On Research

مقالات تحليلية

إعادة رسم خارطة الطاقة في المتوسط: قراءة تحليلية للتعاون بين بغداد ودمشق

Email :5

إعداد

عامر ديب

 باحث اقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري

سوريا 

 

 

في خطوة تحمل أبعاداً جيوسياسية تتجاوز حدود الاتفاقيات التجارية العابرة، أقرّ مجلس الوزراء العراقي في جلسته الأخيرة حزمة قرارات استراتيجية قضت بالموافقة على التعاقد مع الجانب السوري لنقل، وتخزين، ومناولة النفط الخام عبر مينائي بانياس وطرطوس، بالتوازي مع فتح مكتب تمثيلي لوزارة النفط العراقية في دمشق، وإطلاق خطة برية طموحة لرفع مستويات التصدير بالصهاريج إلى 420 ألف برميل يومياً على مراحل ثلاث.

هذا التحول الإجرائي يطرح تساؤلاً جوهرياً في سوق الطاقة الإقليمي: هل نجح العراق في الفكاك من أسر المضائق التقليدية وابتزاز خطوط الأنابيب السياسية، وماذا يعني هذا القرار لدمشق كعقدة ربط إقليمية؟

 كسر “الاحتكار الجغرافي” وعنق زجاجة هرمز

طوال العقود الماضية، ظل الاقتصاد العراقي رهينة لمعادلة جغرافية قاسية؛ فقرابة 90% من الصادرات النفطية الاتحادية (والتي تتراوح بين 3.3 إلى 3.5 مليون برميل يومياً) تتدفق عبر موانئ البصرة نحو مضيق هرمز. هذا الاعتماد شبه الكلي جعل شريان الحياة الاقتصادي للعراق مهدداً دائماً بالتوترات الأمنية والعسكرية في منطقة الخليج العربي.

ومع انسداد الأفق الشمالي للتصدير إثر توقف خط أنابيب “كركوك – جيهان” التركي منذ آذار 2023 -بسبب تعقيدات قانونية وخلافات مالية حول رسوم الترانزيت وأجور الشركات الأجنبية في إقليم كردستان- وجدت بغداد نفسها أمام حتمية البحث عن “ممرات بديلة” تحمي قرارها السيادي وتمنحها أوراق ضغط حقيقية في مفاوضاتها الإقليمية.

 المنفذ السوري: مرونة سياسية وتحديات لوجستية

يمثل التوجه نحو الموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط خطوة ذكية لإعادة التموضع الجيوسياسي. فخلافاً للعلاقة المعقدة مع أنقرة، تتسم العلاقات الراهنة بين بغداد ودمشق بانسجام سياسي يتيح صياغة تفاهمات مرنة وسريعة دون شروط سيادية قاسية. سوريا بالنسبة للعراق ليست مجرد ممر، بل هي بوابته الأقرب نحو الأسواق الأوروبية والغربية.

ولكن، بقراءة اقتصادية مجردة، يجب التمييز بين “تنويع الممرات” كأداة ضغط استراتيجية، وبين “الاستبدال الكامل”. فالاعتماد في المراحل الأولى على النقل البري عبر الصهاريج للوصول إلى سقف 420 ألف برميل يومياً يمثل تحدياً لوجستياً هائلاً من حيث التكلفة، وإهلاك البنية التحتية للطرق، والتأمين. أما الرهان الحقيقي فيكمن في المستقبل عبر إعادة تأهيل خط أنابيب (كركوك – بانياس) التاريخي، وهو أمر يتطلب استثمارات ضخمة وبيئة أمنية مستقرة تماماً، نظراً لمروره في مناطق تشهد توازنات دولية وعسكرية معقدة، فضلاً عن تحدي العقوبات الغربية المفروضة على دمشق.

 غايات جيوسياسية بامتياز

إن النتيجة الحتمية لهذه التحركات لا تعني أن العراق سيتخلى غداً عن مضيق هرمز، أو أنه سيغلق ملف خط جيهان التركي نهائياً؛ بل تعني أن بغداد نجحت في إنهاء حالة الاحتكار الجغرافي لخطوط طاقتها.

إنها استراتيجية “تنويع الممرات” التي غيرت وجه المعادلات؛ فالعراق اليوم يتفاوض مع الجانب التركي من موضع قوة، ويراقب التوترات في مضيق هرمز ببدائل جاهزة في الجيب، في حين تستعيد سوريا تدريجياً دورها التاريخي كلاعب حيوي وعقدة ربط أساسية في توازنات الطاقة في منطقة شرق المتوسط.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts