إعداد
فريق عمل المركز
وحدة الدراسات القانونية
مقدمة
يُمثل هذا الكتاب الصادر عن المؤلف الدكتور محمد عزت سلام، المستشار القانوني بالجهاز المصرفي المصري والعميد السابق لكلية العلوم القانونية بالجامعة البريطانية، محاولة فقهية وعملية رائدة لسد الفجوة في المكتبة القانونية العربية فيما يخص الجرائم الاقتصادية المعاصرة. ينطلق المؤلف من حقيقة أن التطور المذهل في المعاملات المالية والتجارية على الصعيدين الدولي والتكنولوجي قد أفرز ما يُعرف بـ “القانون الجنائي للأعمال”، والذي يهدف إلى ضبط سلوك المؤسسات والأفراد حمايةً للثقة والاستقرار المالي.
وقد اتخذ الكتاب من دولتي مصر والإمارات نموذجاً للمقارنة والتحليل، مستعرضاً استراتيجية المكافحة عبر محورين: محور وقائي يعتمد على توقع المخاطر (الضبط الإداري)، ومحور علاجي ينهض لاكتشاف الجريمة وملاحقة مرتكبيها (الضبط القضائي). وينقسم الكتاب منهجياً إلى ثلاثة فصول رئيسية تتدرج من التأصيل المفاهيمي، إلى التطبيق العملي للجرائم، وصولاً إلى آليات الوقاية والمكافحة.
الفصل الأول: البناء المفاهيمي للسلوك الاحتيالي والنشاط المصرفي
أولاً: المفهوم اللغوي والتشريعي لجريمة الاحتيال
يُؤسس المؤلف في هذا المبحث للقاعدة المفاهيمية لجريمة الاحتيال من خلال تتبع جذورها اللغوية وتطورها في أروقة التشريع، موضحاً كيف حاولت القوانين اللحاق بتطور الأساليب الإجرامية. وقد حرص المشرع في كل من مصر والإمارات على وضع أطر قانونية دقيقة تحدد ماهية السلوك الاحتيالي الذي يقع تحت طائلة العقاب، مع إبراز أركان الجريمة الأساسية التي تُميزها عن مجرد الكذب العادي. وفيما يلي تفصيل الرؤية التشريعية لأركان هذه الجريمة في النموذجين المصري والإماراتي:
- في التشريع المصري: يتكون الركن المادي للاحتيال (وفق المادة 336 عقوبات) من ثلاثة عناصر: السلوك المادي (الاحتيال)، والنتيجة (الاستيلاء على الأموال)، ورابطة السببية. وقد حصر المشرع الطرق الاحتيالية في: الإيهام بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة، الإيهام بوجود سند دين غير صحيح، التصرف في مال ليس للجاني حق التصرف فيه، أو اتخاذ اسم أو صفة كاذبة.
- في التشريع الإماراتي: تناول المشرع الإماراتي هذه الجريمة في المادة 399 من قانون العقوبات، وتميز بأنه لم يشترط لدعم الكذب أعمالاً مادية خارجية في حالة “اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة”، بل اعتبر ذلك كافياً لقيام الجريمة متى كان من شأنه خداع المجني عليه.
- ظروف التشديد: يتفق التشريعان على تشديد العقوبة في حالة “العود”. وينفرد التشريع الإماراتي بتشديد العقوبة إذا كان محل الجريمة مالاً عاماً (مملوكاً للدولة)، أو إذا وقع الاحتيال استغلالاً لقصّر أو من في حكمهم ممن شملتهم الوصاية أو القوامة.
- القصد الجنائي: تتطلب الجريمة في كلا النظامين توافر القصد الجنائي العام (العلم والإرادة) والقصد الخاص المتمثل في نية تملك المال المسلوب وحرمان صاحبه منه.
ثانياً: التحليل السيكولوجي لمرتكبي الجرائم والضحايا
يُعد هذا المبحث إضافة نوعية للكتاب، حيث يتجاوز المؤلف التكييف القانوني الجاف ليغوص في الأعماق النفسية لأطراف الجريمة. فالاحتيال ليس مجرد جريمة مادية، بل هو تفاعل نفسي معقد يعتمد على استغلال المحتال لنقاط الضعف البشرية. وقد استعرض المؤلف السمات النفسية التي تدفع الجاني لارتكاب جريمته، وتلك التي تجعل المجني عليه فريسة سهلة، وهي كما يلي:
- الخصائص النفسية للمحتال: يتسم المحتال غالباً باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، وعدم الشعور بالذنب حيث يبرر جريمته دائماً بخطأ الآخرين أو سذاجتهم. كما يميل إلى الطموح المادي المتسرع، وإعلاء مبدأ اللذة وحب الظهور، فضلاً عن اعتماده المفرط على الكذب والمراوغة، وامتلاكه لسمات نرجسية وسادية تجعله يستمتع بخداع الآخرين والسيطرة عليهم.
- الخصائص النفسية للضحية (المجني عليه): تقع الضحية في فخ الاحتيال نتيجة خضوعها لمشاعر متعارضة كالعاطفة والرغبة في الثراء السريع (الطمع). كما يستغل المحتال ميل الضحية لتصديق السلطة (الخضوع للعمامة)، فيتخذ المحتال مظاهر الاحترام والثقة، ويفرض حالة من “الاستعجال” على الضحية لمنعها من التفكير النقدي العقلاني واتخاذ قرارات متسرعة.
- سُبل الوقاية النفسية: يوصي المؤلف الأفراد بعدم الثقة المفرطة، والتحلي بالهدوء وعدم الاستعجال عند اتخاذ القرارات المالية، وتجنب مشاركة البيانات الشخصية أو الخضوع لطلبات التحويل السريعة غير المبررة.
ثالثاً: البنيان المؤسسي للجهاز المصرفي وخصائصه
يتناول المؤلف في هذا الجزء الهيكل العظمي للنظام الاقتصادي، موضحاً أن الجهاز المصرفي لم يعد يقتصر على البنوك التقليدية فحسب، بل اتسع ليشمل كيانات متعددة تلعب أدواراً متكاملة في إدارة الأموال والمخاطر. كما يسلط الضوء على الخصائص القانونية الفريدة التي تميز العمل المصرفي عن غيره من الأعمال التجارية، والتي تم وضعها لضمان استقرار السوق المالية. ويمكن تلخيص مكونات هذا الجهاز وخصائصه في النقاط الآتية:
- مكونات الجهاز المصرفي: يتربع “البنك المركزي” على قمة الجهاز، يليه البنوك التجارية (التي تتلقى الودائع وتمنح القروض)، بنوك الاستثمار (المتخصصة في الأوراق المالية)، البنوك المتخصصة (الزراعية، الصناعية، العقارية)، البنوك الإسلامية، وشركات الصرافة.
- الكيانات المساندة والمستحدثة: يشمل النظام الحديث أيضاً شركات تحويل الأموال، وشركات الاستعلام والتصنيف الائتماني (التي تقيم مخاطر العملاء)، وشركات ضمان الائتمان، ومشغلي نظم الدفع الإلكتروني الذين يوفرون البنية التحتية التكنولوجية للمعاملات.
- إعلاء مبدأ سلطان الإرادة: يتسم العمل المصرفي بحرية البنوك في تحديد أسعار الفائدة والعمولات وفقاً لقوى السوق وإرادة المتعاقدين، استثناءً من القواعد المدنية العامة التي تضع حداً أقصى للفوائد، وذلك دعماً للمرونة الاقتصادية (مع خضوع ذلك لرقابة البنك المركزي).
- خصوصية قواعد الإثبات والقواعد الإجرائية: تتمتع الدفاتر المصرفية بحجية قوية في الإثبات، وتفرض التشريعات قيوداً إجرائية (مثل اشتراط إذن محافظ البنك المركزي) قبل تحريك الدعوى الجنائية ضد مسؤولي البنوك حمايةً لسمعة المؤسسات المالية.
رابعاً: التكييف القانوني لأموال وموظفي البنوك
يُفرد المؤلف مساحة هامة لمعالجة إشكالية التكييف القانوني لأموال البنوك وموظفيها، نظراً لما يترتب على ذلك من آثار بالغة في تحديد نوع الجريمة ومقدار العقوبة. وقد استقر الفقه والقضاء في مصر والإمارات على إسباغ حماية قانونية استثنائية على القطاع المصرفي، تتجاوز الحماية المقررة للأموال الخاصة العادية، وذلك لاعتبارات تتعلق بالأمن الاقتصادي القومي. وتتبدى هذه الرؤية التشريعية في المسائل التالية:
- أموال البنوك كأموال عامة: يعتبر المشرع المصري (المادة 119 عقوبات) والمشرع الإماراتي (المادة 7 عقوبات) أموال المؤسسات المصرفية في حكم “الأموال العامة”، مما يشدد العقوبات على الجرائم الواقعة عليها (كالاختلاس والاستيلاء).
- موظفو البنوك كعاملين بالدولة (حكماً): يُعد العاملون في القطاع المصرفي في حكم “الموظفين العموميين” في تطبيق أحكام الباب الخاص بجرائم المال العام، مما يجعلهم فاعلين أصليين في جرائم الاختلاس والإضرار العمدي، حتى وإن كانت طبيعة عملهم تخضع لقواعد القطاع الخاص.
- مستندات البنوك: تُعامل مستندات المؤسسات المصرفية معاملة الأوراق الرسمية في جرائم التزوير، نظراً للثقة المطلقة التي يوليها المجتمع لهذه الأوراق، مما يجعل تزويرها جناية مشددة وفقاً لأحكام محكمة النقض المصرية.
الفصل الثاني: جرائم الاحتيال المصرفي وصورها التطبيقية
أولاً: الاحتيال الوظيفي (الداخلي) واختلاس الأموال
يُسلط الكتاب الضوء في هذا القسم على “العدو الداخلي”، مبيناً أن التهديد لا يأتي دائماً من خارج أسوار البنك. فموظفو البنوك، بحكم صلاحياتهم واطلاعهم على الأنظمة والبيانات، يمتلكون القدرة على ارتكاب جرائم معقدة تستهدف أموال البنك أو ودائع العملاء. وقد صنف المشرع هذه السلوكيات تحت مظلة الجنايات الكبرى حماية للثقة المصرفية. وتتمثل أبرز صور هذا الاحتيال الداخلي في النقاط التالية:
- جريمة الاختلاس الاحتيالي: تقع عندما يستولي الموظف المصرفي على أموال أو أوراق وُجدت في حيازته “بسبب وظيفته”. وتتطلب الجريمة ركناً مفترضاً (صفة الموظف العام حكماً)، وركناً مادياً (نقل الحيازة بنية التملك)، وقصداً جنائياً.
- جريمة الاستيلاء وتسهيل الاستيلاء: تحدث عندما يستغل الموظف سلطاته للاستيلاء على مال عام ليس في حيازته المباشرة، أو يُسهل للغير (كالعملاء) الحصول على ائتمان أو قروض بناءً على مستندات مزورة أو ضمانات وهمية.
- جريمة الإضرار العمدي بالمال العام: تقع عندما يتعمد الموظف، عبر سلوك إيجابي أو سلبي (مثل التغاضي عن تسييل ضمانات متعثرة)، إلحاق ضرر جسيم بأموال البنك أو عملائه، حتى وإن لم يستفد مالياً بشكل مباشر.
ثالثاً: الاحتيال في الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان
تُعد الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان عصب التجارة الدولية والمقاولات الكبرى، إلا أن هذه الأدوات تعتمد بشكل أساسي على “مبدأ الاستقلال” و”التعامل بالمستندات لا بالبضائع”، وهو ما يفتح باباً واسعاً للاحتيال. يستعرض المؤلف كيف يستغل المحتالون هذه الآليات للحصول على أموال طائلة أو لتغطية عمليات غير مشروعة، وتبرز أهم هذه الصور فيما يلي:
- تزوير المستندات التجارية: حيث يقوم المُصدّر (المستفيد) بتقديم مستندات شحن مزورة، أو فواتير وهمية، أو شهادات فحص كاذبة للبنك ليتمكن من صرف قيمة الاعتماد المستندي دون إرسال بضائع حقيقية، أو بإرسال بضائع تالفة.
- الاحتيال لسحب الغطاء النقدي: يتواطأ العميل (الآمر) مع موظف البنك لسحب التغطية النقدية المودعة كضمان للاعتماد المستندي أو خطاب الضمان، مما يترك البنك مكشوفاً أمام المستفيدين ويُحمله الخسارة كاملة.
- استغلال الاعتمادات في غسل الأموال وتمويل الإرهاب: حيث تُنشأ شركات واجهة وتُفتح اعتمادات مستندية دولية بأسماء أطراف وهمية بغرض إضفاء الشرعية على أموال قذرة ونقلها عبر الحدود تحت غطاء التجارة الدولية (Trade-Based Money Laundering).
رابعاً: الاحتيال عبر الأوراق التجارية (الشيكات)
رغم التطور الرقمي، يظل الشيك أداة وفاء ائتمانية رئيسية في الأوساط التجارية. وقد أوضح المؤلف أن الشيك يحظى بحماية جنائية استثنائية للحفاظ على الثقة فيه كبديل للنقود. تتنوع الجرائم المرتبطة بالشيك لتشمل كافة أطرافه (الساحب، المستفيد، والبنك)، وتتخذ صوراً إجرامية متعددة يسردها المؤلف كالتالي:
- جرائم الساحب: تشمل إصدار شيك بدون رصيد قائم وقابل للسحب، أو استرداد الرصيد بعد إصدار الشيك، أو تعمد تحرير الشيك بطريقة تمنع صرفه (كتعمد تغيير التوقيع المعتمد لرفض البنك صرفه).
- جرائم المستفيد (الحامل): تتمثل في تظهير شيك للغير وهو يعلم أنه ليس له مقابل وفاء، أو استغلال الشيك كأداة ائتمان (شيك ضمان) والمطالبة بقيمته رغم انتفاء الغرض الذي حُرر من أجله، وهو ما يُعد خيانة أمانة.
- جرائم التزوير والاصطناع: تشمل اصطناع ورقة الشيك بالكامل (وهي جناية)، أو تزوير بياناته كتغيير المبلغ أو التلاعب في التوقيعات والأختام (وهي جنحة أو جناية بحسب طبيعة التزوير وقصد الاستعمال).
- عقوبات تكميلية رادعة: لمكافحة هذه الجرائم، أقر المشرع (خاصة في الإمارات) عقوبات تكميلية تشمل نشر الحكم القضائي، سحب دفتر الشيكات، مصادرة الأجهزة المستخدمة في التزوير، وحظر ممارسة الأنشطة التجارية.
خامساً: جرائم الاحتيال المصرفي الإلكتروني والسيبراني
يُفرد الكتاب مساحة واسعة لأحدث صور الإجرام המصرفي، مؤكداً أن التكنولوجيا المالية (FinTech)، بقدر ما وفرت من رفاهية، قد فتحت أبواباً غير مسبوقة لقراصنة الإنترنت. تتنوع هذه الهجمات السيبرانية بين الاختراق التقني البحت وبين التلاعب بعقول المستخدمين، وتأتي في مقدمتها الآليات الإجرامية التالية:
- الهندسة الاجتماعية والتصيد (Phishing): تعتمد على خداع العملاء لإفشاء بياناتهم السرية عبر إرسال رسائل بريد إلكتروني (Phishing) أو رسائل نصية قصيرة (Smishing) أو مكالمات هاتفية (Vishing) تنتحل صفة البنك لإيهام العميل بوجود مشكلة تتطلب تحديث بياناته فوراً.
- اختراق البريد الإلكتروني للشركات (BEC): يستهدف المحتالون حسابات البريد لمديري الشركات، ومن ثم يرسلون تعليمات وهمية للموظفين الماليين بالشركة لتحويل أموال إلى حسابات تابعة للقراصنة، وغالباً ما تكون حسابات دولية يصعب تتبعها.
- الاحتيال بتكنولوجيا التزييف العميق (Deepfake): أحدث طرق الاحتيال حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء مقاطع صوتية أو مرئية مطابقة تماماً لمسؤولي الشركات أو أقارب الضحية، لطلب تحويلات مالية عاجلة.
- الاحتيال في تكنولوجيا البطاقات وأجهزة (ATM): يتم عبر أجهزة النسخ (Skimming) الملحقة بماكينات الصراف الآلي لسرقة بيانات البطاقات، أو عبر الاستيلاء على أموال البطاقات المسبقة الدفع عن طريق الشراء الوهمي عبر الإنترنت.
الفصل الثالث: استراتيجيات الوقاية والمكافحة للاحتيال المصرفي
أولاً: التدابير التأمينية والرقابية الوقائية
يُشدد المؤلف على أن درهم وقاية في العمل المصرفي خير من قنطار علاج، ولذلك ألزمت التشريعات والتعليمات الرقابية المؤسسات المالية بتبني خطوط دفاع تقنية وإدارية صارمة لمنع وقوع الجريمة في مهدها. تتنوع هذه الخطوط لتشمل تأمين المستندات الورقية، وبناء هياكل إدارية داخلية تضمن الشفافية والامتثال. وتتجلى هذه التدابير في المحاور الآتية:
- المعايير التأمينية للشيكات: لتجنب التزوير الكيميائي والضوئي، تُلزم البنوك بطباعة الشيكات بمواصفات أمنية صارمة مثل: الطباعة بالحبر السري المتأثر بالأشعة فوق البنفسجية، استخدام البانتو جراف (لمنع النسخ الضوئي)، الطباعة الدقيقة (Microprinting)، وإضافة الشريط التحذيري والرموز المشفرة (QR Code & MICR).
- إدارات الامتثال والمخاطر الداخلية: يُلزم البنك المركزي كافة البنوك بتأسيس إدارات مستقلة لـ “الامتثال الرقابي” (Compliance) للتأكد من تطبيق قوانين مكافحة غسل الأموال، وإدارات لـ “المخاطر” لتقييم أي خلل ائتماني أو تشغيلي.
- التفتيش الميداني والرقابة المكتبية: يقوم البنك المركزي بصفته الرقيب الأعلى بزيارات تفتيشية مفاجئة وشاملة (رقابة ميدانية)، بالإضافة إلى تحليل التقارير المالية الدورية (رقابة مكتبية) للتأكد من سلامة المراكز المالية للبنوك ومنع أي تجاوزات أو احتيال مؤسسي.
- شركات الاستعلام والتصنيف الائتماني: تلعب دوراً وقائياً حاسماً من خلال توفير قواعد بيانات دقيقة عن تاريخ العملاء الائتماني (القوائم السلبية)، مما يمنع المحتالين والمتعثرين من استغلال البنوك للحصول على تمويلات جديدة.
ثالثاً: آليات الضبط القضائي والمكافحة الأمنية
عندما تنهار الخطوط الوقائية وتقع جريمة الاحتيال، تتدخل أجهزة إنفاذ القانون بأدواتها الملاحقية لجمع الأدلة وضبط الجناة. ونظراً للطبيعة الفنية المعقدة للجرائم المصرفية، حرص المشرع على منح صفات استثنائية لبعض الجهات، وتأسيس إدارات شرطية متخصصة. يوضح المؤلف هذه الآليات الحيوية من خلال النقاط التالية:
- الضبط القضائي لموظفي البنك المركزي: منح المشرع لبعض كبار موظفي البنوك المركزية صفة “مأموري الضبط القضائي” لتمكينهم من رصد الجرائم المصرفية والتحفظ على الأدلة داخل المؤسسات المالية دون انتظار إذن النيابة العامة في حالات التلبس.
- وحدات التحريات المالية ومكافحة غسل الأموال: وهي وحدات مستقلة (تُلحق بالبنوك المركزية) تتلقى إخطارات المعاملات المشبوهة، وتحللها فنياً، وتنسق مع الجهات القضائية والدولية لتجميد الأموال وتتبع مساراتها الإجرامية.
- أجهزة الشرطة المتخصصة (مباحث الأموال العامة): تتولى ملاحقة جرائم الاختلاس، الاستيلاء، توظيف الأموال الوهمي، وتزوير بطاقات الدفع الإلكتروني، وذلك من خلال ضباط مدربين على فهم التقنيات المصرفية الحديثة.
- الأدلة الجنائية الرقمية: أعطت التشريعات الحديثة (كقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات المصري والإماراتي) حجية كاملة للأدلة الرقمية (سجلات الخوادم، بصمات التشفير Hash، ومقاطع الفيديو)، شريطة استخراجها وتحريزها فنياً بواسطة خبراء معتمدين لضمان عدم التلاعب بها.
رابعاً: التعاون الدولي لملاحقة الجرائم العابرة للحدود
لا تعترف جرائم الاحتيال المصرفي الحديثة بالحدود الجغرافية؛ فبضغطة زر تُنقل ملايين الدولارات بين قارات العالم. وأمام هذا التحدي، بات التعاون الدولي ضرورة حتمية وليس رفاهية قانونية. يناقش الكتاب أبرز قنوات هذا التعاون التي تعتمد عليها الدول لاسترداد أموالها وتسلم المجرمين، وهي:
- التعاون القضائي الدولي: يتمثل في الإنابات القضائية حيث تطلب النيابة العامة في دولة ما من نظيرتها في دولة أخرى اتخاذ إجراءات تحقيق معينة (كتجميد الحسابات أو الاستماع لشهود) وفقاً للاتفاقيات الثنائية والدولية ومبدأ المعاملة بالمثل.
- منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول): تلعب دوراً محورياً في تتبع المحتالين الفارين عبر “النشرات الحمراء” للقبض عليهم وتسليمهم. وقد أسس الإنتربول مركزاً متخصصاً لمكافحة الجرائم المالية والفساد (FinCAF) لتنسيق التحقيقات الدولية وتحليل بيانات غسل الأموال.
خامساً: السياسة الجنائية التصالحية والوسائل البديلة لفض المنازعات
يختتم المؤلف كتابه بتحليل توجه تشريعي معاصر وعميق، يتمثل في تبني “السياسة التصالحية” كبديل أو مكمل للسياسة العقابية الصارمة. ففي عالم المال والأعمال، يعتبر استرداد الأموال المنهوبة أولوية قصوى تتفوق أحياناً على سجن الجاني، كما أن سرعة الفصل في المنازعات المصرفية تُعزز مناخ الاستثمار. تتجلى هذه السياسة في الآليات الآتية:
- نظام التصالح في القانون المصري: أجاز المشرع المصري التصالح في جرائم المال العام (بما فيها جرائم اختلاس أموال البنوك) في أي مرحلة من مراحل الدعوى الجنائية، بل وحتى بعد صيرورة الحكم باتاً، شريطة سداد الأموال المختلسة بالإضافة إلى غرامات تعادلها، مما يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجنائية أو وقف تنفيذ العقوبة.
- نظام التسوية الجزائية في التشريع الإماراتي: أقر المشرع الإماراتي آليات متطورة لـ “التسوية الجزائية” في الجنح وبعض الجنايات المالية، تتيح للنيابة العامة أو المحكمة إنهاء الدعوى مقابل سداد المبالغ المطلوبة وتقديم تدابير الخدمة المجتمعية، بهدف استعادة الأموال والحفاظ على مسيرة الاقتصاد.
- وحدة “سندك” لحماية حقوق العملاء بالإمارات: كنموذج فريد للوسائل البديلة لفض المنازعات، استعرض الكتاب دور وحدة “سندك” كأول هيئة مستقلة من نوعها لتسوية المنازعات المصرفية والتأمينية بشكل عادل وسريع ومجاني للعملاء، بقرارات ملزمة للبنك قابلة للطعن أمام لجان متخصصة، مما يوفر بيئة استهلاكية آمنة تقلل من اللجوء للمحاكم التقليدية.
الخاتمة
يقدم كتاب “جرائم الاحتيال المصرفي” للدكتور محمد عزت سلام دراسة أكاديمية وعملية موسوعية تُمثل دليلاً إرشادياً ثميناً للقضاة، المحققين، موظفي البنوك، والعملاء على حد سواء. وقد خلص المؤلف من هذا البحث الشامل إلى أن الوعي التقني والقانوني هو خط الدفاع الأول المنيع ضد الاحتيال.
ومن أبرز التوصيات التي يضعها الكتاب بين يدي المجتمع والجهات المعنية:
- نشر الثقافة المصرفية والسيبرانية: يجب على البنوك تكثيف حملات التوعية لعملائها بمخاطر “الهندسة الاجتماعية”، وتحذيرهم من مشاركة أرقامهم السرية أو الاستجابة لرسائل التصيد.
- الاستثمار في الأنظمة الذكية: حث المؤسسات المصرفية على تحديث أنظمتها التكنولوجية باستمرار، واستخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأنماط غير العادية في المعاملات المالية بشكل استباقي.
- تشديد العناية الواجبة (KYC): ضرورة تحديث بيانات العملاء باستمرار، خاصة في العمليات المعقدة كالاعتمادات المستندية وخطابات الضمان، للوقاية من جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
- تطوير منظومة العدالة الجنائية الرقمية: تأهيل الكوادر القضائية والشرطية لفهم التقنيات المالية الحديثة (FinTech)، وتسهيل إجراءات الإنابة القضائية الدولية لضمان عدم إفلات الجناة العابرين للحدود من العقاب.
إن التوازن الذي يدعو إليه المؤلف بين حماية أمن المؤسسات المصرفية من جهة، ورعاية حقوق العملاء من جهة أخرى، هو الأساس المتين لخلق بيئة اقتصادية مستدامة ومزدهرة.


