On Research

وحدة الدراسات السياسية

تقدير موقف ماذا بعد الاحتجاجات الإيرانية؟ (إيران من الداخل)

Email :1259

إعداد

أحمد محمد بسيوني

باحث في العلوم السياسية والاجتماعية

جمهورية مصر العربية 

 

تقف الجمهورية الإسلامية في إيران اليوم أمام منعطف تاريخي، تتجاوز فيه المطالب بالإصلاحات السياسية والاقتصادية لتتحول إلى ما أشبه بانتفاضة لجميع طوائف الشعب الإيراني في كافة محافظات البلاد الـ 31. فبعيداً عن المشاكل الاقتصادية، وضعف العملة المحلية وصولاً لأدنى مستوى لها، وظروف مائية خانقة تحاصر العاصمة، يزيد الحديث عن انهيار تدريجي للعقد الاجتماعي وبالتحديد الثروة الإيرانية التي جاءت هي الأخرى عن طريق انتفاضة شعبية، ليتحول الحديث في الأوساط الأكاديمية والبحثية عن مرحلة ما بعد النظام القائم. في ظل محاولات من هذا النظام لاحتواء الاحتجاجات، سواء عن طريق قمعها أو تنازلات تبدو تكتيكية هشة لشراء الوقت، مما يجعل المشهد الحالي ليس مجرد “أزمة عابرة”، بل بداية مسار ثوري طويل يضع مستقبل الدولة في مواجهة تطلعات الشارع.

أولاً: المحركات والدوافع:

1- الانهيار الاقتصادي:

تشكل حالة الانهيار الاقتصادي الكارثي في إيران المحرك الأساسي والمحفز الأول للاحتجاجات الراهنة، حيث دخلت البلاد في نفق مظلم من التدهور في القدرة الاقتصادية للمجتمع[1]، حيث شهد الريال الإيراني تراجعاً تاريخياً غير مسبوق وفقد نحو 84% من قيمته خلال عام واحد فقط، منها 16% في شهر ديسمبر الأخير وحده، ليصل سعر الصرف إلى مستوى قياسي من الانخفاض بلغ 1.42 مليون ريال مقابل الدولار الأمريكي الواحد[2]. هذا الانهيار الحاد في العملة انعكس مباشرة على كلفة المعيشة، حيث قفز تضخم أسعار الغذاء إلى أكثر من 72%. لم تتوقف الأزمة عند حدود الأسواق، بل امتدت لتضرب القطاع الزراعي الذي يستهلك 92% من موارد المياه، مما أدى لفقدان 1.3 مليون مزارع لوظائفهم ووضع نحو 40 مليون إيراني تحت خطر انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال العقد القادم، في ظل مساعدات مالية هزيلة قُدرت بنحو 7 دولارات شهرياً فقط للأسر[3]، مما انعكس على تحول غضب الشارع من المطالب المعيشية إلى مناداة سياسية صريحة بإسقاط النظام الذي بات يوصف بفشله الاقتصادي والإداري[4].

2- الأزمة المائية:

تجاوزت أزمة المياه في إيران حدود الكارثة الطبيعية إلى إفلاس مائي بنيوي يهدد وجود الدولة ذاته، حيث استنزفت البلاد كامل ميراثها المائي بسحب أكثر من 100% من مواردها المتجددة سنوياً[5]. وتكشف الأرقام عن أنه قد انخفض نصيب الفرد من المياه المتجددة من 5,845 متراً مكعباً في عام 1961 إلى أقل من 850 متراً مكعباً حالياً[6]، وذروة هذا الأمر تجسد في العاصمة طهران، حيث فقد سد “كرج” المغذي الرئيسي للمدينة نحو 75% من احتياطياته خلال عام واحد فقط من سبتمبر 2024 إلى سبتمبر 2025[7]. وهو ما دفع الرئيس مسعود بزشكيان في أكتوبر 2025 للحديث على أن نقل العاصمة من طهران لم يعد “خياراً، بل ضرورة حتمية”، في مشروع تقدر كلفته بما بين 77 إلى 100 مليار دولار[8]، وهو ما اعتبره البعض إقراراً رسمياً بفشل الدولة. وصاحب هذا غرق أجزاء من العاصمة والمدن الكبرى بسبب خسف الأرض الناتج عن استنزاف المياه الجوفية. هذا الواقع يقودها الخوف من التهجير القسري لنحو 15 مليون نسمة من طهران وحدها، في ظل متظاهرين يدافعون عن حقهم الأساسي في البقاء.

3- تآكل الرابطة الدينية والعقائدية في إيران:

تشهد إيران تآكلاً في الرابطة المجتمعية بالسلطة، حيث تحطم الوعد التقليدي بالاستقرار والأمان مقابل الولاء تحت وطأة الفشل الحكومي وضعف مؤسسات الدولة وخدماتها. ولم يعد الشعور بالخيبة مجرد استياء عابر، بل تحول إلى قناعة شعبية بأن النظام بات عاجزاً بنيوياً عن توفير أدنى مقومات الحياة[9]، في ظل تخصيص النظام لمبالغ طائلة بلغت مليار دولار لدعم وكلائه في الخارج بينما يعاني الداخل من انقطاعات كهربائية تصل لـ 4 ساعات يومياً[10]. وتجاوز الإيرانيون في هذه التظاهرات السؤال “من يحكم؟” إلى التساؤل عن “ما هو النظام القادم؟”، وهو انعكاس في تفكير المتظاهرين فيما يمكن أن نصطلح عليه بـ “الراديكالية المحفزة” التي ترى في التغيير الثوري ضرورة وجودية للبقاء.

ثانياً: “مورفولوجيا الاحتجاج” دراسة بنية الاحتجاجات:

تتميز موجة الاحتجاجات في إيران بتنوع طبقي وجغرافي غير مسبوق، متجاهلة طابع الولاء السياسي لتشمل كافة أطياف المجتمع. وقد مثّل انضمام “بازار طهران الكبير” والطبقة التجارية التقليدية نقطة تحول رمزية[11]، إذ أغلقت المحلات أبوابها احتجاجاً على الانهيار التاريخي للعملة وامتد الحراك أفقياً ليشمل كافة محافظات البلاد الـ 31 وأكثر من 119 مدينة[12]، بما في ذلك المناطق التي كانت تُعتبر تاريخياً موالية للنظام. جمع مزيجاً يضم شخصيات بارزة والعمال الصناعيين، والمعلمين، والمتقاعدين، والطلاب، والمهنيين، إلى جانب الأقليات العرقية والنساء، وهو ما يبعد وصف تلك الاحتجاجات بالفئوية أو وصمها بالنخبوية[13]. وبرز الأكراد والبلوش كقوة دفع لقلب الصراع على شرعية النظام؛ ففي المناطق الكردية، اعتمد على التنظيم الميداني عبر إضرابات منسقة نتيجة لدعوة “مركز حوار الأحزاب الكردستانية”، وظهر فيه تلاحم بين الحراك الشعبي والعمل التنظيمي تداخل فيه النشاط السلمي مع عمليات مسلحة استهدفت مواقع الحرس الثوري[14]. وفي الجنوب الشرقي، شكلت محافظة سيستان وبلوشستان جبهة أخرى ضد النظام، حيث برز الشيخ مولانا عبد الحميد كمحفز روحي مركزي، وهو ما ترتب عليه حملة أمنية أسفرت عن اعتقال ما لا يقل عن 550 متظاهراً “بلوشياً” خلال خمسة أيام فقط في يناير 2026[15].

ثالثاً: تعامل النظام مع الاحتجاجات:

اتبع النظام الإيراني مع الاحتجاجات استراتيجية “الأمننة الشاملة” التي بدأت بفرض تعتيم رقمي مطبق منذ 8 يناير لعزل الداخل عن العالم ومنع تسريب فيديوهات الإدانة[16]، شمل الاتصالات الهاتفية، بالإضافة للتشويش على ما بين 40 إلى 50 ألف محطة “ستارلينك” وصفتها بأنها غير قانونية[17]، فضلاً عن التقارير الميدانية التي تتحدث عن تكدس ما يصل إلى 1,000 جثة في مشرحة واحدة بالعاصمة طهران[18]. وتزامن هذا مع حملة اعتقالات طالت أكثر من 18,000 متظاهر بحلول منتصف يناير، واستخدام آليات عسكرية ثقيلة مثل مدرعات “سبارتاك” والمروحيات الهجومية الروسية في قمع المدنيين[19]. واعتمد المرشد الأعلى “علي خامنئي” خطاباً “احتوائياً”، مقراً بأن مطالب المحتجين بشأن غلاء المعيشة “محقة ومشروعة”، بهدف التمييز بين “المتظاهرين” وبين من وصفهم بـ “مثيري الشغب”، مما يمنح النظام ذريعة لقمع التحركات السياسية مع الإبقاء على وعود الإصلاح الإداري قائمة. وعلى جانب آخر، ولتفادي وصول الغضب لذروته، بادرت الدولة بمجموعة من الإجراءات لامتصاص زخم الشارع وتمثلت في استراتيجية “تدوير النخب” عن طريق إعادة تعيين عبد الناصر همتي محافظاً للبنك المركزي بدلاً من “محمد رضا فرزين” باعتباره كفاءة مالية وطمأنة للقطاع المصرفي[20]، وبالتوازي مع هذا الإجراء الإداري، أيضاً أعلنت الحكومة عن نظام دعم جديد لمساعدة الأسر على شراء السلع الأساسية[21]. لكن ظلت تلك الحلول تكتيكية هشة تهدف لشراء الوقت وتسكين الأزمة مؤقتاً.

رابعاً: الرؤى المستقبلية والسيناريوهات:

السيناريو الأول:

انهيار النظام الإيراني اصطلحت التحليلات على فرضية وصول النظام الإيراني إلى “لحظة غورباتشوف” الفارقة[22]، بمعنى تحول الإصلاحات الإدارية والمالية إلى محفز لانهيار منظومي شامل، تماماً كما حدث في أواخر عهد الاتحاد السوفيتي، في ظل انسداد الأفق السياسي، وضعف الأطروحات الإصلاحية التي تقدمها الحكومة بمساعدات اقتصادية تبدو بائسة وانهياراً تاريخياً للعملة، ومع الاستمرار في القمع الذي يعمق الأزمة، أو البدء بإصلاحات قد تفجر التصدعات الداخلية داخل النخبة وتؤدي إلى “انشقاقات” في صفوف الحرس الثوري الذي يهيمن على مفاصل الاقتصاد، مما يجعل أي محاولة للترميم بمثابة شرارة قد تسرّع من وتيرة التفكك البنيوي للنظام بدلاً من منعه.

السيناريو الثاني:

الانقلاب على الشرعية الدينية يعتبر الحرس الثوري الإيراني القوة المهيمنة التي تحتكر رأس المال، مما يجعله المرشح الأقوى لتهميش القيادة الدينية وتصدر عملية الحكم وضمان تواجده في أي ترتيب سياسي قادم، باعتباره نموذجاً مصغراً داخل الدولة، يسيطر فيه على مبيعات النفط الخام التي تصل لمليوني برميل يومياً، بالإضافة لصادرات بتروكيماوية ومعدنية تُقدر قيمتها بنحو 40 مليار دولار سنوياً[23]، بجانب سعيها لتحويل قدر كبير من ميزانية الدولة لها، فقد حصلت على سيولة مالية قدرت بـ 90 تريليون ريال في أكتوبر الماضي عن طريق تحويل أموال المساعدات الاجتماعية إلى “مؤسسة الحرس الثوري التعاونية”[24]. لذا في حال حدوث فراغ في القيادة، يشير هذا السيناريو إلى احتمال قيام الحرس الثوري بتشكيل مجلس مؤقت يُهمش الشخصيات الدينية ويقود عملية انتقال براغماتية تهدف لتخفيف العقوبات وحماية مصالحه.

السيناريو الثالث:

نجاح النظام الإيراني في قمع التظاهرات يرى الكثيرون أن عناصر قوة النظام الإيراني ما زالت موجودة وثابتة في وجه الموجة الاحتجاجية الراهنة، وغياب أي تصدعات بنيوية في مفاصل الدولة الحاكمة على الرغم من اتساع الرقعة الجغرافية للاحتجاجات، ولم تحدث انشقاقات داخلية في صلب الحرس الثوري، فضلاً عن غياب البديل السياسي المنظم والقيادة الوطنية الموحدة، مما يحوّل هذه التحركات لمطالب تفتقر للقدرة على التغيير الشامل للنظام[25]، مع نجاحه في توظيف الضغوط الخارجية لتعزيز التعبئة القومية وتوحيد قطاعات واسعة خلف الدولة في مواجهة التهديدات.

المراجع:

[1] Azani, E. (2026, January 12). Iran Wave of protest: Overview and regional implications – ICT. ICT. https://ict.org.il/iran-wave-of-protest-overview-and-regional-implications

[2] Nasr, V. (2026, January 12). How Will the Trump Administration Respond to Violent Protests in Iran? Ciss. https://www.csis.org/analysis/how-will-trump-administration-respond-violent-protests-iran

[3] The Thirst of a Nation Iran’s Water-Driven Trajectory toward state failure and a blueprint for recovery. (10 C.E., November). The Middle East Forum. Retrieved January 16, 2026, from https://www.meforum.org/mef-reports/the-thirst-of-a-nation

[4] Protests in Iran: Possible U.S. Responses and Issues for Congress. (n.d.). In Congress. https://ict.org.il/iran-wave-of-protest-overview-and-regional-implications

[5] Ibid

[6] Team, S. O. (2025, December 30). Iranian protests threatens national stability. SpecialEurasia. https://www.specialeurasia.com/2025/12/30/iran-protests-december-2025

[7] Ibid

[8] Ibid

[9] Iran at a crossroads: Repression, resistance and scenarios. (n.d.). https://www.epc.eu/publication/iran-at-a-crossroads-repression-resistance-and-scenarios

[10] Azani, Eitan, Ibid

[11] Oveisy, Fouâd. (2026). The Iran Protests, Round 4: Likely Scenarios and Outcomes. 10.13140/RG.2.2.24371.49448.

[12] Nasr, V. (2026b, January 12). How Will the Trump Administration Respond to Violent Protests in Iran? Csis. https://www.csis.org/analysis/how-will-trump-administration-respond-violent-protests-iran

[13] Repeated and incontrovertible collective action failure leads to protester disengagement and radicalization https://arxiv.org/pdf/2408.12795

[14] Irans-20252026-Protests-and-the-Urgency-of-Breaking-the-Cycle-of-Authoritarianism.pdf

[15] Solomon, C. (2026, January 14). Iran update, January 13, 2026. Institute for the Study of War. https://understandingwar.org/research/middle-east/iran-update-january-13-2026/

[16] Solomon, C. (2026b, January 14). Iran update, January 13, 2026. Institute for the Study of War. https://understandingwar.org/research/middle-east/iran-update-january-13-2026

[17] Protests in Iran, Ibid.

[18] Ibid.

[19] Ibid.

[20] الاحتجاجات في إيران بين الاستنزاف البنيوي وتماسك النظام: قراءة نقدية في التحليل الإسرائيلي. (2026, January 2). مركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية. https://hadarat.net/post/67800

[21] Iran: What challenges face the country in 2026?, https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10456/

[22] Iran at a crossroads: Repression, resistance and scenarios. Ibid.

[23] The Iran Protests: Ibid.

[24] Ibid.

[25] مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، مرجع سابق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts