On Research

وحدة دراسات السياسات العامة التنموية

المنظومة الذكية للسياسات العامة التنموية

Email :149

إعداد

د. سيف ضياء دعير 

عضو هيئة إدارية للجمعية العراقية للعلوم السياسية

رئيس وحدة دراسات السياسات العامة التنموية بالمركز

العراق

 

تعد السياسات العامة نمطاً حديثاً في مجال الحوكمة المستجيبة للتحديات الراهنة، تختص بالتدابير والإجراءات التي تتخذها الحكومات أو من في مقامها (المؤسسات العامة)، لحل المشكلات الاجتماعية، أي بالمعنى العام العلاقة بين الوحدة الحكومية وبيئتها، إذ تعمل على تطوير حلول مبتكرة خصيصاً لقضايا ومشكلات محددة عبر تنفيذ خطة شاملة ذات بعد زمني ومالي، أي أنها فعلاً مقصوداً من الحكومة، يمكن أن يجسد في شكل قانوني أو سياسي، وهذا ما يميزها عن السياسة العامة الشاملة التي تعكس أهداف الدولة في مجالات متعددة كـ (التعليم، الصحة، والبيئة)، كما وتهدف إلى توجيه ومراقبة تنمية الأفراد والمجتمعات، مع توفير الأطر القانونية والتنظيمية الضرورية لذلك؛ تصنف السياسات العامة إلى فئات متعددة بناءً على الأفعال الحكومية وتأثيرها على الحياة (الاجتماعية، السياسية، والاقتصادية)، إذ تُعدّ مدخلاً أساسياً لفهم المخرجات العامة للسياسات المتبعة، هذا التصنيف يعيننا في تقييم النتائج والأثر الفعلي لهذه السياسات، حيث تتجسد العلاقة الديناميكية بين صانعي السياسات والمستفيدين منها عبر خمسة أنواع أساسية وكما موضح بالجدول رقم (1) أدناه:

  • أنواع السياسات العامة:

 

 

يسهم التصنيف أعلاه في إبراز البنية التحتية للعمل الحكومي وتفاعلاته مع الأفراد والمجتمع، مما يسهل فهم تعقيدات السياسات العامة وتأثيراتها عبر الأبعاد المرتبطة بالقرارات السياسية وشموليتها، وعليه تعزيز القدرة على تقييم فعاليتها في تلبية احتياجات المجتمع وتوجيه سلوكاته نحو تحقيق التنمية والتقدم.

2 – دورة صنع السياسات العامة

تعد السياسات العامة إطاراً يجمع مجموعة من الإجراءات والقرارات الحكومية بدءًا من التنظيم وتوزيع الاعتمادات المالية وصولاً إلى المبادئ التوجيهية لتحقيق الأهداف المنشودة للمجتمع، إذ إن دورة السياسات العامة عملية مركبة ومعقدة يساهم في صياغتها وتشريعها وتطبيقها فئات متعددة من أصحاب المصالح، الذين يحملون قيماً ومصالح قد لا تتوافق بالكامل مع الأطراف الأخرى أي أنها تشبه الصندوق المحكم، مما يعكس الطبيعة الغامضة لعمليات معالجة السياسات على الرغم من تعقيدات هذه العملية، هناك معايير واضحة تسمح بتقييم نجاحها أو فشلها، وهو ما يتجلى في مراحل دورتها التي تقدم إطاراً لتحديد فاعليتها وكما موضح بمراحل دورة السياسات العامة أدناه:

