On Research

مقالات تحليلية

باندماج منطقة شرق الفرات كأهم حدث تاريخي منذ 15 عاماً: معادلات جيو-اقتصادية جديدة في سورية والإقليم

Email :1189

إعداد

د. زياد أيوب عربش

مستشار في شؤون الاقتصاد والطاقة

سوريا

 

بالتأكيد، من المبكر الحديث عن كل انعكاسات هذا الاندماج، بعد اتفاق الحكومة السورية مع “قسد”، طالما المجريات لم تأخذ بعد منحاها النهائي ولكون هناك مفاعيل عديدة ستظهر لاحقاً. مع ذلك، فإن حدث استعادة الحكومة لأهم مصادر تكوين الناتج المحلي الموجودة في المنطقة الشرقية وبنياتها التحتية، كسلة الغذاء وعلى رأسها القمح، والقطن، والمياه، وحقول البترول (النفط والغاز)، يشكل نقطة تحول استراتيجية في الديناميكيات الاقتصادية في سورية وفي الإقليم ككل.

فهذا الاندماج، الذي نأمل أن يكون حامياً لكل السوريين وبأطيافهم، كمنحى الفكر الموحد للأيوبي، والنهج الوطني للعظمة وهنانو (وليس كحرق مراحل)، يعد محطة مفصلية في مسار سورية الحديث، من استشهاد الرئيس الحريري (2005) وتعاظم تضحيات كل الشعب السوري (2011-2024)، وسقوط النظام، إلى رفع العقوبات عن سورية مؤخراً، حيث يفتح آفاقاً واسعة لاستغلال خزان الموارد في الشمال الشرقي لسورية، ولخروج الاقتصاد السوري من مآزق عديدة، وأهمية المعابر في توسيع العلاقات الثنائية وتعزيز الشبكات التجارية المترابطة في الداخل، مع توسيع رقع نمو اقتصاد دول الجوار (تركيا والعراق والأردن ولبنان) واقتصاد المنطقة ككل، وسط تحولات جيوسياسية سريعة.

فيما يلي ملخصٌ لتقريرنا المفصل (عربي-انكليزي)، كإطارٍ وتحليلٍ جيواقتصادي شاملاً، يغطي المفاهيم الأساسية: إمكانيات الموارد ومآلات الاقتصاد السوري، محاور توسع التجارة البينية السورية ومتعددة الأطراف، وخطط الاندماج المستدام، مستنداً إلى بيانات حديثة حتى كانون الثاني/يناير 2026.

1- المفهوم الجيو اقتصادي ونظرية “السباغيتي”

ينطبق أكثر ما ينطبق اليوم مفهوم الجيو اقتصادي (Geoeconomics) على حالة اندماج مناطق واسعة في شمال شرق سورية مع بقية المناطق، بتكامل اندماج الاستراتيجيات الاقتصادية مع العوامل الجغرافية لتحقيق المصالح الوطنية عبر التجارة، وتعظيم الاستفادة من استغلال الموارد، وسلاسل الإمداد والتوريد، والذي يُعرّف كـ”استخدام القدرات الاقتصادية لتحقيق أهداف جيوسياسية”. ففي سياق استعادة سورية لأهم “سلة” الغذاء والنفط والغاز وبنيتها التحتية شرق الفرات (مثل حقول العمر والطبقة)، ستعود هذه المنطقة كخزانٍ أساسي لتكوين الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، حيث كانت قبل الحرب تساهم بنسبة 70% في تكوين الناتج (حوالي 2.8-3 مليار دولار سنوياً من النفط وحده، ناهيك عن السلع الاستراتيجية الأخرى كالقمح والقطن والمياه)، وبالتالي، نحن أمام فرصة تاريخية كجغرافيا اقتصادية ضمن ديناميكيات ما بعد النزاع والحرب وبعد عقود من الفشل التنموي (وعشرات الخطط قبل الحرب لتنمية هذه المنطقة دون استهداف أية نتيجة إيجابية)، إذا أحسنا استغلالها بفكر اندماجي وكتنمية محلية، يحصل جميع السوريين وكمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات (الولوج إلى الثروة وإعادة توزيع نتاجها وبعدالة اقتصادية شاملة ومستدامة).

بالتوازي، يشمل مفهوم “السباغيتي” (Spaghetti Bowl) التشابكات الاقتصادية المتنامية الناتجة عن التجارة المتداخلة في المنطقة المعنية، والتي تخلق شبكات تعزز التبادل البيني الجغرافي بفضل القرب الجغرافي. فالحدود المشتركة تقلل تكاليف النقل بنسبة 20-30% مقارنة بالطرق البحرية، كما في نموذج في سورية، يعني ذلك ربط حقول الجزيرة بأسواق العراق جنوباً، وتركيا شمالاً، مما يولد تدفقات تجارية قد تصل في غضون أشهر إلى 5 مليار دولار سنوياً عبر معابر مشتركة، مع مؤشرات مثل ارتفاع الصادرات السورية بنسبة 25-30% بعد إعادة فتح المعابر بين المنطقة الشرقية وباقي الأراضي السورية، والمعابر مع دول الجوار. هذا القرب يعزز مفهومنا لـ “اقتصاديات المكان” (Economies of Place)، حيث تتحول الجغرافيا إلى ميزة تنافسية، كما حدث في تجربة الاتحاد الأوروبي مع شبكات السباغيتي التي رفعت التجارة الداخلية بنسبة 30%.

2- المنطقة الشرقية: خزان الموارد والبترول وملزمين بالعيش المشترك

تشمل منطقة شرق الفرات (الجزيرة) 25% من مساحة سورية، لكنها تحتضن 88% من احتياطيات النفط وبإنتاج 92% من مجمل الخام المنتج، و30% من الغاز، و60% من القمح (4 ملايين طن سنوياً)، و64% من المياه عبر نهر الفرات، مما يجعلها تساهم في 30% من الإنتاج الزراعي الوطني وخاصة بوفرة محصول القطن.

ودون المبالغة، كونه من الباكر جداً الحديث عن تحقيق إنتاج جوهري وسريع لكل الموارد بما فيها النفطية سريع قبل عدة أسابيع، فإن هذه الاستعادة تطوي خمسة عشر عاماً من خروج أهم مورد للاقتصاد السوري من سيطرة الدولة والتي كانت تماثل بحجم أهميتها أثر العقوبات. فانقطاع الإمداد الداخلي من الخام لمصفاتي حمص وبانياس وتوقف التصدير بشكل كلي، كان يعني حرمان سورية من أهم مورد للقطع وحاجتها الماسة لاستيراد النفط والغاز والمشتقات. فعدم الاستعجال ينبع من أمور عديدة أولها اتضاح الصورة الأمنية والعسكرية وضمان حياة وكرامة جميع السوريين وبكل أطيافهم، وعدم تعرض الحقول المستعادة لأي عمليات عسكرية. بعدها، تبدأ الورش الفنية بتقييم أولي ثم مفصل من قبل الشركة السورية للنفط أولاً لكل المواقع والمؤشرات الفنية، بما فيها الآبار والحقول بشكل عام والبنيات التحتية. فمعايير استخلاص النفط (ومن بعض حقول الغاز المرافق) تتطلب أمثلية لجهة الضخ والترحيل، إذ تعرضت العديد من الآبار لاستخراجات جائرة وبعضها “قُشِطَتْ” منها كميات كبيرة دون احترام قواعد الإنتاج، مما أفقدها الضغط الداخلي، ويتطلب إعادة تقييم الاحتياطي القابل للإنتاج فنياً واقتصادياً. ثم تأتي إعادة هيكلة البنية التحتية للترحيل (بالصهاريج أو بالأنابيب الفرعية)، وفي المرحلة الثانية تبدأ عمليات التوسع واستقدام الشركات النفطية الدولية لزيادة كميات الاحتياطي القابل للاستخراج وبالتالي الإنتاج.

فالأهمية الاقتصادية والسيادية تنبع من استعادة مجمع الثورة النفطي وحقول دير الزور (كافة حقول المنطقة الشرقية) وتمثل خطوة حاسمة لتعزيز سيادة الدولة ودعم الاقتصاد، خاصة مع إنتاجها السابق لمعظم النفط السوري (حوالي 380 ألف برميل يومياً قبل 2011)، وبالتالي، ستساهم هذه الحقول في تمويل التعافي الوطني وتخفيف الضغوط المعيشية عبر تحسين إنتاج الطاقة (فالكهرباء على سبيل الذكر لم تنقطع منذ الأمس ولغاية صباح اليوم الاثنين إلا لدقائق باستغلال مخزون الفيول طالما الانفراج قادم). الأمر الذي يعزز السيطرة على الموارد الاستراتيجية ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويحسن الميزان التجاري بنسبة ملحوظة خاصة مع تحسن سعر الليرة منذ أمس، وحسن إدارة قطاع الطاقة وتمويل إعادة الإعمار مع توزيع عادل للثروة، مما يسمح نظرياً بتخفيف الفقر والبطالة إذا أحسنت إدارة العوائد المالية.

إن المتطلبات والتحديات لرفع الإنتاج تفترض صيانة البنية التحتية القديمة، واستثمارات فنية، وإعادة تأهيل الآبار، لكن نقص التكنولوجيا واللوجستيات المتضررة من الحرب، إضافة إلى تقييمات غير سليمة ودون التركيز على حلول إصلاحية لزيادة الكفاءة تدريجياً، يعني عدم الاستفادة المثلى لا بل العودة إلى المنطق الريعي الذي كان سائداً قبل وأثناء الحرب. لذلك، لابد من صياغة خطة محكمة تركز على أمثل الطرق للإنتاج واستغلال العوائد في التنمية وليس كتوزيع هبات! مع النظر في التأثير البالغ على الميزان التجاري حيث ستقلل استعادة حقول الرقة ودير الزور من فاتورة الاستيراد، وتحسن سعر الصرف، وتحفز القطاعات الزراعية والصناعية عبر توفير طاقة رخيصة، مما يعزز التصدير والنمو الاقتصادي، شرط استدامته.

كما ستساهم هذه الاستعادة في تحسين الحالة المعيشية بعد تحسين إمدادات الكهرباء والوقود، مما يدعم الصناعة والنقل، ويؤدي لاحقاً إلى تخفيض التكاليف المعيشية للمواطنين مع انتعاش الإنتاج المحلي وزيادة الدخل الوطني.

3- المعابر واستعادة وتنمية أسواق الإقليم

تعتبر المعابر الحدودية الرئيسية (البوكمال مع العراق، باب الهوى مع تركيا، جديدة يابوس مع لبنان، نصيب مع الأردن) شرايين التجارة لسورية ولدول الجوار (وحتى إلى أبعد من ذلك باتجاه الشمال والخليج وشمال أفريقيا)، حيث كان يتم ما نسبته 70% من الصادرات السورية قبل 2011 عبر هذه المعابر (12 مليار دولار). وبالتالي فإعادة فتحها الآن سيعزز من تدفق البضائع، مع توقعاتنا بأن تصل التجارة إلى 4 مليار دولار عبر البوكمال وحده (خاصة بتعزيز التبادل مع “اقتصاد” أربيل في العراق. فها هي تركيا صدرت رسمياً لسورية العام المنصرم 1.7 مليار دولار (والتي تتجاوز الـ2 مليار إذا اخذنا القطاع غير المنظم والبضائع بصحبة المسافرين)، والأردن كسبت 493 مليون دولار سنوياً من طرق سورية)، وبالتالي نقدر بتحسن كفاءة سلاسل التوريد بنسبة 15-20% كتكلفة أقل مع تخفيض الزمن.

إن تنمية العلاقات الاقتصادية الثنائية ومتعددة الأطراف مع العراق وتركيا والأردن ولبنان والإقليم ككل يتطلب التفكير بروح المنفعة المشتركة للجميع (Win-Win situation) وتنمية أسواق الإقليم عبر ممرات جنوب-شمال نحو الخليج، وشرق-غرب باتجاه الشمال الأفريقي، وإعادة التفكير جدياً بممرات العبور النفطية والغازية بخطوط محورية، وإقامة مناطق اقتصادية وتكنولوجية وصناعية وزراعية وتجارية حدودية وإعادة التصدير (سورية عراقية، سورية تركية، وسورية أردنية مع شركاء آخرين) وخطوط النقل المحورية من طرطوس للبصرة، ومن تركيا للأردن باتجاه السعودية. ولمَ لا إعادة التفكير بمنطقة الغافتا (المنطقة الاقتصادية العربية الحرة الكبرى 400 مليون مستهلك) وبعلاقاتها مع منطقة اليورو (380 مليون مستهلك).

4- الخطة الاقتصادية المطلوبة للاندماج المستدام والضامن لحقوق الجميع

تعتمد الخطة الاقتصادية المطلوبة للاندماج المستدام لمنطقة شرق الفرات، على مبدأ “اقتصاديات المكان” بمعنى التنمية المحلية (Place-Based Economics)، التي تركز على استثمارات لامركزية مخصصة لخصائص المنطقة الجغرافية والديموغرافية لتحقيق نمو متوازن يشمل الجميع. هذا النهج يتجاوز النموذج المركزي السابق، الذي فشل في الجزيرة، من خلال تخصيص ميزانية إجمالية يفترض على سبيل الإيضاح، أن تصل إلى 6-8 مليار دولار على 5 سنوات (مدعومة بإيرادات النفط المتوقعة 1.5-2 مليار دولار سنوياً)، للري الحديث (شبكات ذكية تغطي 500 ألف هكتار، مما يرفع إنتاج القمح من 1 مليون طن بعد الجفاف القاسي العام الفائت إلى 5 ملايين طن بحلول 2030)، وللطرق والمعابر (ربط الجزيرة بتركيا والعراق عبر طرق سريعة)، وللطاقة والصناعة (إعادة تأهيل الحقول مع مصانع محلية لتكرير النفط) وتعزيز سلاسل القيمة في تصنيع القطن والمنسوجات. أي هجر المنطق الذي ساد باستخراج الخامات (نفط وقطن كتحديد) وشحنه إلى دمشق أو الخارج دون معالجة محلية، ودون مؤسسات تعليمية كمثيلاتها في دمشق، مع بطء مواجهة الجفاف الذي أثر على 1.5 مليون فلاح (كما حدث مع الزلزال الأخير أو الحرائق المتكررة في الساحل السوري)، مما فاقم مسألة البطالة ورفع معدل الفقر إلى 40% وهجرة ما يقدر آنذاك بـ 300 ألف شاب إلى المدن الغربية، وبالتالي، أثار احتجاجات مبكرة في 2011 كانت مقدمة للثورة.

تتمثل عناصر الخطة المستدامة بتفعيل دور المحليات، وبتنويع وتحفيز القطاع الخاص السوري وتشجيع الاستثمارات الأجنبية (تركيا، الأردن، الخليج) في الزراعة (كالمزارع العضوية وإصلاح شبكات الري) والطاقة (شراكات مع شركات في الإقليم)، مع حوافز تشجع على الانتقال من الإنتاج المحلي للتصدير الإقليمي. بالطبع يفترض الأمر إعادة هيكلة الاتفاقيات التجارية المتداخلة مع تركيا والعراق، والأردن لتكوين منطقة تجارة حرة موحدة، وتقليل الرسوم الجمركية وفتح ممرات العبور البيني واستهداف رقم لـ 10 مليار دولار كمثال للتبادل بحلول عام 2028 عبر معابر البوكمال ونصيب.

بالتحليل الأخير ومن كل ما سبق، يفترض واقع الحال علينا اليوم وبأكثر من أي وقت مضى، ضمان حقوق الجميع والاندماج الاجتماعي عبر حصص وظيفية مع ضمان حقوق الأقليات لتعزيز الثقة ومواجهة أية محاولة ثأرية مهما صغرت، وبما يجعل الجزيرة محركاً لإعادة الإعمار السوري الشامل.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts