On Research

مقالات تحليلية

إسرائيل ولفنسون وتاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام

Email :1263

إعداد

د. خلف المفتاح

باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية واليهودية

سوريا

 

 

يتحدث المؤرخ المصري المولد، اليهودي الديانة، إسرائيل ولفنسون في كتابه المشار إليه بالعنوان، أن الوجود اليهودي في المنطقة العربية كان قائماً قبل ظهور الإسلام. ويشير في كتابه الصادر قبل مائة عام، والمحقق من الأديب المصري الكبير الدكتور طه حسين، إلى أن اليهود عاشوا بين عرب الجزيرة العربية واليمن، ووجدوا فيهما الملاذ الآمن لهم من جور الروم وملاحقتهم في عهد الإمبراطورية البيزنطية التي كانت تبسط سيطرتها على بلاد الشام ومصر والعراق على خلفية انتمائهم لليهودية. يضاف إلى ذلك السبب الديني سبب اقتصادي ومعيشي لجهة أن قبائل يهودية كثيرة غادرت أرض الشام في القرنين الرابع والخامس بسبب حالة الجفاف وضيق العيش والأرض، لتستوطن في بلاد الحجاز واليمن ولاسيما يثرب وجوارها، وتقيم مملكة حمير في اليمن التي دخلت في مواجهة مع الأحباش الذين اعتنقوا الديانة المسيحية ودخلوا في صراع مع مملكة حمير.

ويشير ولفنسون إلى رغد العيش والاستقرار الذي تمتع به اليهود مع المسلمين في يثرب معتنقي ديانة التوحيد، وهم الذين بشروا بنبي من العرب من سلالة إسماعيل، وكيف تعامل معهم رسول الله بوصفهم أصحاب ديانة توحيدية في “وثيقة المدينة”، أول معاهدة سياسية في التاريخ. ما يعني ويشير إلى تاريخ من العلاقة الطيبة بين المسلمين واليهود الذين اعتبروا لاحقاً “أهل ذمة”، ومن الناحية العقائدية “أهل كتاب”. ويشير المؤلف ولفنسون إلى أن اليهود نظروا بعين الإعجاب والإكبار إلى جيوش المسلمين التي كانت تغمر كالسيل أقطار العالم ونواحيه، وقد قضت على سلطة الروم في أقاليمها القاصية والدانية، تلك الدولة التي ملأت تاريخها بحوادث الظلم والعسف وإهراق دماء اليهود مدة طويلة من الزمن، إلى جهة أن يهود العراق والشام خرجوا يستقبلون جيوش المسلمين بالحفاوة والتكريم، لأنهم كانوا يرون فيهم قوماً يؤمنون بإله موسى وإبراهيم.

ومع أن نصوص السيرة النبوية تشير إلى أن الرسول في مرضه الذي توفي فيه يقول مخاطباً بشر بن البراء بن معرور بشكل واضح: “في هذا الأوان شهدت انقطاع أبهري” (والأبهر هو العرق الواصل بين القلب والدماغ) من الأكلة التي أُكلت مع أخيك في خيبر في حديث الشاة المسمومة، وهذا وارد في سيرة ابن هشام، ويعلق الطبري على ذلك بأن المسلمين يرون أن الرسول مات شهيداً مع ما أكرمه الله به من النبوة. ومع كل هذه العناصر، لم يقل المسلمون إن اليهود قتلوا أو تسببوا في قتل الرسول محمد، ولم يحملوا اليهود دم الرسول كما حمل المسيحيون اليهود دم عيسى بن مريم. وبسبب ضعف وعينا السياسي، أصبح البعض يعتقد أننا نعادي اليهود كدين من خلال الحديث عن “بروتوكولات حكماء صهيون” و”فطير صهيون”، وهي جملة أكاذيب ساقوها لنتبناها ونتهم بعداء السامية وليس الصهيونية المحتلة والمغتصبة لأرض فلسطين.

من هنا تأتي أهمية أن نتناول العلاقة مع اليهود تاريخياً بشكل علمي وأكاديمي، وهو ما كان قد تحدث به وبضرورته ابن حزم الأندلسي قبل مئات السنين، مبيناً أهمية معرفة تاريخ اليهود ودينهم إعمالاً لسنة رسول الله في توصيته لزيد بن ثابت الأنصاري حيث خاطبه: “يا زيد تعلم لغة يهود وكتابهم، فإني والله أخشى على كتابي منهم”. ومع قلة أو ندرة الدراسات العربية والإسلامية عن اليهود واليهودية، نجد في الطرف الآخر أن أكثر من 35 مركزاً في إسرائيل للدراسات العربية والإسلامية، ويعتبر تدريس العربية والدين المادة الثانية بعد تدريس العبرية كلغة رسمية. وتجدر الإشارة في هذا المضمار إلى أنه عند احتلال العراق من قوى التحالف الاستعماري عام 2003 ودخول بغداد، نزلت طائرة إسرائيلية مطار بغداد الدولي وتوجه أفرادها إلى مقر المخابرات العراقية، واستولوا على مئات المخطوطات اليهودية ونسخ من التلمود البابلي مكتوبة على جلود الغزال، ونسخ من كتب الصوفية والقبالة اليهودية وكل ما اختص به العراق زمن السبي البابلي، وحُملت مباشرة إلى إسرائيل واعتبرت غنائم حرب. والملفت أن هذا التراث بقي في العراق آلاف السنين ومع ذلك لم يتم الاهتمام به. ومع وجود أقسام عبرية في جامعات عربية، إلا أنها لم تنتج أبحاثاً ودراسات ذات بال، بل جرى الاهتمام بأشياء جلبت لنا صورة سلبية من قبيل “بروتوكولات حكماء صهيون” و”فطير صهيون”، وهي كلها مجموعة أكاذيب جعلتنا نُتهم باللاسامية.

ولا شك أن في التاريخ حالات مواجهة مع اليهود بسبب مواقفهم السلبية وليس لعقيدتهم الدينية بوصفهم يهوداً، كما حدث في معركة الخندق وغزوة الأحزاب، فلم نعادهم كما أشرنا في المدخل لأسباب دينية، ففي الدولة الإسلامية اعتبروا “أهل ذمة” ومن الناحية العقائدية “أهل كتاب”. فقد تجنب أجدادنا أن يكون عداؤنا لليهود عداءً عقائدياً، لا بل إن رسول الله حاورهم في المدينة لمدة سنتين، ومنهم أبو عامر الراهب الذي قال للرسول: “بماذا جئت يا محمد؟”، فأجابه: “جئت بالحنيفية”، فقال: “ونحن جئنا بها”، فأجابه الرسول: “نحن جئنا بها نقية بيضاء”، فقال أبو عامر الراهب: “الكاذب منا يموت طريداً”، وغادر بعدها إلى مكة ثم مصر ومنها لبلاد اليونان ومات هناك طريداً. فمشكلة اليهود آنذاك أنهم لم يتقبلوا أصلاً أن يُبعث نبي من العرب لأسباب تتعلق بهم، فالنبوة وفقهم محصورة بالعائلة والنسل الداوودي اليعقوبي، علماً أنهم تحدثوا عن نبي يخرج من نسل إسماعيل عليه السلام.

والمهم هنا، وبالعودة للفكرة الأساسية، نشير إلى أنه وبسبب ضعف وعينا السياسي أدخلنا في خطابنا العربي والإسلامي ما يسمى “بروتوكولات حكماء صهيون” و”فطير صهيون” بدل التركيز على اغتصاب فلسطين والعدوان على العرب. من هنا تأتي أهمية اهتمام الباحثين والأجيال الشابة بالناحية العلمية والتاريخية لليهودية والصهيونية. وهنا نعيد الإشارة إلى توصية رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لزيد بن ثابت الأنصاري: “يا زيد تعلم لغة اليهود وكتاب يهود، فإني والله لا آمن اليهود على كتابي”.