أ – تحديد المشكلات ووضع جدول الأعمال: تُعدّ عملية بناء السياسات عملية ديناميكية ومعقدة، تبدأ بتحديد مشكلة عامة بدقة، وهي الخطوة الأساسية وجوهر صنع السياسات، في هذا السياق قدم (جون دبليو كينجدون) أنموذجاً يعرف بـ(صندوق المهملات للاختيار التنظيمي)، إذ تصور المنظمة ككيان يسعى للعثور على خيارات تتناسب مع المشكلات والقضايا المطروحة كما ويستند نموذج الحل فيها على ما يعرف بـنهج التدفقات المتعددة / Multiple Streams Framework  MSF، والذي يتناول ثلاثة عناصر رئيسة: (المشكلات، السياسات، والإرادة السياسية)، إذ تشكل هذه العناصر جوهر القرار الحكومي خلال دورة السياسات، مما يسهم في إنشاء جداول الأعمال الحكومية استناداً إلى تحديد المشكلات القابلة للحل، وعندما تتوافر هذه العناصر، تفتح “نافذة السياسة”، مما يتيح فرصاً أكبر لصنع السياسات بشكل فعال؛ كما ويتطلب إدراج القضايا في جدول أعمال الحكومة تضافر جهود متعددة، إذ وسع الخطاب الحديث هذه الفكرة لتشمل دور: (وسائل الإعلام، الرأي العام، المجتمع المدني والإدارة السياسية)، للتعبير عنها والعمل وفقاً لـ(إطار التدفقات المتعددة)، الذي يستند إلى فكرة مفادها أن عملية صنع السياسات هي تفاعل بين تيارات (اجتماعية، سياسية، اقتصادية، وثقافية) متنافسة، مما يستدعي إدراكاً شاملاً لطبيعة المشكلات والتحديات والسياسات الممكنة لجذب الحلول المطروحة.

ب – الاستقصاء العلمي للمشكلة: لفهم لب المسألة جوهر المشكلة العامة، وتحقيق الإلمام بها، يتطلب جهوداً وإجراءات دقيقة لجمع البيانات وتقصيها بعناية فائقة وبطرق منهجية منظمة ومدروسة، إذ إنَّ الأبحاث والدراسات الحديثة في مجال صنع السياسات وتطوير الإستراتيجيات لتقديم المقترحات ومعالجة المشكلات، تؤكد على الأهمية البالغة للأساليب المعتمدة على التحليلات البيانية والرقمية المتطورة والمرتكزة على الأدلة الواضحة والدقيقة، لفهم تفاصيل القضية المطروحة، ولتحقيق هذا الهدف، تم تطوير منهجيات علمية وعملية، تتضمن ما يأتي:

    • الأسلوب الإحصائي: يعتمد على جمع البيانات من مصادر موثوقة، كـ(الإحصاءات الوطنية، والتقارير السابقة)، مما يسهم في بناء قاعدة بيانات قوية تسهل استقراء الحلول وتقييم فعاليتها في مواجهة التحديات الراهنة.
    • الأسلوب الميداني: يسعى إلى إشراك المعنيين مباشرة عبر وسائل كـ(الملاحظة، اللقاءات الشخصية، وتوزيع الاستبيانات)، إذ يساهم في جمع معلومات متنوعة تعزز فهم المشكلات المطروحة.
    • الأسلوب الرقمي: يعتمد على النماذج الرياضية والإحصائية لدراسة تفاصيل الموضوع وتصور القرارات المثلى الممكن اتخاذها.

تشكل هذه الأساليب أساساً قوياً لتحديد منعكساتها على المجتمع، التي تشمل:

    • منعكسات اجتماعية: زيادة الجريمة، انتشار الأمراض، تدهور الصحة العقلية.
    • منعكسات اقتصادية: البطالة، انخفاض الدخل.
    • منعكسات بيئية: التلوث البيئي، تدمير الموارد الطبيعية.

مما يمكن صانعي السياسات بلورة حلول فعالة تستند إلى الحقائق والأدلة، إذ أنَّ الالتزام بأساليب علمية دقيقة خلال مراحل الاستقصاء يسهم في تحقيق نتائج موضوعية تدعم اتخاذ قرارات فعالة في مجال السياسات العامة التنموية.

ج – التقييم السابق: يعرف بالقبلي أو الابتدائي، وهو أداة علمية حيوية في صنع القرار خلال دورة السياسات العامة، إذ يتم خلاله قياس الأثر القبلي وتقييم الآثار المحتملة للسياسات قبل تنفيذها، وذلك لتزويد صانعي القرار بمعلومات دقيقة وموضوعية، كما ويركز على تحديد مجموعة من العوامل الأساسية، إذ يمكن تصويرها في شكل تسلسل هرمي، يعتمد كل مستوى على الذي يسبقه، وفي قاع هذا التسلسل، يظهر الارتباط بين الحاجة إلى السياسات ومعرفة طبيعة المشكلة الاجتماعية، التي تعد مفتاحاً لفهم الحاجة إلى التدخل، وكما موضح في الشكل رقم (1) أدناه:

تكمن أهمية مرحلة التقييم السابق في أنها تعزز الفهم الشامل للسياسات، إذ لا يقتصر التركيز على مرحلة التنفيذ أو النتائج فقط، بل يستند إلى تحليل الاحتياجات الحقيقية القائمة، يتيح ذلك لصناع القرار تحديد السياسات الأكثر فعالية لتحقيق الأهداف المرجوة، وتجنب الأخطاء والمخاطر المحتملة أثناء التنفيذ.

د – بلورة البدائل في السياسات العامة: تعد عملية منهجية تهدف لاختيار الحل الأمثل للمشكلات العامة، بدءًا من تحديد أهداف السياسات العامة، ثم إجراء تحليل شامل للمشكلة، وتطوير مجموعة متنوعة من البدائل القابلة للتطبيق، وصولاً إلى تقييم هذه البدائل من حيث فعاليتها وإمكانية تنفيذها، إذ يتم اختيار البديل الأفضل بناءً على نتائج التقييم، وعند بلورة البدائل، يجب مراعاة معايير عدة تشمل الجدوى الاقتصادية، التأثير الاجتماعي، ومدى استدامة الحلول المقترحة، مما يضمن اتخاذ قرارات مستنيرة وفعالة في مجال السياسات العامة، وكما موضح في الشكل رقم (2) أدناه:

هـ – إقرار البديل الأمثل: تُعدّ هذه المرحلة عملية تفاعلية أساسية تشمل جميع الأطراف المعنية، إذ تتطلب تواصلاً مستمراً، نظراً لأن البديل الأمثل قد لا يلبي احتياجات الأطراف كافة، مما يستدعي مفاوضات مستمرة لتعديله، كما يستلزم لهذا الغرض جمع معلومات دقيقة ومحدثة تسهم في إقناع الأطراف كافة بجدارة المقترح، مع أهمية ضمان سلامة البيانات واستنادها إلى مصادر موثوقة، يمكن تقسيم تلك العملية إلى ثلاث مراحل (التقييم، التفاوض، والموافقة)، هذه العملية ضرورية في صنع السياسات العامة، إذ تسهم في تحقيق رضا جميع الأطراف ودعم تنفيذ السياسات بشكل فعال.

و – صياغة السياسات: تهدف إلى إرساء الأسس للقرارات ذات الطابع السياسي، إذ تنطوي هذه العملية على توثيق وإبرام السياسات بشكل نهائي من قبل الهيئات المفوضة، ويتطلب الأمر التصديق على القرارات من جهات مؤهلة لمراجعتها وتصويبها، مما يضمن أن تكون الصيغة النهائية للقرار منجزاً على شكل تشريع رسمي أو مرسوم أو قرار إداري، وفقاً لأهمية السياسة المعنية، تتضمن السياسات العامة عادة خطة إستراتيجية أو مجموعة من الخطط الفرعية، كل منها يحتوي على برامج محددة، على سبيل المثال، يمكن أن تسعى سياسة الإصلاح الزراعي إلى تحقيق أهداف عدة، منها: (زيادة الإنتاج الزراعي، تحسين مستوى معيشة الفلاحين، تحقيق الأمن الغذائي)، ولتنفيذ هذه السياسة، يمكن أن تتضمن خطتها برامج مثل: (ضم الملكية الزراعية، توزيع الأراضي، توسيع رقعة الأراضي الزراعية، والارتقاء بمستوى التقنيات الزراعية)، بهذه الطريقة، تسهم صياغة السياسات في تحقيق أهداف إستراتيجية واضحة، مما يعزز من فعالية القرار السياسي في مجال التنمية الزراعية.

ز – تنفيذ السياسات العمومية في الحقبة الحديثة: تُعد مرحلة جوهرية في دورة السياسات العامة، إذ تحول الأفكار السياسية فيها إلى برامج عمل فعلية تتماشى مع التشريعات المعتمدة من الهيئات التنظيمية، ومع التعقيدات المتزايدة في العصر الراهن، تبرز الحاجة الملحة لإعادة تقييم الأساليب التقليدية للتنفيذ، وتشير الأدلة إلى أن العديد من العوامل تسهم في هذا الاتجاه، مما يستدعي تطوير إستراتيجيات جديدة تتماشى مع التحديات الحالية وكما موضح بالجدول رقم (2) أدناه:

وبهذا يتم تمكين الحكومات من تحقيق نتائج فعالة وملموسة تلبي تطلعات المجتمع.

ح – التقييم وتقويم السياسات المستدامة: تُعدّ عملية تقييم السياسات جزءاً أساسياً ومستمراً من دورة السياسات العامة، تتجاوز كونها خطوة تتقن في نهاية الدورة، لذا، فإنَّ من الضروري تصميم آليات مراجعة فعالة ومستدامة للمراحل السابقة كافة، وكما موضح في الشكل المرفق رقم (3)، مما يتيح فتح باب النقاش العام حول السياسات وتلقي الآراء والملاحظات بشأنها، إذ يسهم ذلك في تسهيل إجراء التعديلات اللازمة في الوقت المناسب، وعليه يعزز القدرة على تحقيق الأهداف المرسومة.

ط – المصادقة على السياسات: تُعدّ المرحلة النهائية في دورة السياسات العامة، إذ يتم اعتماد السياسة المنفذة سابقاً، أو تُجرى التعديلات الضرورية عليها، مع إمكانية إدخال برامج جديدة تلبي احتياجات فئات أوسع من المجتمع، في هذه المرحلة الحاسمة، تركز المؤسسات المعنية على تقييم فعالية السياسات الحالية، محددة نقاط القوة والضعف، بهدف تعزيز النتائج الإيجابية وضمان الاستجابة الفاعلة لمتطلبات الجمهور.

الخلاصة:

تأسيساً على ما تقدم نخلص إلى أنه تكتسب شرعية دورة السياسات العامة قوتها من كونها عملية منهجية مرنة وقابلة للتكيف، تهدف إلى إحداث تغييرات كمية ونوعية تعزز الأوضاع القائمة وتنعكس إيجاباً على الأفراد في المجتمع، ولا يمكن تصور هذه الشرعية بمعزل عن الشراكة الحقيقية مع المجتمع، كونه عنصراً أساسياً في تحديد المشكلات والاحتياجات واستكشاف الفرص المتاحة، تستند إلى تقديم الأدلة والبيانات اللازمة، وتعزيز تنفيذ السياسات بفعالية، مع توفير الموارد الضرورية لرسمها وتطبيقها وتقييمها، تظل الشرعية مرتبطة بتكامل سلاسل السياسات، إذ تتجدد الدورات متكاملة مع سابقتها في إطار من الانفتاح الذي يعزز فرص النجاح، مما يسهم في تحقيق الأهداف التنموية المستدامة، التي ستكون محور حديثنا في المطلب القادم، لما لها من أهمية كبرى في توجيه الجهود نحو التنمية الشاملة والمستدامة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts