
إعداد
خديجة أنقاي
ماجستير العلاقات الدولية
المغرب
لم يكن الدين في السياسة الخارجية الأمريكية مسألة بَحْتَةً، بل أصبح أداة ناعمة للتأثير والضغط، تُستخدم حسب المصالح الاستراتيجية وليس بالضرورة وفق معيار أخلاقي ثابت.
وبالتالي، فإن توظيف ملف المسيحيين في نيجيريا لا يمثل سابقة في الخطاب السياسي الأمريكي، بل يندرج ضمن نمط طويل من استخدام القيم الدينية والأخلاقية كواجهة لتبرير مواقف سياسية تخدم دوافع داخلية أكثر من كونها دوافع خارجية. وقد استندت إدارة جورج بوش الابن إلى خطاب أخلاقي يبرر الغزو الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق. ومع وصول دونالد ترامب إلى الحكم، انتقل هذا التوظيف إلى مستوى أكثر وضوحًا.
الطبيعة الحقيقية للعنف في نيجيريا
تُعد نيجيريا الدولة الأكثر سكانًا في أفريقيا، وإحدى أهم الدول المنتجة للنفط، غير أنها تواجه تحديات أمنية مركبة ذات أبعاد دينية وعرقية وتنموية؛ إذ تنشط في شمالها الشرقي جماعات مسلحة، أبرزها “بوكو حرام” وتنظيم “الدولة الإسلامية” في غرب أفريقيا، إضافة إلى صراعات بين رعاة ومزارعين، وتنامي عصابات مسلحة تنفذ عمليات خطف وقتل ونهب. وتشير المنظمات الحقوقية الدولية إلى أن أنماط العنف في نيجيريا تتخذ طابعًا طائفيًا في بعض الأحيان، كما تتداخل في كثير من الأحيان مع نزاعات عرقية وغياب التنمية.
إلا أنه، وبالرغم من حجم المأساة التي تعيشها نيجيريا وتداعياتها الإنسانية والأمنية، فإن تصوير الوضع هناك بوصفه حربًا دينية بين المسلمين والمسيحيين يمثل طرحًا مبالغًا فيه ومضللًا. فالمعطيات الميدانية تظهر أن غالبية الضحايا من المسلمين أنفسهم، وأن الجماعات المسلحة، وعلى رأسها “بوكو حرام”، استهدفت بشكل أساسي مساجد وأسواقًا ومنشآت تجارية داخل مناطق ذات أغلبية مسلمة. كما شهدت مناطق عديدة مجازر مروعة، مثل ما حدث في بلدة زاكي (قد يكون المقصود مكانًا آخر، النص الأصلي: زكي) ومجزرة بونيور وخزران، التي خلفت دمارًا واسعًا ونزوحًا قسريًا للسكان.
ولهذا، فإن اختزال الأزمة في نيجيريا باعتبارها صراعًا دينيًا تبسيطٌ مخلٍّ، يتجاهل جذور المشكلة الحقيقية، والتي ترتبط بعوامل مركبة تشمل هشاشة الدولة، وضعف التنمية، وغياب العدالة الاجتماعية، وتنافس الجماعات المسلحة على النفوذ والموارد.
المصالح الاستراتيجية الأمريكية وراء توظيف ملف المسيحيين في نيجيريا
على الرغم من أن الخطاب الأمريكي يقدم تدخل واشنطن في نيجيريا كتحرك “أخلاقي” لحماية المسيحيين المضطهدين، إلا أن ماضي تدخلات واشنطن يكشف أن الملف الديني مجرد أداة استراتيجية تخدم الأهداف السياسية والأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية.
البعد الخارجي للحضور الأمريكي داخل نيجيريا
عندما نتحدث عن نيجيريا، فإننا نتحدث عن دولة غير عادية داخل القارة الأفريقية، باعتبارها أكبر قوة ديموغرافية واقتصادية في غرب أفريقيا، وتمتلك أحد أكبر الاحتياطات النفطية والغازية في العالم. ومن ثم، فإن أي حضور أمريكي داخلها يشكل فرصة ل:
-
إعادة التوازن أمام التوسع المتسارع للصين وروسيا في المنطقة.
-
تعزيز النفوذ الأمريكي في سوق الطاقة.
يُنضاف إلى ذلك أن تنامي حضور التنظيمات المتطرفة مثل “بوكو حرام” و”داعش غرب أفريقيا” يوفر مظلة أمنية تسوق بها واشنطن تدخلها العسكري والاستخباراتي تحت شعار مكافحة الإرهاب، ليصبح التدخل مشروعًا أمام الرأي العام الدولي، بينما يتحقق الهدف الفعلي المتمثل في إنشاء قواعد عسكرية ومراكز مراقبة وتعاون أمني طويل الأمد مع الحكومة النيجيرية.
البعد الداخلي لخطاب ترامب
يحقق ملف حماية المسيحيين في نيجيريا مكاسب داخلية داخل الولايات المتحدة نفسها، إذ يُوظف هذا الملف لاستمالة قاعدة واسعة من الناخبين الإنجيليين الذين يشكلون إحدى أكثر الفئات تأثيرًا في الساحة السياسية الأمريكية. كما أن إبراز معاناة المسيحيين في نيجيريا يسمح لترامب بتوجيه انتقادات غير مباشرة لخصومه السياسيين، واتهام الإدارات الديمقراطية السابقة بالتقاعس عن الدفاع وحماية الحريات الدينية عالميًا.
بناءً على ما سبق، يتضح أن خطاب حماية المسيحيين كما تطرحه الإدارة الأمريكية يتجاوز حدود التضامن الإنساني، ولا ينفصل عن منطق تسييس القضايا الحقوقية لتبرير حضور الولايات المتحدة الأمريكية في مناطق استراتيجية. فالمسألة لم تعد مقتصرة على حماية فئة دينية، بل تحولت إلى وسيلة ضغط سياسي واقتصادي، تسمح لواشنطن بإعادة تشكيل موازين النفوذ داخل أفريقيا، والتحكم في مصادر الطاقة، وإدارة التنافس الدولي مع الصين وروسيا، تحت غطاء أخلاقي.
وعليه، يمكن القول إن خطاب حماية المسيحيين في نيجيريا يمثل تقاطعًا بين الدوافع الأخلاقية المعلنة والمصالح الجيوسياسية التي تخفيها الولايات المتحدة الأمريكية وراء خطاباتها الإنسانية.



Binance
Your article helped me a lot, is there any more related content? Thanks!