إن دراسة اليهودية وفق مفاهيم مركزية اختص بها الشعب اليهودي مسألة غاية في الأهمية، لأننا بدونها لا يمكن أن نفهم تاريخهم ودينهم. وهنا لابد من التفريق ما بين الموسويين، والعبرانيين، والإسرائيليين، واليهود، وهي مسميات لا تعني نفس الشيء. فالعبرانيون والموسويون هم البداية، والإسرائيليون هي التسمية التي أطلقت على النبي يعقوب وهو من الآباء (آبوت في العبرية)، بينما اليهودية فقد أطلقت على رابع أبناء يعقوب (يهوذا) الذي سكن أرض كنعان، ومنها جاءت كلمة يهودي نسبة إلى السبط يهوذا. ولكن لابد من التفريق بين اليهودي واليهودية، فاليهودية لم تنشأ إلا بعد السبي البابلي، فقبله لا يمكن الحديث عن اليهودية، وأي حديث عن اليهودية أيام موسى هو خلط تاريخي، فهناك عبرانيون وإسرائيليون ويهودية نشأت بعد السبي البابلي. وللوقوف على ذلك يمكن العودة للمؤرخ الألماني لوتس في كتابه “تاريخ شعب إسرائيل”، ففيه كل هذه التفاصيل، وهو كتاب اعتمد المنهج العلمي في دراسة التاريخ وفق المدرسة الألمانية في القرن التاسع عشر.

إضافة إلى أنه يجب لفت الانتباه إلى أن معرفة تاريخ اليهود لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال التوراة، وهذه إحدى المشاكل التي تعترض من يبحث في تاريخ هذه الجماعة. فالمصادر الأركيولوجية والآثارية المتعلقة بهم قليلة، فالباحث في تاريخ اليهود واليهودية ستواجهه إشكالية معقدة، فهو سيكون أمام جماعة أو شعب كتب تاريخه بنفسه ولا زال يفعل ذلك إلى اليوم. فدائرة المعارف اليهودية التي هي من أفضل دوائر المعارف العالمية ومحملة على شبكة الإنترنت وعلى نموذجين ونسختين ورقية وإلكترونية، ناهيك عن أن كل من كتب في هذه الموسوعة هم من اليهود ومن كبار المختصين. ولأنهم كتبوا تاريخهم بأنفسهم أو دونوه (والتدوين غير الكتابة)، فعندما دونوا فهذا يعني أنهم أخذوا أشياء وتركوا أشياء. فالتوراة هي مجموعة مرويات حسب تاريخ الأديان، وهي مرويات تحكي تاريخ شعب أو جماعة كتب ما اعتقد أنه وقع، أو ما أراد أن يعتقد أنه وقع، أو ما أراد منا نحن من نعيش في القرن الحادي والعشرين أو قبلنا وبعدنا أنه وقع. ففي تاريخ الشعوب يلاحظ أنها تبدأ كتابة تاريخها في الوقت الذي تشعر فيه أنها قادرة على الفعل التاريخي، وهو ما ينطبق على اليهود وتحديداً عند خروجهم من مصر، علماً أن ذلك الخروج لا تشير إليه أية كتابات أو وثائق فرعونية، مع أن الفراعنة اهتموا بتدوين كل الأحداث التي مرت بتاريخهم. فهذا الحادث الذي وجد فيه اليهود تحولاً كبيراً لم ينل اهتماماً من الفراعنة، هذا إن كان قد حدث بتلك الصورة المضخمة وفق السردية اليهودية أو التوراتية. وهذا الشعب، وإن كان قد كتب تاريخه بنفسه، يتميز بخاصية أخرى يمكن أن تُفهم وهي أنه يريد أن يقول للعالم إنه شعب متفرد، وإنه في كل تاريخه عاش في محيط مجتمعات وثنية ومعادية، وإنه شعب ليس كالآخرين في طقوسهم في مأكلهم في مشربهم في عقائدهم في كل شيء، بمعنى “أننا شعباً مختاراً” بالمعنى الديني؟

ولدراسة اليهودية لابد من الوقوف عند عدد من المفاهيم المركزية لفهمها، وأولها مفهوم الاصطفاء أو ما يعرف دينياً بـ “شعب الله المختار” أو “بحيروت شعب إسرائيل”. والمفهوم الثاني الذي ركز عليه هذا الشعب أو الجماعة هو العهد، وبالعبرية “هابريت”، وهو عقد أو عهد بين الله وهذا الشعب. والمفهوم الثالث هو الألوهية، والإله هنا إله غيور يكره ويحب، يبكي ويفرح لأفراح شعبه، ويحزن لحزنه وتجري دموعه، ويغضب وينتقم يأخذ الأبناء بذنوب الآباء وهو إله واحد. والمفهوم الرابع هو مفهوم الخروج أي الخروج من مصر. والمفهوم الخامس هو الأرض الموعودة وهي أرض غير واضحة المعالم أين تبدأ وأين تنتهي. وبالمناسبة سُئل أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني ديفيد بن غوريون أين حدود هذه الدولة؟ فقال: “حيث يتوقف الجيش الإسرائيلي فثمة حدود لدولة إسرائيل”، وإن خير مفسر للتوراة هو (جيش الدفاع الإسرائيلي).

هذه المفاهيم الخمسة نشير إليها لأهميتها، ولنبين كيف أن الإسلام جاء بما يعيد تأويل هذه المفاهيم كلها. فعندما يقرر الإسلام الانفصال المفاهيمي عن اليهودية سيقول إن هذا العهد ليس عهداً مع اليهود، وإن هذا الاصطفاء ليس لشعب إسرائيل، وإن هذا الإله ليس إله إسرائيل، وإن هذه الأرض المقدسة يرثها عبادي الصالحون. والإسلام سيقول من الناحية المفاهيمية بنقض كل هذه المفاهيم، فهم قالوا: “نحن شعب الله المختار”، وقال الإسلام: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ}. وجاء القرآن لينقض مفهوم العهد: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}.

ولابد من الإشارة إلى الخلط في الأذهان حول مفهوم التوراة، فتوراة القرآن ليست نفسها التوراة عند اليهود، فتسمية التوراة تسمية مضللة لأنها جاءتنا من الترجمات المسيحية واليونانية. فالتوراة عند اليهود هي تسمية الكل ببعض أجزائه، فهي عندهم ليست فقط الأسفار الخمسة (التكوين، الخروج، التثنية، العدد، اللاويين)، فاليهود يسمونها بالـ “حوماش” أي الخمسة، ونحن نسميه التوراة. بينما التوراة عندهم يضاف إليها قسمين هما كتب أو أسفار الأنبياء، ثم قسم ثالث يسمى المكتوبات. هذه كلها التوراة، وتجاوزاً يقال للأسفار الخمسة التوراة. فاليهود إذا أرادوا تسمية كتابهم المقدس يسمونه (تناخ)، وهذا كله عندهم من عند الله. فتناخ: التاء توراة، والنون نبيئيم، والخاء المكتوبات. ولكن بالنسبة للإسلام فهو تجاوز مقصود، فلا يمكن لنبوة النبي أن تستقيم وفق تاريخ الأديان إلا بعدم إشارته أو اعترافه بهذين القسمين، أي الأنبياء والمكتوبات.

نشير إلى أنه لم يقم عربي أو مسلم بترجمة التوراة للغة العربية بينما ترجم القرآن للعبرية أربع مرات أو ترجمات. وفي السردية التاريخية تقول التوراة: “أرامياً تائهاً كان أبي” في إشارة لسيدنا إبراهيم، “فانحدر إلى مصر وتغرب هناك فصار هناك أمة كبيرة وعظيمة. فحسدنا المصريون وأساؤوا إلينا وثقلوا علينا وجعلوا علينا عبودية قاسية. فلما صرخنا إلى الرب إله آبائنا، سمع الرب صوتنا ورأى مشقتنا وتعبنا، فأخرجنا من مصر بيد شديدة وذراع قوية ومخاوف عظيمة وآيات وعجائب، وأدخلنا هذا المكان وأعطانا هذه الأرض، أرضاً تفيض لبناً وعسلاً”. وهذه الرواية وفق العلوم التاريخية رواية شعب عن نفسه. وفي هذا النص المكثف نجد حديثاً عن مفهوم الخروج، وعن مفهوم الاصطفاء، والأرض الموعودة، وعن مفهوم الألوهية، وكل المفاهيم التي اعتبرت من خصائص هذا الشعب أو الجماعة نجدها مكثفة في هذا النص.

وبالعودة للمفاهيم الخمسة، نعود لمفهوم الاصطفاء. فوفق العقيدة اليهودية أن الله اختار من شعوب الأرض شعباً فضله على بقية الشعوب، وفي الأسفار الخمسة أي “الحوماش” يأتي النص: “فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي، تكونون لي خاصة من شعوب الأرض، فإن لي كل الأرض. وستكونون لي كهنة ومملكة وأمة مقدسة”. هذا الاصطفاء سيحول هذا الشعب إلى شعب مقدس، والعجيب أن هذا الاصطفاء نجده مشروطاً: “ولأنك شعب مقدس للرب فقد اختارك الرب لتكون شعباً خاصاً له فوق كل الشعوب الذين على وجه الأرض”، لأن الله حمله مهمة سينوء بها هذا الشعب وهي الإعلان عن التوحيد، فهذه الرسالة لم يحملها إلا شعب إسرائيل؟ ولكن نكتشف في مواضع أخرى أن هذا الاصطفاء وهذه المحبة هي محبة بدون شروط أو معراة عن الشروط، هو حب لهذا الإله لهذا الشعب؟ فالعلاقة بينهما كعلاقة الزوج بزوجته، فهو عندما يغضب يقول إنه اختار امرأة زانية؟ يتحدث الله إلى النبي يوشع: “خذ امرأة زنى لأن الأرض خانت الرب”، ولكن هذا الرب تعود فتأخذه الرحمة لهذا الشعب لأن هذه المهمة لا يمكن أن يقوم بها إلا شعب إسرائيل. وقد ناقش اليهود في القرون الوسطى مسألة العلاقة مع إله اليهود ورأوا أن “يهوه” مجبر على العلاقة معهم، وهذا موقف اليهودية الربانية التي ترى أن هذه العلاقة مستمرة، ولكنها قد تنقطع ثم لا تلبث أن تعود، وأن الإله أراد أن يعطي تلك العلاقة صفة العلاقة المكتوبة مع شعبه.

وهنا كانت الفكرة المركزية الثانية وهي العهد، أو ما جرت تسميته في القرآن “الميثاق”. وإن هذا الميثاق أو العقد جاء بطلب من الله وليس من شعب إسرائيل، فالله هو الذي طلب أن يبرم ذلك العقد فهي علاقة الند للند وعهد بين الإله وشعب، ولكن الإله هو الذي أراد أن يبرم ذلك العقد. وهذا العقد يحمي شعباً من محيط معادٍ له من شعوب تحيط به. وهذه العقود بدأت بما أبرمه الله مع نوح عند الطوفان، وتجلى بقوس قزح الذي ترى فيه التوراة شكلاً من أشكال تجلي الإله على أن يحترم نوح ومن معه بعض الأحكام الشرعية. وبعد نوح يتجدد العقد مع إبراهيم وكانت علامة ذلك العقد الختان. ثم سيجدد هذا الإله العقد مع يعقوب حيث تحول اسم إبراهيم بعد العقد إلى أبرام، ويعقوب بعد العقد سيصبح اسمه إسرائيل في حادثة مشهورة بالتوراة وهي التعارك مع الرب وإصابة يعقوب في فخذه. وأخيراً يجدد هذا العقد أو العهد مع موسى في جبل الطور أو ما يسمى في التوراة جبل حوريب، وهي عهود أو عقود مسجلة في كتاب، وهذه العهود كانت دائماً تتضمن أحكاماً ومواثيق يجب أن يتقيد بها بنو إسرائيل ويراعوها، فهي مع النبي موسى الوصايا العشر التي يشير إليها أيضاً القرآن. فعندما يحترمها بنو إسرائيل يجازون، وعند اختراقها يعاقبون: “فإذا تركتم الرب وعبدتم الأوثان فإنه ينقلب عليكم ويفجعكم ويفنيكم بعد أن أحسن إليكم”. ومن الأشياء التي يجب أن تراعى بموجب العقد حرمة السبت، فالتوراة في نص أساسي تقول: “اذكر واحفظ حرمة السبت”.

ولبيان فضل الرب على بني إسرائيل يخاطبهم: “أنتم عرفتم ما فعلت بالمصريين، فأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إليّ. فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين الشعوب فإن لي كل الأرض”. وهنا نشير إلى ورود عبارة “قطع عهداً”، فقد استخدم النص التوراتي عبارة كانت تستعمل آنذاك حيث كانت العادة أن المتعاقدين يأخذون جلد حمار ويقطعانه نصفين ويمران من بينهما، وكانت علامة القطع هي علامة التعاقد، وأحياناً كان يستخدم الدم كشكل من أشكال الالتزام بالعقود.

النقطة الثالثة هي الألوهية، ولابد من الإشارة إلى أن الإله هو إله إسرائيل، فهو ليس إلهاً أو رباً للعالمين، فهو إله شعبه يغار عليه ويحزن لحزنه. ولكن هذا الإله غريب الأطوار فله مسميات غامضة، يسمى “إيل” أحياناً، ويسمى “شداي” أي القوي، ويسمى “صباؤوت” أي إله الجنود، ويسمى “إلوهيم” وهو إله إبراهيم (وفي العبرية صيغة المفرد تأتي بصيغة الجمع، وهذا أفاد المسيحية بالتثليث: الآب الابن الروح القدس، فجاءت التسمية بصيغة التفخيم). أما مع موسى كليم الله فإنه يسأل الرب: “من أنت؟”، فيجيبه الإله بقوله: “أنا من أنا”، بمعنى أنا من لا تستطيع أن تدركه، أو أنا من تعرفه، وهو الذي نسميه في لغتنا العربية “يهوه” بفتح الياء وتسكين باقي الحروف. ولكنها تسمية مضللة وخاطئة، لأن اليهود لا ينطقون هذا الاسم حتى اليوم. فمحرم على اليهود نطق اسم الإله الأعظم لأنهم لا يعرفونه كيف ينطق، فقد أُسس على شكل حروف معراة من الحركات، وكل ما ورد اسمه في التوراة يغيرون نطقه بالقول (أدوناي) أي سيدي. وعلماء الماسورة الذين نقطوا التوراة لم يقوموا بوضع حركات أو تنقيط على الاسم، لأنهم يعتقدون أن الكاهن الأعظم هو الذي يستطيع أن ينطق باسمه، فقط عندما يعاد بناء الهيكل في القدس فوق قبة الصخرة بطبيعة الحال، أي بعد إزالتها إن تمكنوا من ذلك.

هذا العهد بين يهوه واليهود موجود ومحفوظ في تابوت العهد، ويقوم اليهود بنقل هذا التابوت في كل عهودهم، حتى في حرب حزيران حيث يعتقدون أنه سيساهم في نصرهم، وهذا الإله له مكان اسمه خيمة الاجتماع.

والمفهوم الآخر هو مفهوم الخروج، ويقابله في التاريخ الإسلامي مفهوم الهجرة من مكة للمدينة (فالهجرة في بعض النصوص تشير إلى أنها هجرة لبلاد الشام)، ومفهوم الخروج هو مفهوم سياسي. ويبقى المفهوم الأخير وهو مفهوم الأرض الموعودة، ويقول مناحيم بيغن رئيس حزب حيروت (أي الحرية) وزعيم العصابات المعروف مستشهداً بنص ديني: “لنهر الأردن ضفتان؛ الأولى لنا، والثانية أيضاً لنا”. ونشير إلى ما ذكرناه سابقاً عندما سئل بن غوريون عن حدود إسرائيل، فأجاب أن الجيش الإسرائيلي أفضل مفسر للتوراة في تعريف حدود إسرائيل: “فحيثما توقفت أحذية الجيش الإسرائيلي فثمة حدود إسرائيل”؟ والأمر قائم إلى اليوم، فعدم خروج المستوطنين الإسرائيليين من الضفة والقطاع هو أحد التفسيرات الدينية لأرض إسرائيل الموعودة تحت مسمى “يهودا والسامرة”. علماً أن النص التوراتي غامض في هذا المجال، فأحياناً هي تتسع من الفرات النهر الكبير إلى النيل نهر مصر وهو قطع عهد الرب إلى أبرام. ولكن بعض النصوص التوراتية تضيق من هذا الأمر ليكون من مصر إلى الأردن. وفي جميع الأحوال هي الأرض التي دخلها يشوع بن نون بعد وفاة موسى، وأقام عليها أول حضور لكيان سياسي لليهود في أرض كنعان، علماً أن النص التوراتي يشير إلى أن هذه الأرض أرض للكنعانيين والفرزيين والحثيين واليبوسيين.

وكل هذه المفاهيم وردت في كتاب هو التوراة، علماً أن اليهود يقرون بأن هناك توراتين: التوراة المكتوبة وهذه التوراة تلقاها موسى وحياً من الله، وهي توراة يعتقد المتشددون أن فيها ما يعلمه الله (يهوه) عن مستقبل اليهود ولذلك تسمى توراة موشيه أي توراة موسى. وهناك توراة (شبعل بيه) التوراة التي على الفم أي التوراة الشفوية، وما يعرف عندنا بالتلمود. وهناك من اليهود من يعتقد أن نصوص التلمود أيضاً نزلت على موسى وأنه أعطاها للاويين، وليوشع بعد ذلك، الذي أعطاها لمشايخ بني إسرائيل وبقي إلى اليوم محفوظاً كما هو، كما نقول نحن “التواتر” في السنن الذي لا يقبل القطع، هذه التوراة الشفوية هي ما يسمى التلمود ونصوص المشنا وما نسميه المثناة. ويقال إن سيدنا عمر قال: “أمثناة كمثناة اليهود؟”. والمشنا هي عبارة عن ستة كتب فيها شريعة تتعلق بالصلاة، والزراعة، والطهارة، والنساء، والعقوبات، وتسمى بالعبرية بالمنسوجات [المسكتوت] ويختصرونها بـ “شاس” وهو اسم أحد الأحزاب في إسرائيل. وهذه المشنا تولاها علماء بالشرح والتفسير، وهذا الشرح يسمى “غيمارا” أي الجمارة، وهي شرح للمشنا قامت بشرحه طبقة الأمورائيم باللغة الآرامية. هذه المشنا جاء حاخام (ربي) فرنسي اسمه راشي في القرن الخامس للهجرة أي الحادي عشر للميلاد، وقام بشرح المشنا والغيمارا، ويتميز بأن ثمة خطاً خاصاً به هو. وثمة تلمود بابلي وتلمود أورشليمي، أي تلمود صُنع في بابل، وتلمود آخر أقل حجماً وتلمود صيغ في فلسطين بطبريا، ولكن التلمود المعتمد هو التلمود البابلي.

إننا في البلدان العربية مطالبون بدراسة علمية لهذه المسائل والقضايا، فقد أنفقنا وقتاً طويلاً في ما لا طائل منه كـ “فطير صهيون” و”بروتوكولات حكماء صهيون” لم تعطينا معرفة حقيقية بتاريخ هذه الجماعة وأهدافها ودعاواها الحقيقية وخلفيتها الدينية والتاريخية. فنحن محتاجون إلى جيل من الباحثين ومراكز البحث الحقيقية التي تهتم بتاريخ اليهودية ومنابعها الأصلية، في ظل الحديث عن “الولايات المتحدة الإبراهيمية” و”اتفاقيات إبراهام”، وما يُعد من مشاريع للمنطقة استثماراً في الدبلوماسية الروحية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts