On Research

مقالات تحليلية

إرث الجيوبوليتيك: كيف شكّلت المدارس الألمانية والبريطانية والأمريكية النسق الدولي؟

Email :7273

إعداد

عبد الرحمن محمد محمد غزالة 
 كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية

جمهورية مصر العربية

 

المقدمة :

تُعد الجيوبوليتيك من أهم العلوم وأكثرها تأثيراً على المستوى العالمي. فالناظر المتأمل في التاريخ يرى أن السبب وراء التنافس البريطاني الفرنسي حول مصر كان الرغبة في السيطرة على قناة السويس لتأمين الممرات البحرية إلى المستعمرات التابعة لكلا الإمبراطوريتين. وكذلك نرى هتلر يجتاح أوروبا لتحقيق ما أسماه البعض “المجال الحيوي”. وانطلاقاً من أن العلاقة بين الجغرافيا والسياسة علاقة تبادلية، وبسبب رغبة كل دولة في حل معضلتها الأمنية ورغبتها المستميتة في الهيمنة، نرى ظهور عدة مدارس مختلفة بمشارب متباينة.

وعلى الرغم من هذا الاختلاف، فإن المدارس الجيوبوليتيكية، رغم تباين طروحاتها، تلتقي حول عدة أمور:

1. أن الدول تملك مناطق اهتمام ويجب عليها أن تضمن الهيمنة عليها لحل معضلة الأمن.
2. أن هذه المناطق تمثل المجال الحيوي الذي يُعد شريان الحياة لهذه الدول؛ خذ مثالًا على ذلك الأمريكيتين بالنسبة للولايات المتحدة، أو أوكرانيا بالنسبة لروسيا.
3. أن النسق الجيوبوليتيكي دائمًا ما كان صراعًا بين القوة البحرية والقوة البرية؛ ففي عالم ما قبل الحربين العالميتين كانت (ألمانيا قوة برية، وبريطانيا قوة بحرية)، وفي الحرب الباردة كان (الاتحاد السوفيتي قوة برية، والولايات المتحدة قوة بحرية)، وحاليًا (الصين وروسيا قوتان بريتان، والولايات المتحدة قوة بحرية).
4. أنهم جميعًا تأثروا بفكرة الدولة العضوية، التي تشبه الدولة بالكائن الحي الذي يتغير ويتطور؛ يبدأ طفلًا، ثم يكبر، ثم يشيخ.
5. أن جميع المدارس هي مدارس متحيزة جاءت لخدمة دولها وتحقيق مصالحها.

ومقصدنا هنا هو رصد الاختلاف بين هذه المدارس، ويمكن تقسيمها – من وجهة نظري – إلى فرعين رئيسيين:

الفرع الأول: المدرسة الألمانية.
الفرع الثاني: المدرسة الأنجلوسكسونية، والتي تضم المدرستين الأمريكية والبريطانية.

أولاً: المدرسة الألمانية

تتمحور أفكار المدرسة الألمانية، وتحديداً راتزل مؤسسها – وهو أيضاً مؤسس علم الجيوبوليتيك – حول فكرة مفادها أن الغلبة للقوة البرية، وأن أثر الجغرافيا على السياسة الخارجية أثر حتمي. وترى هذه المدرسة أن الدولة يجب أن تحقق أمنها عن طريق السيطرة على ما يعرف باسم “المجال الحيوي”. لذلك رأيناها في الحرب العالمية الثانية تجتاح أوروبا؛ فتبدأ بالنمسا، ثم تشيكوسلوفاكيا، ثم بولندا، ثم فرنسا.

وقد تبنّت القيادة النازية، متأثرة بفلسفات تشيلن وناومن، فكرة أن ألمانيا الدولة الفتية الشابة ستتغلب على القوى الهرمة (بريطانيا وفرنسا). لكن هذا لم يتحقق، ويمكن تفسيره عبر الأسطر الآتية؛ فقد تطورت المدرسة الألمانية كثيراً بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، مما جعلها تطلع على كتابات المدرسة البريطانية بشكل أوسع. فنرى هاوسهوفر، مثلاً، ينصح هتلر بالسيطرة على شرق أوروبا والتوسع شرقاً دون الاصطدام بالاتحاد السوفيتي آنذاك، حيث كان هاوسهوفر يؤمن بأهمية “جزيرة العالم” وفكرة “قلب الأرض”، فنصحه بتكوين تحالف (برلين – طوكيو – موسكو).

ورغم أن المدرسة الألمانية عدّلت أفكارها، فإن هتلر لم يفعل الشيء نفسه، إذ ظلت النزعة القومية المتعصبة منهجه، فقام بعملية “بربروسا” وخرق معاهدة عدم الاعتداء مع السوفييت، الأمر الذي أدى في النهاية إلى هزيمة ألمانيا للمرة الثانية.

ثانياً: المدرسة الأنجلوسكسونية

1. المدرسة البريطانية

يُعد ماكندر أحد أبرز رواد المدرسة البريطانية، وهو مؤسس نظرية “قلب الأرض”، التي تشير إلى أكبر قوة برية على الإطلاق، وهي قلب العالم الذي إذا أُحكمت السيطرة عليه أصبحت السيطرة على العالم ممكنة. وقد لخّص فكرته الشهيرة بقوله:

> «من يحكم شرق أوروبا يحكم قلب العالم، ومن يحكم قلب العالم يحكم جزيرة العالم، ومن يحكم جزيرة العالم يحكم العالم بأسره».

وقلب العالم عند ماكندر يشمل روسيا القيصرية والإمبراطورية الألمانية. لذلك جاءت تسويات الحرب العالمية الأولى لتفصل بينهما، وذلك بمنع تحالف أكبر قوتين بريتين، فنرى استقلال بولندا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا، وتفتيت الإمبراطورية النمساوية المجرية.

وبعد الحرب العالمية الثانية ظل هاجس ألمانيا يلاحق ماكندر، فدعا إلى تكوين تحالف للقوة البحرية يضم بريطانيا والولايات المتحدة فيما يعرف بـ”المحيط الأوسط”، وهو ما شكّل اللبنة الأولى لحلف شمال الأطلسي (الناتو). كما دعا إلى إعادة تأهيل الثقافة الألمانية لتنبذ العدوانية والتوسع، وهو ما نراه يتحقق اليوم إلى حد كبير.

أما الانتقاد الرئيس الذي وُجّه لماكندر، فهو أنه رغم كون الاتحاد السوفيتي – من وجهة نظره – يسيطر على قلب العالم، إلا أنه سقط بينما استمرت الولايات المتحدة قوة عالمية.

2. المدرسة الأمريكية

يُعد ألفريد ماهان الأب الروحي للقوة البحرية الأمريكية. ويمكن تلخيص أفكاره في المتتالية البسيطة التالية:

 «من يحكم بحار العالم يحكم ثروة العالم، ومن يحكم ثروة العالم يحكم العالم».

لذلك ليس مستغربًا أن تعتمد الولايات المتحدة على أساطيلها البحرية التي تطوّق العالم، وسيطرتها على المضايق الحيوية عبر قواعدها المنتشرة في الشرق الأوسط (مثل البوسفور والدردنيل عبر تركيا، وجبل طارق الخاضع للتاج البريطاني)، والقواعد في باب المندب ودول الخليج. كما تمتلك الولايات المتحدة أكبر حاملات طائرات في العالم، وهي قواعد عسكرية بحرية متنقلة. ويأتي تحالفها التقليدي مع بريطانيا امتداداً لأفكار ماهان، ويظهر ذلك في مساندة بريطانيا للولايات المتحدة في غزو العراق عام 2003، وأفغانستان عام 2001.

وفي إطار استراتيجيتها الكبرى، تتبع الولايات المتحدة سياسة الاحتواء تجاه القوى البرية مثل الاتحاد السوفيتي سابقاً والصين حالياً، عبر شبكة من “الأذرع” تضم اليابان وكوريا والفلبين وأستراليا وإندونيسيا والهند، وغيرها.

وعبر التاريخ، في حربين عالميتين وحرب باردة، كانت الغلبة دائمًا للقوة البحرية. واليوم تسعى الصين بقوة لبناء أسطول بحري ضخم ينافس الأسطول الأمريكي، وإن نجحت – وهي على وشك – فقد يشهد العالم تحولات أكبر في ميزان الهيمنة.

الخاتمة

على الرغم من فقدان علم الجيوبوليتيك زخمه بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن العالم كان له رأي آخر. فمع فوضوية النسق الدولي وسعي الدول لبلوغ عناصر القوة التي تمكّنها من الحفاظ على أمنها والهيمنة على بيئتها، لم تستمر انتكاسة هذا العلم طويلاً. فقد عاد بقوة خلال الحرب الباردة على يد هنري كيسنجر وغيره، ليؤكد أن الجغرافيا والسياسة والقوة مفاهيم متداخلة ومترابطة ولا تستقيم الواحدة دون الأخرى.

المصادر:

1. “Heartland vs. Sea Power: Why the Rimland Will Shape the Future of World Order,” E-International Relations, 2024.
2. Holger H. Herwig, “The Demon of Geopolitics: How Karl Haushofer Educated Hitler and Hess,” EuropeNow, 2017.
3. “The US-ROK Test Case: Can Visas and Rules Unlock American Shipbuilding?,” Breaking Defense, 2025.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts