة عالية التأثير.
- Video Depicting Closure of Strait of Hormuz
- موضوع الفيلم: مشهد Lego يُظهر التوترات حول مضيق هرمز، مع تصوير الولايات المتحدة كمسبب للمشاكل وإيران كمهيأ للتصدي.
- المنصات المنشور عليها: إكس، حسابات تسنيم/نشرات إيرانية. (ملاحظة: تم تعديل كلمة “تاڤسمين” إلى “تسنيم” بافتراض أنها خطأ مطبعي لوكالة تسنيم).
- الجمهور المستهدف: المستخدمون العالميون المهتمون بالقضايا الجيوسياسية، خاصة في الشرق الأوسط.
- التأثير النفسي المتوقع: تعزيز فكرة أن إيران قوة تحكم الممرات الحيوية وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، وزرع ثقة في قدرات إيران الاستراتيجية.
- Narrative of Victory 2025
- موضوع الفيلم: فيديو ليجو احتفالي يدعي النصر على إسرائيل والولايات المتحدة، ويُظهر زعمًا بأن إيران “تسيطر على الأحداث”.
- المنصات المنشور عليها: التلفزيون الإيراني، منصات التواصل قبل تقييدها.
- الجمهور المستهدف: الجمهور المحلي الإيراني والمتابعون الإقليميون.
- التأثير النفسي المتوقع: تعزيز الروح الوطنية، خلق سردية نصر وتأثير معنوي على الداخل الإيراني.
استراتيجيات استخدام الليجو في الحرب النفسية
الإعلام الإيراني يستخدم أفلام الليجو بشكل مدروس وفق استراتيجيات محددة:
- استهداف الجمهور الرقمي المبكر:
- الشباب الذين يقضون ساعات طويلة على تيك توك وإنستجرام ويوتيوب هم الأكثر تأثيرًا.
- أفلام الليجو القصيرة مناسبة لهذه المنصات لأنها جذابة وسريعة المشاهدة.
- التأثير النفسي الرمزي:
- استخدام شخصيات صغيرة (ليجو) لمحاربة أعداء أكبر يرمز إلى “القدرة على مواجهة القوى العظمى”.
- الهدف: زرع شعور بالأمل والقوة لدى المؤيدين، والخوف والارتباك عند الخصوم.
- الانتشار عبر المنصات الرقمية:
- أفلام الليجو غالبًا قصيرة (30-90 ثانية)، قابلة للمشاركة بسهولة، ومرفقة برسائل نصية أو صوتية تعزز السردية.
- مثال: حملة على تيليجرام تضمنت فيديوهات ليجو تصور القوات البحرية الإيرانية وهي تتصدى لغواصات وسفن “أعداء افتراضيين”.
التفاعل والتأثير
- انتشار واسع: أفلام الليجو الإيرانية تحصل على آلاف المشاهدات في ساعات قليلة بسبب قابليتها للمشاركة.
- إعادة إنتاج الرسالة: الجمهور غالبًا يعيد نشر الفيديوهات مع تعليقات تعزز السردية الإيرانية.
- تشكيل الانطباعات: حتى لو لم يشاهد الفيديو كاملًا، الصور والرموز والرسائل المرفقة تنقل فكرة القوة والصمود.
التحديات والقيود
رغم فعالية هذه التقنية، تواجه أفلام الليجو الإيرانية عدة تحديات:
- استهداف نقدي: المتابعون الأكثر وعيًا يدركون الطابع الدعائي، ما قد يقلل مصداقية الرسالة.
- الرقابة الرقمية: المنصات الغربية قد تحظر أو تقلل انتشار المحتوى إذا تم رصده كدعاية سياسية.
- القيود الإنتاجية: مقارنة بالأفلام التقليدية، إنتاج أفلام ليجو عالية الجودة يحتاج وقتًا ومهارة فنية دقيقة لضمان التأثير المطلوب.
ملاحظات تحليلية
- نمط المحتوى وحمولته النفسية: مزيج بين الدعاية والسخرية الرمزية؛ الشخصيات البسيطة تمثل قوى عالمية معقدة، والرمزية تسهّل الاستيعاب النفسي خاصة لدى الشباب.
- استهداف منصات متعددة: إكس، إنستجرام، تيليجرام، ويوتيوب لتأمين أوسع انتشار، مع اختلاف المحتوى حسب جمهور كل منصة.
- التأثير النفسي المتوقع:
- المؤيدون الداخليون: تعزيز الهوية الوطنية، الشعور بالقوة والصمود، تغذية المشاعر المعنوية.
- الجمهور الدولي: قد تُحدث ازدواجية في الانطباع (سخرية – تهوين – نقد للغرب)، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل التصورات عن النزاع.
- أداة موازية للحرب المعلوماتية: الفيديوهات لا تنقل بالضرورة معلومات واقعية، بل تعيد سرد الأحداث من منظور معين باستخدام الرموز والخيال.
كيف تعمل هذه الأفلام من منظور نفسي وإعلامي؟
- الإيحاء الرمزي بدلًا من التغطية الواقعية: تصوير الحرب والهجمات ضمن شعارات بصرية مبسطة يمكّن من زرع مشاعر قوية بسرعة.
- إعادة إنتاج وتدوير سريع: الإنتاج في أقل من يوم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يجعلها أداة ديناميكية للتواصل الفوري مع تطورات الأحداث السياسية.
- استهداف الشرائح الشابة: محتوى قصير، جذاب بصريًا، وسهل المشاركة؛ يناسب جمهور الشباب الذي يُعد محور التعبير الرقمي، ويزيد التفاعل العاطفي والفهم السريع.
التحديات والمخاطر
- التضليل وخلط الواقع بالرمز: مشاهد تبدو واقعية لكنها تصميمات رمزية ضمن حملة دعائية، مما يربك قدرة الجمهور على التمييز.
- محنة منصات التواصل: كثير من هذه المحتويات أُزيلت من يوتيوب وإنستجرام، لكنها تنتشر على إكس وتيليجرام.
- اعتماد غير معلن: بعض الفيديوهات تصدر من مصادر غير معلنة رسميًا، ما يزيد صعوبة التحقق من الجهة المنتجة ونواياها.
من لعبة أطفال إلى أداة حرب معلوماتية
ما بدأ كمشهد غريب لإنتاج فيلم رسوم متحركة مستوحى من لعبة أطفال أصبح جزءًا حقيقيًا من الساحة الإعلامية للتحكم في السرديات الدولية. أفلام الليجو الإيرانية تقدم متعة بصرية وأداة استراتيجية في حرب المعلومات الرقمية، تستهدف عقل الجمهور وتعيد صياغة الإدراكات حول الصراع عبر الرموز والذكاء الاصطناعي وأسلوب سرد جذاب. هذه الأفلام تمثل نموذجًا حديثًا للحرب النفسية الرقمية، حيث تلعب الرموز، السخرية، والتصوير الرمزي دورًا مركزيًا في التأثير على وعي الجمهور وصنع الانطباعات الاستراتيجية على المستويين الداخلي والخارجي.


