
إعداد
محسن الشوبكي
خبير أمنى واستراتيجي
المملكة الأردنية الهاشمية
السياق العملياتي: استباق التآكل في جبهة الدعم التقليدية عُقد في 31 كانون الأول (ديسمبر) 2025 لقاء غير معلن في ولاية فلوريدا، جمع رئيس وزراء الكيان الصهيوني “بنيامين نتنياهو” بعدد من قادة التيار الإنجيلي الأميركي، بترتيب من “مايك إيفنز”. يأتي هذا اللقاء في سياق إقليمي ودولي حساس أعقب حرب غزة، وشهد تصاعداً في الضغوط السياسية والإعلامية داخل الولايات المتحدة وأوروبا. وتكمن أهمية اللقاء في كونه يعكس توجهاً لإعادة تفعيل قنوات الدعم غير الحكومية، في ظل إدراك متزايد بأن صورة الكيان في الرأي العام الغربي باتت عنصراً حاسماً في قدرته على المناورة السياسية والعسكرية. وقد شدد نتنياهو خلال اللقاء على أن التحدي لم يعد محصوراً في المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى “الصراع على التفسير” (السردية)، محذراً من أن تراجع الدعم الشعبي قد ينعكس لاحقاً على قرارات الكونغرس والإدارات الأميركية المتعاقبة.
ديناميكيات اللقاء: توظيف المعتقدات الدينية في خدمة الأهداف الأمنية ركزت المداولات على الدور الذي يلعبه التيار الإنجيلي بوصفه أحد أكثر التيارات ثباتاً في دعم الكيان الصهيوني، سواء من حيث الثقل الانتخابي أو القدرة على التأثير السياسي غير المباشر داخل الحزب الجمهوري. ويشكل هذا الدعم ركيزة معنوية وسياسية في مواجهة الانتقادات المتزايدة؛ حيث يسعى الكيان من خلال هذا التحالف إلى الحفاظ على “العمق الاستراتيجي” الذي يضمن استمرار تدفق الدعم العسكري والسياسي دون قيود. ومن الناحية الأمنية، يعكس اللقاء تخوفاً من أن يؤدي تآكل القاعدة الشعبية مستقبلاً إلى تضييق هامش الحركة العسكرية أو فرض شروط سياسية قاسية، مما يجعل الحفاظ على الرابط الأيديولوجي مع الإنجيليين ضرورة أمنية قومية لتجاوز البيئة الدولية المعقدة.
تحدي التصدعات الجيلية: رصد التحولات في القواعد الشبابية الإنجيلية رغم تأكيد القيادات التقليدية على استمرار الدعم، إلا أن النقاش تطرق بوضوح إلى تحول تدريجي ومقلق داخل الأوساط الإنجيلية الشابة، التي باتت أقل تقبلاً للدعم غير المشروط وأكثر تأثراً بالخطاب الحقوقي المتصاعد. ويُظهر لقاء فلوريدا تحولاً جوهرياً في العقيدة الأمنية للكيان، حيث انتقل الثقل من حسم المعارك عسكرياً إلى ضرورة حماية مكتسباتها عبر “حرب الوعي”. وقد تُرجم هذا التوجه عملياً برصد ميزانية استثنائية لعام 2026 بلغت 750 مليون دولار، خُصصت لترميم الصورة الذهنية واستعادة الحاضنة الشعبية في أميركا. وتستهدف هذه الميزانية بشكل رئيسي تمويل خطة لاستضافة 1000 شخصية من قادة الرأي والمؤثرين الإنجيليين، بهدف إعادة “صهر وعيهم السياسي” وربطه بالرواية الأمنية للكيان، لضمان استمرار الغطاء الشعبي في مواجهة التهديدات الاستراتيجية طويلة الأمد.
المخرجات التنفيذية: “الدبلوماسية الشعبية” كأداة لاحتواء الضغوط الدولية ضمن مخرجات لقاء فلوريدا، تقرر تنظيم زيارات ميدانية متتابعة لمئات من القادة الدينيين والإعلاميين الإنجيليين، تهدف إلى إضفاء طابع معنوي ذي عمق ديني يربط بين “النبوءات” والواقع الأمني. ستتخذ هذه الزيارات شكل جولات في القدس ومناطق جغرافية مختارة، تتخللها جلسات إحاطة أمنية ونشاطات رمزية تهدف إلى نقل الرواية الصهيونية مباشرة إلى القواعد الشعبية في أميركا. ويتم تنظيم هذه التحركات عبر جهات غير حكومية لضمان مرونتها وصبغها بصبغة “التضامن الروحي” بعيداً عن الطابع السياسي الرسمي؛ مما يساهم في شحن القاعدة الإنجيلية عاطفياً وتحويلها إلى أداة ضغط شعبية تضمن الحفاظ على المصالح الحيوية للكيان الصهيوني في مواجهة التحولات الدولية.


