On Research

وحدة الدراسات السياسية

دعم الأقليات في السياسة الإسرائيلية على ضوء الاعتراف الإسرائيلي الأخير بأرض الصومال

Email :8

إعداد

دماني مصطفى كمال

باحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية  جامعة الجزائر

 

 

من السوابق السياسية في السياسة الإسرائيلية في الإقليم يبدو دعم ملف الأقليات وعموم ما يقوض الأمن المجتمعي وتماسكه في الدولة العربية كأحد الآليات المعتمدة في السياسة الإسرائيلية، وذلك لإضعاف محيطها ولاختراق الدول العربية لضمان أمنها من خلال العمل على ترهل الدولة العربية وفقاً للإدراك الجيو أمني الإسرائيلي، وهذا ما ظهر من خلال دعم إسرائيل لانفصال جنوب السودان في الظل، والدعم الإسرائيلي للكرد والدروز في سوريا، وآخر ما ظهر من إقرار إسرائيلي بأرض الصومال لغايات استراتيجية إسرائيلية وأخرى ترتبط بنظرة إسرائيل لدول المنطقة، وهذا ما سنسلط عليه الضوء في هاته الورقة بناءً على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال والاعتراف الآخر من أرض الصومال بإسرائيل والتعهد بسفارة في القدس انطلاقاً من الإشكالية التالية:

ما الغايات الإسرائيلية من اعتماد دعم ملف الأقليات في الدول العربية؟

اعتمدت هذه الدراسة على النظرية البنائية، التي تركز على دور الأفكار والهويات والقيم في تفسير الظواهر السياسية والعلاقات الدولية. وتساعد هذه النظرية في فهم كيفية توظيف الهويات العرقية والدينية في المنطقة العربية، من خلال دراسة بعض نماذج الدعم الإسرائيلي للأقليات، مثل الأكراد والدروز، إضافة إلى تحليل أثر عامل الهوية في قضية انفصال جنوب السودان.

تم الاعتماد في هذه الدراسة على المنهجين التاريخي والوصفي، نظراً لطبيعة الموضوع. فقد تم توظيف المنهج التاريخي لتتبع مراحل تطور الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان ورصد مختلف الأحداث والتطورات المرتبطة به، كما تم الاعتماد على المنهج الوصفي لعرض بعض نماذج الدعم الإسرائيلي للأقليات في المنطقة العربية وبيان خصائصها وأشكالها.

لا يبدو الإقرار الإسرائيلي الأخير باستقلال أرض الصومال عن الصومال حادثاً عرضياً في السياسة الإسرائيلية، بل يبرز كحلقة ضمن حلقات سابقة من الدعم لكل ما يهدد الأمن المجتمعي ويقوض الدولة العربية، وهذا ما برز ويبرز في شواهد سابقة وحالية تؤكد بأن دعم إسرائيل للأقليات في الدول العربية سياسة منتهجة لضرب التماسك الاجتماعي في الجغرافيا العربية والعمل على تفتيتها، وهذا ما تجلى في دورها السابق في الظل في انفصال جنوب السودان وفي دعمها للأكراد وفي الدروز بسوريا، وهذا ما سنستعرضه في هاته القراءة للتدليل على منهجية إسرائيل المعتمدة في ذلك انطلاقاً من دراسة حالات الدعم للأقليات في عديد الدول العربية لبلوغ أهدافها الاستراتيجية.

المحور الأول: نماذج للدعم الإسرائيلي للأقليات في المنطقة العربية

أولاً- نموذج جنوب السودان: مراحل تطور الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان

مر الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان بتسع مراحل، استطاع الطرف الإسرائيلي من خلالها تحقيق ما بدأ من أجله لتقسيم السودان، فمن خلال سياسة النفس الطويل استطاعت إسرائيل أن تنتقل في سياساتها من مرحلة إلى مرحلة لفصل الجنوب السوداني عن جمهورية السودان. وتتمثل هذه المراحل في التالي:

المرحلة الأولى: التطبيع والاحتواء

بدأت المرحلة الأولى للدور الإسرائيلي في السودان وفق المعلومات المتاحة منذ عام 1951م، حين تم الإعلان عن وجود بعثة تجارية إسرائيلية في الخرطوم قوامها خمسون شخصاً لشراء منتجات وبضائع السودان وإرسالها إلى إسرائيل، وذلك تفادياً للإجراءات التي تتخذها السلطات المصرية في مينائي السويس وبور سعيد، لمنع تهريب كل ما ينطوي تحت معنى الشؤون البحرية إلى إسرائيل. هكذا بدأت إسرائيل مرحلة التطبيع الأولى مع السودان، وسرعان ما تحولت سياسة التطبيع إلى سياسة الاحتواء المتمثلة باحتواء الأحزاب البارزة التي ستشكل الحكومة في السودان، وذلك لضمان إدارة الحكومة السودانية بما يتوافق مع السياسات الإسرائيلية، وضمان اعترافها بإسرائيل داخل الوطن العربي، وبالتالي إخراجها من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي.

ارتبطت البداية الفعلية لسياسة الاحتواء الإسرائيلية في السودان بالأجواء المصاحبة لثورة تموز – يوليو عام 1952م في مصر، وبنتائج العدوان الثلاثي (إسرائيل – فرنسا – بريطانيا) على مصر عام 1956م مروراً بإعلان نيله الاستقلال الوطني في عام 1956م، كما فتحت أبواب الاتصالات واللقاءات بين الجانبين الإسرائيلي والسوداني، وجاءت البداية مع حزب الأمة الإسلامي الذي التقى زعيمه بوفد من مسؤولين إسرائيليين في بريطانيا 17 حزيران/ يوليو عام 1954م، وقد تكشفت الاتصالات بين الكيان الإسرائيلي وحزب الأمة السوداني عشية العدوان الثلاثي على مصر.

وشملت تلك الاتصالات بعض الساسة السودانيين آنذاك مع “جولدا مائير” في باريس، وخلال تلك الاتصالات جرى البحث حول تقديم مساعدات إسرائيلية للسودان، وبعد انقلاب عام 1958م واستيلاء “إبراهيم عبود” على السلطة تغير الوضع تماماً، وفي ضوء هذا التطور بدأ الموقف الإسرائيلي يتغير ويتجه نحو الجنوب ولصالح إجراء اتصالات مع الزعماء الجنوبيين لتدعيم مساندة صراعهم مع الشمال.

المرحلة الثانية: إسرائيل ونظرية شد الأطراف في السودان

أقامت إسرائيل علاقة مع أحزاب الحكومة السودانية، وأقامت علاقات مع حركات التمرد في جنوب السودان، فتحولت من سياسة الاحتواء -نظراً لما وجدته من الرئيس “إبراهيم عبود”- إلى سياسة شد الأطراف ثم بترها، مستغلة التباين العرقي في السودان لتبدأ حلقة جديدة متمثلة بإجهاض موارد الدولة الوليدة لإبعادها عن الصراع العربي – الإسرائيلي.

بدأت المرحلة الثانية في الدور الإسرائيلي تتشكل في مطلع الخمسينات واستمرت طوال هذا العقد، وفي هذه الفترة اهتمت إسرائيل بتقديم المساعدات الإنسانية (الأدوية والمواد الغذائية والأطباء) وتقديم الخدمات إلى اللاجئين، الذين تدفقوا عبر الحدود إلى إثيوبيا فراراً بأرواحهم من مخاطر الحرب التي انفجرت في الجنوب. وفي هذه المرحلة أيضاً بدأت أولى المحاولات الإسرائيلية لاستثمار التباين القبلي في جنوب السودان نفسه، بالإضافة إلى استثمار التنافر والصراع الدائر بين الشمال والجنوب لتعمل على تعميق حدة وهوة هذا الصراع، ومن ثم دعم الجنوب ضد حكومة السودان، وفي هذه المرحلة أيضاً كانت بداية الاتصال بين إسرائيل وعناصر تمثل الزعامة لقبايل جنوب السودان، وتولى القيام بهذه الاتصالات من الأراضي الأوغندية العقيد باروخ “بارسيفر” وعدد آخر من أجهزة الاستخبارات الذين كانوا يعملون في أوغندا، وكانت هذه العناصر الجنوبية من أبناء الجنوب الذين كانوا يخدمون في الجيش السوداني.

المرحلة الثالثة: إعداد قادة سياسيين من أبناء الجنوب

لم تترك إسرائيل مكاناً للصدفة أو الحظ في جنوب السودان، وعليه فالأشخاص أنفسهم وتركيبتهم النفسية ضمن دائرة التخطيط الإسرائيلية، فصناعة القادة لها دور كبير من حيث قدرة القائد على تمرير الخطط الإسرائيلية كما يُرسم لها، فالمنصب المناسب الذي يخدم إسرائيل بحاجة إلى الرجل المناسب، وقادة الجنوب لم يُستثنوا من هذه الدائرة.

إن الملامح والمزايا الكامنة في شخصية “جرنج” عملت على لفت نظر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والعناصر الاستخباراتية الإسرائيلية الموجودة في الولايات المتحدة خلال فترة دراسته في أمريكا، وإن تلك العناصر تسابقت في ملاحقة حركته ونشاطه، ورصدت نمط حياته وسلوكه، حتى تتوصل إلى كيفية التعامل معه مستقبلاً ليكون قائداً له دور بارز في حركة تحرير السودان.

فقبل تحولهم إلى سياسيين ونخب لدولتهم الوليدة، كان زعماء التمرد في جنوب السودان جماعات عسكرية وظيفية، أوكلت إليهم إسرائيل ومن خلفها قوى غربية صاحبة اختصاص مفاقمة الأزمات لحكومة الخرطوم، وهو ما عبر عنه وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق “آفي ديختر” عندما قال:

“في ضوء تقديراتنا كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الاختصاص أن تتجه إلى هذه الساحة -جنوب السودان- وتعمل على مفاقمة الأزمات وإنتاج أزمات جديدة، حتى يكون حاصل هذه الأزمات معضلة تصعب معالجتها في ما بعد”.

إن حلقة شد الأطراف بدأت تتضح تجاه السودان، فالاستعدادات لهذه المرحلة قد تجهزت، فإسرائيل الآن أمام الجنوبيين هي ناصرة المستضعفين صاحبة الدعم الإنساني المهتم الأول بقضيتهم، أما الأمر الآخر هو القادة الجنوبيون الذين احتوتهم إسرائيل ودرست شخصياتهم التي تتوافق مع مكانهم المتمثل بتأجيج الصراع السوداني، هكذا يصبح السلاح في أيدي الجنوبيين بمكانه الصحيح في دوائر السياسة الإسرائيلية، وهكذا تجهز إسرائيل الأفراد الجنوبيين ليكونوا جنوداً لخدمتها.

المرحلة الرابعة: الدعم العسكري لحركات جنوب السودان

بدأت هذه المرحلة خلال الستينيات حيث بدأت إسرائيل بدعم قوات “الأنيانيا” وتدريبها، وخلال هذه المرحلة تبلورت رؤية إسرائيل التي ترى أن إشغال السودان في مثل هذا الواقع لن يترك له أي مجال لدعم مصر في أي عمل مشترك ضد إسرائيل، مما شجع إسرائيل على أن تبعث بعناصرها إلى الجنوب مباشرة للعمل تحت ستار تقديم الدعم الإنساني، لتبدأ بعدها بتقديم دعم من الأسلحة الروسية في عام 1962م لدعم حركة التمرد في الجنوب، وإن تلك الأسلحة كانت من الأسلحة التي غنمتها إسرائيل من مصر في حرب عام 1956م بالإضافة إلى الرشاش الإسرائيلي “عوزي”.

ترجع بدايات المرحلة الثانية الفعلية في دعم المتمردين بالجنوب السوداني إلى عام 1963م، بعد تأسيس حركة “الأنيانيا” في أغسطس من ذلك العام، وظهور التمرد المسلح في الجنوب. وقد استغلت إسرائيل حاجة قادة التمرد للسلاح والتدريب، فبدأت في إجراء اتصالاتها بالزعماء الجنوبيين من خلال سفارتها في كينيا بدايةً، ثم امتدت لتشمل أوغندا وإثيوبيا والكونغو، حيث أسهم الوجود الإسرائيلي المكثف في تلك الدول المحيطة بالسودان في توفير كل أسباب ومتطلبات التدخل والاتصال بسكان جنوب السودان، وكان هذا الاتصال هو بداية لدور إسرائيل في دعم حركات التمرد بين صفوف السكان. وقد اتسع نطاق هذا الدعم خلال تلك الفترة حتى أصبح سافراً في أهدافه ومراميه، ولم يتوقف إلا بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972م، فبدأت بمده بالسلاح عن طريق دول الجوار، خاصة إثيوبيا، والتي كان موقفها الرسمي يتجه نحو مساندة “جرنج”.

هكذا بدأت حركات الجنوب العسكرية تجد من يتكفل بدعمها للوقوف أمام الحكومة السودانية صاحبة الجيش والمؤسسات، والتي كانت ما قبل الاستقلال تتمثل في السودان الشمالي القوي والجنوب الفقير المتخلف، أما الآن وفي ظل الدور الإسرائيلي فالجنوب أصبح له قاعدة تضع أمامه خبرات صراع مع اثنتين وعشرين دولة عربية لصنع مستقبل مختلف.

واستمر تدفق الأسلحة من خلال وسيط إسرائيلي كان يعمل لحساب أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وقد تدفقت على الجيش الشعبي شحنات من الأسلحة الروسية التي استولت عليها إسرائيل في حرب 1967م وقامت طائرات شحن من طراز (DC-30) بإسقاط هذه الأسلحة والمعدات على ساحة المعسكر الرئيسي للمتمردين الجنوبيين في “أورنج – كي – بول”، وكانت هذه الطائرات تتجه إلى الجنوب السوداني عبر المجال الجوي جنوبي غرب إسرائيل وشمال أوغندا.

إن حلقات الدور الإسرائيلي في السودان وجنوبه لا تقف عند حدود السودان فقط، بل تتسع لتشمل دول الجوار التي صنعت إسرائيل منها عمقاً استراتيجياً يتم فيها تمرير المخططات الإسرائيلية للجنوب، كي يصعب على الحكومة السودانية الإحاطة بحلقات الدور الإسرائيلي وحصرها وبالتالي إفشال المخطط وعودة إسرائيل أدراجها في المنطقة. فإسرائيل عملت على دعم الجنوبيين من خلال شبكة قوية متماسكة قادرة على الإحاطة بمجريات البيئة السياسية في دول الجوار.

أوجدت إسرائيل شبكتها من خلال دول الجوار السوداني غير العربية، ففي عام 1969م كان قائد الجيش الأوغندي آنذاك “يدي أمين دادا” الذي كان على اتصال مع المخابرات الإسرائيلية، التي لمست عنده الرغبة في الإطاحة بحكومة “أوبوتي” عندما أعلن “أمين” نيته صراحة إلى ضباط الاتصال الإسرائيليين، وفي هذا الوقت اتصل “أمين” بالعقيد “جوزيف لاقو لونجا” الذي كان يعمل ضابط اتصال بين حركة “أنيانيا” والجهات العسكرية الأفريقية، وحسب رواية بعض المقربين من العقيد “لاقو لونجا”، طلب “يدي أمين” من المخابرات الإسرائيلية أن تمد حركة “أنيانيا” الجنوبية بأسلحة خفيفة على أن يتم توزيع هذه المعدات وإسقاطها بالطائرات الأوغندية في أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية في جنوب السودان، حتى يبرهن العقيد “لاقو” للجنوبيين بأنه استطاع أن يأتي بالأسلحة التي كانت الحركة بحاجة ماسة لها، وزودت إسرائيل المتمردين الجنوبيين بالأسلحة عام 1970م عبر أوغندا.

في بداية السبعينيات فُتحت بشكل رسمي نافذة أخرى للدعم الإسرائيلي للمتمردين في جنوب السودان، وهذه النافذة كانت أوغندا، وسيشار هنا إلى الدور الذي قام به “حاييم ماساتي” رجل المخابرات الإسرائيلي في سفارة تل أبيب في أوغندا والذي ارتبط بعلاقة وطيدة مع كثير من ضباط حركة “أنيانيا”، وعلى وجه الخصوص وزير دفاعها “فردريك ماجون”، كما تولى الملحق العسكري في كمبالا العقيد باروخ “باربيز” مهمة إيصال المساعدات إلى المتمردين في الجنوب.

المرحلة الخامسة: الاتصال الإسرائيلي المباشر بحركات جنوب السودان

أصبحت العلاقات بين إسرائيل وجنوب السودان في ظل المكشوف ومن دون أي وساطة، برسالة شخصية بعث بها “جوزيف لاقو” إلى “ليفي أشكول” رئيس وزراء إسرائيل بعد أيام من حرب عام 1967م عبر السفير الإسرائيلي لدى أوغندا، مهنئاً إياه بالنصر على العرب وواصفاً الإسرائيليين بأنهم شعب الله المختار، وقد لاقى ذلك الاتصال استحساناً وأذناً صاغية من “أشكول”.

وهكذا بدأت تتدفق على عناصر الجيش الانفصالي الأسلحة والعتاد الإسرائيلي من ثلاث قواعد أساسية في الدول المحيطة بالسودان، وعندما تسلم “أوري لوبراني” منصب سفير إسرائيل في أوغندا (1965-1966م)، ثم سفيراً لإسرائيل في إثيوبيا (1967-1972م) تطور هذا الدعم الذي أخذ آفاقاً جديدة من بينها انتقال ضباط وجنود من الوحدات الإسرائيلية الخاصة (المظليين) وقوات من اللواء “جولاني” لتدريب المتمردين في جنوب السودان، بالإضافة إلى استمرار تدفق الفصائل الجنوبية للتدريب في المعسكرات التي أقامتها إسرائيل في أوغندا وإثيوبيا وكينيا والعودة مرة أخرى إلى مواقعهم في الجنوب السوداني.

بدأت الدوائر الأخيرة من مخطط شد الأطراف في السودان تكتمل، فالاتصالات الآن أصبحت لا تحتاج إلى واسطة أو طريق غير مباشرة، فالقادة الجنوبيون أصبحوا متيقنين من الداعم الرئيسي لهم والمتكفل في احتياجاتهم، فأصبح الشكر واجباً عليهم، بل إنهم ربطوا أنفسهم بإسرائيل بعلاقة الخندق الإسرائيلي نفسه الذي يواجهون فيه نفس العدو في الصراع ضد العرب المختلفين عنهم والمضطهدين لهم، هكذا ربطت إسرائيل مشاعر الجنوبيين بها.

بعد أن أصبحت العلاقة مكشوفة لكلا الطرفين، تمثلت ملامح الدعم الإسرائيلي في الثمانينيات للجيش الشعبي خلال تلك الفترة في استقبال قياداته وضباطه للتدريب في إسرائيل على حرب العصابات، وإلحاق بعضهم بمعاهدها العسكرية. وفي نفس الوقت قامت إسرائيل بإرسال عدد من الخبراء العسكريين إلى جنوب السودان للمشاركة في وضع الخطط العسكرية للجيش الشعبي في مجابهته لجيش الحكومة المركزية، وقد وصل عدد هؤلاء إلى 300 خبير عام 2002م.

خلال هذه المرحلة تم إحضار مجموعات من المتمردين الجنوبيين إلى إسرائيل لتلقي التدريب وكان من بينهم العقيد “جوزيف لاقو” الذي مكث في إسرائيل ستة أشهر. وأسست إسرائيل خلال هذه المرحلة مدرسة خاصة لتدريب المشاة تخرج الكوادر العسكرية التي تقود حركة التمرد. وقد شاركت خبرات إسرائيلية بالفعل في بعض المعارك التي جرت في جنوب السودان.

وتشير بعض المصادر أن حركات التمرد طلبت من إسرائيل 4 ملايين دولار من أجل استرداد قاعدة “كبوسيتا” و”توريت” من أجل تعزيز حركة “جرنج” خلال مفاوضات السلام. غير أن حدوث الانقسام بين قادة الحركة خاصة بين “جون جرنج” و”رياك مشار” و”لام أكول” بعد تخلي “جرنج” عن مشروع الدولة المستقلة، جعل من إسرائيل تعمل على تعزيز علاقاتها مع الأطراف المختلفة مع “جرنج”، وفي هذه المرحلة برزت أيضاً الجهود التي بذلتها إسرائيل لعرقلة الدعم العربي لـ “جرنج”، وتعطيل العمل في قناة “جونجلي”، والتحذير من توطين العمال المصريين في جنوب السودان، وركزت إسرائيل على أهمية أن يكون الجنوب دولة مستقلة.

المرحلة السادسة: إسرائيل ونظرية بتر الأطراف في السودان

في هذه الفترة أصبحت حركات التمرد في جنوب السودان مشدودة إلى إسرائيل، نافيةً وطنها القديم السودان، متمسكةً بصناعة مستقبل مع شريك قوي يدعمها، فتوالت الزيارات بين الطرفين وأقيمت للجنوبيين معسكرات التدريب في الدول المجاورة، وبدأ عصر جديد مع صديق حميم يؤمن بحلم الحرية والاستقلال للجنوبيين، هذا ما يؤمن به الجنوبيون لكن ما يقوم به الإسرائيليون هو الأكبر، لأن الجنوب لا يمثل إلا حلقة من إحدى حلقات إضعاف وتقسيم الوطن العربي، وتحقيق المشروع الإسرائيلي “إسرائيل الكبرى”.

ثمة تطور مهم في استراتيجية التفكيك والتفتيت طرأ في السنوات الأخيرة، يتمثل في أن نظرية شد الأطراف لم تعد تستهدف فحسب استنزاف الطاقات العربية وتشتيتها بحيث تستهلك تلك الطاقات بعيداً عن ساحة المواجهة مع “إسرائيل”، وإنما تجاوزت المسألة هذه الحدود إلى ما هو أبعد وأخطر، بحيث تطورت فكرة شد الأطراف إلى “بتر” تلك الأطراف؛ بمعنى سلخ الأطراف غير العربية وفصلها عن الجسد العربي، من خلال التحالف مع دول الجوار.

أكد هذا المعنى الباحث الإسرائيلي “زئيف شيف” الذي ذكر أن استراتيجية شد الأطراف التي تم تبنيها في أواخر الخمسينات قد جرى تجاوزها، بحيث أصبح المرفوع الآن هو شعار البتر وليس الشد، وبمقتضى ذلك فإن الدعم الموجه إلى الجماعات العرقية أو الطائفية تحول، بحيث لم يعد يستهدف إضعاف الموقف العربي في مواجهة إسرائيل، وإنما أصبح الخطاب الإسرائيلي يولي أهمية خاصة لعملية “البتر” لتلبية طموحات الجماعات العرقية والدينية في الانفصال، وتشكيل الكيانات المستقلة عن الدول العربية.

لتحقيق الخطوات الأخيرة المتمثلة في ما بعد شد الأطراف وهي بتر هذه الأطراف، أُرسل عدد كبير من شباب الجنوب إلى إسرائيل للالتحاق بدورات عسكرية وأمنية مكثفة، واستطاعت الأخيرة تدريب حوالي 30 ألف متمرد في الحدود الأوغندية الشمالية، وفي شهر مارس عام 1994م أقامت إسرائيل جسراً جوياً إلى مناطق المتمردين، كما أوفدت الخبراء العسكريين لتدريب المتمردين، وتُوّج هذا التعاون بين الجانبين بإعلان اليهودي الجنوبي “ديفيد بسيوني” ترشيح نفسه لرئاسة حكومة الجنوب وكان ذلك عام 2001م، وكان من ثمار هذا التعاون أن أعلن متحف الهولوكوست في مدينة نيويورك تضامنه مع المسيحيين الجنوبيين، حيث قال الناطق باسم المتحف ما يلي: “إنهم يتعرضون للإبادة الجماعية والتطهير العرقي، كما قامت إسرائيل بإنشاء مدرسة لضباط المشاة في ونجي – كابول لتخريج الكوادر العسكرية لقيادة فصائل حركة التمرد في جنوب السودان”، وكانت عناصر إسرائيلية تشترك بالفعل في بعض الاشتباكات والمعارك مقدمة خبراتها للجنوبيين.

المرحلة السابعة: التعاون الأمني والاستخباراتي

يقول عميد الموساد السابق “موشيه فراجي” في دراسة له بعنوان (إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان) الصادرة عن مركز دايان في العام 2002م: “إن بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، أمر أجهزة الأمن بالاتصال بزعامات الأقليات في العراق والسودان وإقامة علاقات معها. وأقامت إسرائيل تاريخياً محطات اتصال في كل من إثيوبيا وأوغندا وكينيا والكونغو. والتركيز على دور إسرائيل الكبير والرئيسي بعد انفصال جنوب السودان وتحويل جيش الجنوب إلى جيش نظامي، خصوصاً أن تكوينه وتدريبه كادا يكونان صناعة إسرائيلية كاملة”. وأضاف أن التأثير الإسرائيلي على دور هذا الجيش سيكون ممتداً حتى الخرطوم، وحين يمتد التأثير الإسرائيلي إلى أرجاء السودان كافة، سيتحقق الحلم الاستراتيجي الإسرائيلي في تطويق مصر، ونزع مصادر الخطر المستقبلي المحتمل ضدنا.

ويذكر عميل الموساد أيضاً أن “جون قرنق” كان على علاقة قوية بإسرائيل، وأن أفراداً من الموساد شاركوا في سقوط عدد من مدن الجنوب في أيدي المتمردين في عام 1990م. وتشير بعض التقارير إلى أن حادث تحطم طائرة “قرنق” كانت تقف وراءه إسرائيل، بعدما بدأ يميل إلى وحدة السودان، ويبدو الدور الإسرائيلي في أزمة دارفور واضحاً جلياً، فلم تخفِ بعض قيادات فصائل التمرد صلتها بإسرائيل، ويعتبر أنصار اللوبي الإسرائيلي الأميركي أن نشاطهم بحملة إنقاذ دارفور كان وراء تشكيل رأي عام عالمي، لدفع المجتمع الدولي لاتخاذ قرار من الأمم المتحدة بإرسال قوات دولية إلى دارفور، كما تم اكتشاف شبكات لتهريب أسلحة إسرائيلية إلى المتمردين في دارفور.

كما اعترف الرئيس السابق للاستخبارات الإسرائيلية “عاموس يادلين” أيضاً في ديسمبر/ أيلول 2010م بمساعدة الانفصاليين في الجنوب بقوله: “إن رجاله أنجزوا عملاً عظيماً في السودان بنقل أسلحة لهم وتدريبهم ومساعدتهم على إنشاء جهازي أمن واستخبارات، ونشر شبكات إسرائيلية في كل من الجنوب ودارفور قادرة على العمل باستمرار”. أما وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي “آفي ديختر” فقال عام 2008م: “السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه يشكل عمقاً استراتيجياً لمصر، وقد تحول إلى قواعد تدريب لسلاحها الجوي وقواتها البرية بعد حرب 1967م وأرسل قوات إلى منطقة القناة خلال حرب الاستنزاف، وكان لا بد أن نعمل على إضعافه وحرمانه من بناء دولة قوية موحدة من أجل دعم أمننا القومي، فأقدمنا على خلق وتصعيد مشكلة دارفور لكي لا يجدوا وقتاً لتعزيز قدراتهم، وهي الاستراتيجية نفسها التي نفذناها في الجنوب ونجحت في تغيير اتجاه السودان نحو التأزم والانقسام وستنتهي الصراعات بتقسيمه إلى عدة كيانات. إن قدراً كبيراً من أهدافنا تحقق في الجنوب ولدينا الآن الفرصة لتحقيقه في دارفور”. وقد ورد كلام ديختر أثناء محاضرة رسمية ذكرتها العديد من الصحف العبرية الصادرة بتاريخ 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2008م.

وحتى لا يظن أحد أن المسؤولين الإسرائيليين يقولون ذلك من باب الدعاية لأنفسهم وتضخيم إنجازاتهم، يؤكد “جوزيف لاقو” قائد حركة التمرد الأولى بنفسه لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في 29 يناير/ كانون الثاني (2011م)؛ ومن مقر إقامته تحدث لاقو إلى الصحافية الإسرائيلية “دانا هيرمان” مراسلة الصحيفة العبرية عائداً بذاكرته إلى الوراء ليسرد تفاصيل العلاقات السرية بين حركته والدولة العبرية قبل ما يقرب من نصف قرن، ويذكر أن صحيفة هآرتس نشرت حوارها المطول مع “جوزيف لاقو” تحت عنوان (رجلنا في جوبا).

وقد أشارت في استهلالها إلى أن الجنرال المتقاعد تجول في عدد ليس بالقليل من الدول الأفريقية وغيرها بأسماء وجوازات سفر مستعارة، في محاولة لإخفاء هويته، فعندما سافر إلى أوغندا والكونغو تحرك باسم (تشارلز)، وفي روما كان معروفاً بـ (نيثان)، وفي مناطق أخرى حمل جواز سفر مزوراً باسم (ليونارد)، غير أنه عندما وصل إلى هدفه الأساسي من رحلاته المتتالية، استقبله عدد من جنود الجيش الإسرائيلي في مطار مدينة (اللد) وأمطروه بعبارات التحية، ولكن باسمه الحقيقي: (مرحباً جنرال جوزيف لاقو، لقد انتظرناك كثيراً).

وما جاء في الصحيفة أن إسرائيل زودت حركته بالسلاح؛ وكان لذلك الفضل فيما وصل إليه الجنوب الآن، وأن الجنوبيين لن ينسوا هذا لإسرائيل أبداً. قال لاقو إن العلاقات بدأت برسالة شخصية بعث بها إلى ليفي أشكول رئيس الوزراء، لكن أشكول مات وخلفته “غولدا مائير” التي حرصت على علاقات قوية مع لاقو، واهتمت أكثر بإبدائه الاستعداد للعمل على منع الجيش السوداني من الانضمام إلى الجيوش العربية في الحرب ضد إسرائيل، إذا حصل على مساعدة منها. ووفقاً لـ “هآرتس” دعت رئيسة الوزراء الإسرائيلية “غولدا مائير” “جوزيف لاقو” لزيارة إسرائيل والتقاها في القدس، واتفقا على صفقة أسلحة شملت قذائف هاون وصواريخ مضادة للدبابات ومدافع خفيفة من غنائم حرب 1967م، لكنها رفضت تزويده بأسلحة إسرائيلية الصنع حتى لا ينكشف دورها إذا وقعت في أيدي الجيش السوداني. وبعد وصول الأسلحة إلى جوبا زار الجنوب مستشار عسكري إسرائيلي وآخر فني وثالث طبي وتولوا تدريب المتمردين على استخدام الأسلحة وكيفية إدارة المعارك في الميدان. وعندما أغلق الرئيس الأوغندي “يدي أمين” السفارة الإسرائيلية وطرد الإسرايليين من بلاده بضغط من مصر وليبيا، جرى نقل الأسلحة الإسرائيلية عبر إثيوبيا وساهمت كينيا بتزويد الطائرات التي تنقلها بالوقود.

أزاح مؤسس حركة جنوب السودان الستار عن الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان معتبراً أن تل أبيب وضعت حجر الأساس لانفصال الجنوب عن الشمال، عندما نقلت غنائمها من الأسلحة في معارك 1967م إلى جنوب السودان. كما أشار قائد الحركة لاقو إلى دوره الوظيفي لمنع الجيش السوداني من الاتحاد مع الجيش المصري والجيوش العربية الأخرى ضد إسرائيل، كما فطن الإسرائيليون إلى قدرته على تشويش عمل الجيش السوداني إذا ما حاول دعم الجيش المصري أو العكس.

رغم هذه الكارثة التي حلت بالعرب، إلا أن الإسرائيليين استطاعوا إخفاءها في ظل الانشغال العربي، من خلال تصغير القضية المحورية ونقلها إلى العرب بصورة عابرة وكأن شيئاً لم يحدث، وهذا ما ورد عن المحلل السياسي الإسرائيلي “داني روبنشتاين” قائلاً: “إني أفهم المخاوف العربية ولا يمكنني أن أتجاهلها ولكنني عندما أسمع الطرف الآخر الذي يتحدث عن وزير الخارجية ليبرمان، الذي يقول بأننا وراء ذلك الإنجاز أعتقد أنه فقط كان سعيداً جداً بحيث أنه أشار إلى بعض إنجازات حكومته وأنا لا أود أن أدافع عن السيد ليبرمان فهو قد كان يتحدث منذ سنوات ماضية، وهذا لا معنى له كما تعلمون في إسرائيل في بعض الأحيان تكون لدينا حكومات من نوع معين، والطرف الآخر محق في قوله بأنا دعمنا المتمردين في جنوب السودان لكن ذلك لا يعطي تبريراً للحكومة السودانية بصفتهم أول طرف يعترف بجنوب السودان، هم يعرفون أننا لم نقف وراء ذلك وإنما الأمر راجع إلى خلافات عرقية ولغوية ودينية بين الشمال والجنوب، وهذا أمر لا علاقة لنا به فالجنوب مسيحي ووثني ولديه مشاكله الخاصة التي نحن لسنا مسؤولين عنها، وبالتالي بات الأمر بصفته يمثل تهديداً للعالم العربي أعتقد أنها مبالغة كبيرة جداً فهناك مخاوف كبيرة وتهديدات كبيرة تواجه العالم العربي عدا التهديدات القادمة من هذا البلد الصغير، أقول إن هذا البلد فقير جداً”.

وبتوقيع إسرائيل على أول اتفاقية مائية مع دولة جنوب السودان، تكون الدولة العبرية قد أمسكت مصر والسودان من خاصرتهما الرخوة، معلنة بنحو غير رسمي بدء مرحلة شد الخناق المائي عليهما، في حين يقف البلدان حتى اللحظة موقف المتفرج، لم تكد دولة جنوب السودان تعلن توقيع اتفاقية تعاون للبنية التحتية المائية والتنمية التكنولوجية مع إسرائيل، حتى علت الصرخات في كل من السودان ومصر بوصف ما جرى خطراً طارئاً يهدد الأمن المائي لكلا البلدين وينبغي التصدي له، متناسين أن هذه الاتفاقية لم تكن سوى تتويج لفشل البلدين في مراعاة مصالحهما. والأطماع الإسرائيلية في مياه النيل وموارد القارة الأفريقية ليست جديدة، والدولة العبرية لجأت منذ سنوات إلى تعزيز علاقتها بعدد كبير من البلدان الأفريقية حتى باتت تشكل حديقة خلفية لإسرائيل.

يعتبر انفصال جنوب السودان خطوة جديدة في حلقات جديدة داخل السودان، فالمخططات الإسرائيلية لم تنتهِ بانتهاء دورها في الفصل واستكماله بالتعاون مع الجنوب، بل انتقلت إسرائيل لتوسيع سياساتها في السودان لتكون أكثر وضوحاً في تدمير الأمن القومي العربي، فقد وصلت إلى أن تضرب عمق السودان ومن دون أي وسيط، فضرب الطائرات لمصنع اليرموك شكل خطوة متقدمة في الدور الإسرائيلي تسمى بالاستهداف المباشر، لتبديد قوة السودان أمام المخططات الإسرائيلية في المنطقة، والإخلال بتوازن القوى في الصراع العربي الإسرائيلي لصالحه.

المرحلة الثامنة: التهديد المباشر للحكومة السودانية

مثلت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مصنع اليرموك للسلاح في الخرطوم في نهاية تشرين الأول – أكتوبر 2012م تطوراً نوعياً في الاستهداف الإسرائيلي المباشر لأنشطة الحكومة السودانية، فكما يبدو أن إسرائيل أصبحت ترى أن السودان قد أسهم في فتح جبهة جديدة عليها تتمركز في قطاع غزة، التي تصلها الصواريخ عن طريق السودان، وكما تتمركز أيضاً السفن الإيرانية في منطقة البحر الأحمر بعد أن أصبحت تلقى تسهيلات في موانئها، ويزعم الإسرائيليون أن رئيس السودان البشير أعطى الإيرانيين الضوء الأخضر لإنشاء قواعد عسكرية إيرانية على التراب السوداني، كما ذكروا أن الصواريخ الإيرانية إذا ما تم نصبها في السودان فإن بوسعها ضرب جنوب ووسط إسرائيل.

اصطدمت إسرائيل في الآونة الأخيرة بدخول لاعب جديد في ساحة الصراع معها وهو الجمهورية الإيرانية الإسلامية، التي كانت داعماً لحكومة السودان في قتالها مع الحركات الجنوبية متخذة من السودان مرتكزاً لها ضد المخططات الإسرائيلية، وسيتم الحديث عن العلاقات السودانية الإيرانية في مبحث قادم، فتوجيه الضربة من إيران لإسرائيل كان من خلال غزة مروراً بالسودان، كذلك كانت ضربة إسرائيل لإيران من خلال السودان.

نظراً لأهمية المصنع المذكور في الأجندة الإيرانية، وحجم الضربة الاستخباراتية والعسكرية التي تلقتها إيران من جراء هذا الهجوم، قامت طهران بإرسال بعثة عسكرية بصورة طارئة إلى العاصمة السودانية الخرطوم استمرت لساعات بعد الهجوم. انتقلت البعثة برفقة رئيس هيئة الأركان بالجيش السوداني الفريق “عصمت عبد الرحمن” إلى المصنع المدمر من أجل دراسة أشلائه واستخلاص الاستنتاجات حول القدرات العسكرية للجهة الفاعلة والمخاطر التي قد يتعرض لها النظام الإيراني نتيجة هجوم مشابه على مفاعله النووي أو على مصانع مماثلة في بلدان أخرى في المنطقة. وحسب التقارير، تضمن الوفد قائد القوات الجوية الإيرانية الجنرال “حسن شاه صافي”، وقائد سلاح الجو في الحرس الثوري الإيراني الجنرال “أمير علي حاجي زاده”، ونائب قائد سلاح الجو بالجيش الإيراني لشؤون التنسيق العميد “عزيز نصير زاده”، وقائد الدفاع الجوي الإيراني العميد “فرزاد إسماعيلي” وغيرهم من كبار المسؤولين. تعتبر أكثرية الصواريخ التي تم إنتاجها في المصنع أُعدت كاحتياطي للحرب التي قد تخوضها إيران، والقسم الآخر معد لتمويل المنظمات الإرهابية -حسب وجهة النظر الإسرائيلية- لاسيما تلك القابعة في قطاع غزة من أجل تأمين استمرار قصف الأحياء المدنية والسكنية في جنوب إسرائيل منذ أكثر من عشر سنين. واستناداً لمعلومات استخباراتية، تم القضاء على المعدات الإيرانية لتصنيع الصواريخ كما تم إبادة كميات كبيرة من القذائف والصواريخ من نوع “شهاب”.

المرحلة التاسعة: تشديد الخناق على الحكومة السودانية

أصبحت حكومة السودان تقاتل وحيدة ضمن مراحل الخطط الإسرائيلية لتقسيمه وتبديد قوته، فما وجده الجنوبيون لم يجده الشمال من دعم الحلفاء، فإسرائيل ودول الجوار وبعض القوى العالمية كانت تدعم الجنوبيين عن طريق العراب الإسرائيلي، فالدول العربية منشغلة عن السودان ظناً منها أن سلامة أراضيها وأمنها القومي يعني الحدود الخاصة المرسمة استعمارياً، ومشكلة السودان هي شأن سوداني خاص بحدود السودان وحده، متناسيةً ما حدث في التقسيم الأول (فلسطين)، وما نتج عنه من حروب واحتلال لأراضي الدول العربية سابقاً وحاضراً ومستقبلاً، وما السودان إلا نتيجة من نتائج الإهمال العربي الأول في فلسطين، فما دام العرب يفكرون بالحلول الفردية فإن تقسيم الوطن العربي يصبح أسهل.

تعتبر مصر المتضرر الأكبر من حلقات الدور الإسرائيلي في جنوب السودان، لكن الدور المصري في المراحل الأولى زمن “عبد الناصر” -الذي أدرك معنى عمق مشاكل الوطن العربي التي لا تقتصر على حدود دولة عربية واحدة- قد انتهى مع نهايته، فإسرائيل تجني المكاسب، والعرب هم من يجنون الخسائر، فلطالما نظرت إسرائيل إلى مصر كأحد مهددات الوجود ومهددات الخطط الإسرائيلية في المنطقة، لذلك لا بد من تدمير هذا العدو للانفراد بالوطن العربي من دون أي منازع بعد تدمير العراق، فالطريق من بغداد إلى الخرطوم ستؤدي إلى القاهرة مروراً بدمشق وبيروت وغيرها من عواصم الدول العربية، وهذا ما تخطط إسرائيل من أجله وهذا ما صرح به قادتها، فالخرطوم قطعة دومينو لإسقاطها يجب إسقاط قطعة دومينو أخرى وسقوطها سيؤدي لإسقاط قطعة دومينو أخرى أيضاً.

وللانتهاء من الخطة الإسرائيلية وهي شد الأطراف ثم بترها، عملت إسرائيل بالضغط على الحكومة السودانية نفسها، وإخضاعها للتخلي عن جزء كبير من أراضيها، فالولايات المتحدة وإسرائيل مارستا ضغوطاً هائلةً على الرئيس السوداني “عمر البشير” من أجل توقيع اتفاقية السلام بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي نتج عنها إجراء استفتاء في الجنوب بحلول عام 2011م لتحديد مصير الجنوب. ولم يكتفِ التحالف الصهيو-أمريكي بالاتفاق الذي يتضمن الاتفاق على تقسيم السودان إلى دولتين: الأولى في الجنوب، والثانية في الشمال، حتى إن تم عن طريق استفتاء لتقرير المصير، بل شن هجمات إعلامية وسياسية ضارية ضد البشير، أبرزها مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية العام الماضي، بزعمِ ارتكابه جرائم حرب في دارفور.

وقد تم الاتفاق بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان في اتفاقية نيفاشا 7 يناير 2004م التي تعد بمثابة دستور للبلاد في السنوات الست القادمة لها، كما تضمنت اتفاق تقاسم السلطة والثروة وإجراءات تمهيدية للاستفتاء والانتخابات، وقد جرى الاستفتاء على الانفصال في 9-1-2011م وامتد لغاية 15-1-2011م، إذ بلغ عدد المصوتين على اللوائح الخاصة للتصويت (3947676)، وبلغت نسبة المصوتين منهم 97.5%، وهي نسبة مرتفعة جداً حيث صوت 98.83% للانفصال و1.17% لقار الوحدة، وبلغت نسبة المشاركين في الشمال 60% في حين نسبة التصويت 99%، وبذلك انفصل الجنوب مؤسساً دولته على الطراز الإسرائيلي من حيث أن الجنوب أصبح مختلفاً لغوياً ودينياً عن السودان وليس له تاريخ في امتلاك هذه المنطقة، وقد أُعلن عن الانفصال رسميًا في 9 يوليو من عام 2011م [1].

ثانياً- نموذج إقليم كردستان

كشفت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” لدعم انفصال إقليم كردستان، عن مخالفة الموقف الإسرائيلي لغالبية القوى الإقليمية والدولية الرافضة لإجراء الاستفتاء؛ إذ تسعى تل أبيب للاعتماد على كردستان للضغط على الداخل الإيراني، وتحفيز الأكراد في إيران وسوريا وتركيا على الانفصال، وتأسيس نطاق جغرافي عازل في مواجهة إيران، كما لا ينفصل الموقف الإسرائيلي عن تاريخ التعاون الوثيق بين إسرائيل وأكراد العراق.

يتضح الدعم الإسرائيلي لاستقلال كردستان من خلال عدة مؤشرات:

1- التصريحات الرسمية: أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” أكثر من مرة تأييده لانفصال إقليم كردستان العراق، وإنشاء دولة كردية في شمال البلاد، حيث صرّح في عام 2014م خلال كلمته بمعهد دراسات الأمن القومي بتل أبيب بأن “الأكراد شعب مقاتل وعصري على الصعيد السياسي، ولهم الحق في استقلال سياسي”، مما أثار حفيظة بغداد آنذاك.

كما جدد موقفه خلال استقباله وفداً من الكونجرس الأمريكي، في 13 أغسطس 2017م، وأكد أنه يدعم استقلال الإقليم عن العراق، لأن الشعب الكردي شجاع ومُوَالٍ للغرب، ويتقاسم نفس القيم مع إسرائيل، وقد احتفى الأكراد بهذه التصريحات عبر رفع علم إسرائيل في تظاهراتهم المؤيدة للاستقلال بأربيل وعدد من العواصم الأوروبية التي توجد فيها جاليات كردية كباريس وبروكسل وبرلين.

هذا وقد قام عددٌ من السياسيين الإسرائيليين بالدفاع عن استقلال إقليم كردستان العراق؛ حيث أجرى وزير الخارجية الإسرائيلي السابق “أفيجدور ليبرمان” في عام 2014م اتصالاً هاتفياً بنظيره الأمريكي آنذاك “جون كيري”، ليحثه فيه على تغيير موقف واشنطن من استقلال كردستان، على اعتبار أن العراق مقسم عملياً، بينما اعتبرت وزيرة القضاء الإسرائيلية “إيليت شكيد” (القيادية بحزب البيت اليهودي) في سبتمبر 2017م، أن من مصلحة إسرائيل والولايات المتحدة قيام دولة للأكراد في المنطقة، على أن تكون بداية في العراق.

2- الاتصالات المستمرة: هناك علاقات تاريخية ممتدة بين أربيل وتل أبيب تؤكد دعم كلٍّ منهما للآخر، حيث بدأت دولة إسرائيل في إجراء اتصالات سرية مع أكراد العراق منذ عام 1948م، ومع حلول عام 1965م أصبحت العلاقات مباشرة بين قيادة الحركة الكردية بالعراق و”ديفيد كمحي” أحد أبرز الدبلوماسيين الإسرائيليين، والذي أكد استعداد إسرائيل لتقديم الدعم العسكري والمالي للأكراد للاستقلال عن العراق.

وقد كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية في عام 2004م عن عقد اجتماعات بين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق “أرييل شارون” وقياديين كرديين هما “مسعود برزاني” و”جلال طالباني” لبحث التعاون بينهما، كما أعلن “مسعود برزاني” في عام 2006م عن ترحيبه بفتح قنصلية إسرائيلية في أربيل عاصمة كردستان. وتشير بعض التقديرات إلى أن كردستان يوجد بها ما يتراوح بين 400 إلى 730 عائلة يهودية، وخلال عامي 2014م و2015م قدمت وكالة الغوث الإسرائيلية مواد إغاثة للاجئين بإقليم كردستان، ورحبت أربيل بذلك.

3- الدعم الإعلامي: بدأت الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية مؤخراً حملات واسعة للإعلان عن تأييد انفصال كردستان العراق، حيث أكدت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية أن كردستان هي المكان الوحيد في الشرق الأوسط الذي أصبح يرفع علم إسرائيل، وعلى تل أبيب دعمهم حتى الحصول على استقلالهم.

كما أن الصحافة الإسرائيلية قد بدأت شن هجوم حادٍّ على تركيا لرفضها انفصال إقليم كردستان العراق؛ حيث اتهمتها صحيفة “جيروزاليم بوست” بأنها دولة “غير ديمقراطية لا تحترم مبدأ تقسيم السلطة”، لذلك تعارض بشدة استقلال الإقليم.

وقد انقسم الأكراد حول الدعم الإسرائيلي لمطلبهم بالانفصال عن العراق؛ حيث رفض البعض التدخل الإسرائيلي في المسألة الكردية، لأنه سيُضعف الموقف الكردي، وسيعمل على استعداء الدول العربية ضد الدولة الكردية، بينما رحب به آخرون، ووجدوا في إسرائيل حليفاً مستقبلياً داعماً لهم.

توجد العديد من الدوافع التي تحفز إسرائيل إلى تأييد انفصال إقليم كردستان العراق، ومنها:

1- توسيع النفوذ الإقليمي: تسعى تل أبيب دائماً إلى بسط نفوذها الإقليمي في مناطق جديدة، ومن هذا المنطلق تدعم استقلال كردستان الذي سيضمن لها وجود دولة شرق أوسطية حليفة دائمة لإسرائيل، فلا توجد أي دولة عربية أو شرق أوسطية تؤيد استقلال الإقليم سوى إسرائيل.

وُينذر هذا الدعم الإسرائيلي بوجود تحالف مستقبلي بين أربيل وتل أبيب، مما يصبُّ في مصلحة الطرفين، حيث تسعى إسرائيل للارتباط مع الدولة الكردية الجديدة -حال إعلانها- بشراكة استراتيجية تُقلص من عزلتها، وتزيد من أوراق الضغط بيدها على القوى العربية والإقليمية، وستضمن لها محاصرة سوريا والعراق، وكذلك محاصرة تركيا وإيران.

2- استمرار التعاون الاستخباراتي: تشير بعض التحليلات إلى وجود تعاون استخباراتي وأمني بين أكراد العراق وجهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد” منذ فترة الستينيات، الذي كان يهدف لاستخدامهم كمنطقة عازلة تفصل بين إسرائيل والدول العربية، واستمر ذلك التعاون على مدى العقود الماضية، وأصبح إقليم كردستان العراق إحدى ساحات العمل النشطة لعناصر الأمن والمخابرات الإسرائيلية، حيث يُمكِّن موقع الإقليم المرتفع -بفعل طبيعته الجبلية- من مراقبة الأوضاع في إيران وسوريا وتركيا.

وتشير بعض الصحف الإسرائيلية إلى أن العديد من الشركات الإسرائيلية في كردستان يديرها ضباط متقاعدون في الاستخبارات الإسرائيلية، وقد كشفت مجلة “إسرائيل كورد” التي تصدر في أربيل ولها مقر في إسرائيل، عن إبرام اتفاق بين زعيم الإقليم “مسعود برزاني” و”نتنياهو” تقوم إسرائيل بموجبه بنقل 200 ألف يهودي كردي للإقليم فور إعلان استقلاله عن العراق للاستثمار والعمل في بناء الدولة.

3- الضغط على تركيا وإيران: تسعى إسرائيل للضغط على إيران عبر محاصرتها عن طريق كردستان، ودعم الحركة الكردية الإيرانية التي تعاني من القمع المستمر في ظل نظام الحكم القائم بإيران، كما أن هناك عداء متصاعداً بين إسرائيل من جانب وإيران وحلفائها في المنطقة خاصة “حزب الله” اللبناني من جانب آخر، وفي حالة تجدد الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” فإن تل أبيب ستحصل على الدعم العسكري من الدولة الكردية الناشئة، وعلى الرغم من العلاقات الجيدة المعلنة بين أنقرة وتل أبيب إلا أن التنافس بينهما مستمر في الخفاء.

وترفض إيران إقامة الدولة الكردية نظراً لسيطرة أكراد العراق على المناطق الحدودية بين إيران وسوريا، وهي المناطق التي تسعى إيران للسيطرة عليها لجعلها ممرًّا أرضيًّا إيرانياً، بينما يأتي الرفض التركي لانفصال كردستان لعدم الرغبة في تصاعد المطالب الانفصالية لأكراد تركيا بدعم من حزب العمال الكردستاني التركي.

وتشير بعض التحليلات إلى احتمالية أن تقوم إسرائيل بدعم الحركات الانفصالية في الدولتين، وتأمين الدعم لهما عبر الدولة الكردية الجديدة التي من المتوقع أن تعزز علاقاتها مع إسرائيل فور قيامها.

4- تأمين العمق الاستراتيجي: ستعمل إسرائيل على تعزيز التعاون الأمني مع الدولة الكردية الناشئة، مما سيمكنها من تأمين حدودها، ومواجهة تهديدات التنظيمات الإرهابية الزاحفة من سوريا والعراق، وربما تقوم إسرائيل بإنشاء قواعد أمنية ولوجيستية وربما عسكرية في كردستان العراق، مما يتيح لإسرائيل قصف إيران وسوريا بسهولة أكبر في حال نشوب حرب مع أي منهما.

5- تعزيز التعاون الاقتصادي: تسعى إسرائيل لتعزيز الاستفادة من مشروعات التعاون الاقتصادي في مجالات: الزراعة، والتعدين، والتنقيب عن النفط، والسياحة، كما ترغب إسرائيل في تطوير البنية الصناعية بالإقليم، خاصة في الصناعات التحويلية. وتقوم شركات إسرائيلية بتنفيذ مشروعات إسكانية وأخرى خاصة بالبنية التحتية والمرافق العامة والطرق في إقليم كردستان [2].

ثالثاً- نموذج الدروز

تحركت إسرائيل سريعاً للعب على هذه الورقة من أجل التوسع في الجنوب السوري، بشكل يضمن إقامة منطقة آمنة منزوعة السلاح في مرتفعات الجولان، وبالتالي القضاء على خطر الهجمات التي كانت تنطلق من تلك المنطقة باتجاه تل أبيب.

ومن هنا، وتحت ذريعة تقديم الحماية الإنسانية استغلت تل أبيب الاشتباكات الدامية التي وقعت في يوليو الماضي بمحافظة السويداء الجنوبية ذات الأغلبية الدرزية، من أجل التوغل البري في إقليم الدولة السورية، وشن ضربات عسكرية موسعة غير مسبوقة، وصلت إلى حد استهداف مقر وزارة الدفاع السورية وكذلك قصر الرئاسة.

وقد بررت إسرائيل هذا الانتهاك الصارخ للسيادة السورية بالدفاع عن الأقلية الدرزية ضد الاضطهاد الذي تمارسه إدارة الشرع بحق هذه الأقلية التي تمثل عنصراً شديد الأهمية بالنسبة للأمن القومي الإسرائيلي، وهذا ما انعكس في تصريحات الإدارة الإسرائيلية؛ حيث صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” بأن: “لن تسمح إسرائيل بإلحاق الأذى بالدروز في سوريا، انطلاقاً من التزامها العميق تجاه إخوانها الدروز”، مشدداً على أن “إذا أساء النظام السوري إليهم، فسوف ترد تل أبيب بقوة”.

توعد وزير الدفاع الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” بمواصلة مهاجمة قوات الحكومة السورية حتى تنسحب من السويداء، منوهاً بأن أي تدخل من قبل حكومة دمشق ضد الدروز سيُقابل بهجوم إسرائيلي على دمشق. [3]  

رابعاً- نموذج أرض الصومال

اعترفت إسرائيل رسمياً بجمهورية أرض الصومال (صوماليلاند) كدولة مستقلة في 26 ديسمبر 2025م، لتصبح أول دولة عضو في الأمم المتحدة تتخذ هذه الخطوة. تضمن هذا الدعم توقيع اتفاقية اعتراف متبادل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة شملت تعيين سفراء وافتتاح سفارات، حيث افتتحت أرض الصومال سفارة لها في القدس في مايو 2026م.

أوجه الدعم والتعاون الحالية:

  • التمثيل الدبلوماسي: عيّنت إسرائيل في 26 أبريل 2026م “مايكل لوتيم” سفيراً غير مقيم لدى الإقليم.
  • التعاون الأمني والعسكري: تشير تقارير إلى وجود تعاون أمني يشمل تدريب ضباط من أرض الصومال في إسرائيل.
  • الدعم الاقتصادي واللوجستي: أعربت إسرائيل عن استعدادها لتوسيع العلاقات الاقتصادية والاستثمار في ميناء بربرة الحيوي، الذي تراه إسرائيل موقعاً استراتيجياً لتأمين الملاحة في البحر الأحمر ومواجهة التهديدات (مثل الحوثيين).
  • مجالات تقنية: يشمل التعاون المستقبلي مجالات الزراعة والملاحة البحرية ومكافحة الإرهاب.

الدوافع الإسرائيلية:

  • الموقع الاستراتيجي: القرب الجغرافي من مضيق باب المندب ومناطق سيطرة الحوثيين في اليمن يوفر لإسرائيل خيارات لوجستية وعملياتية قريبة.
  • اتفاقيات أبراهام: تم الاعتراف “بروح اتفاقيات أبراهام” لتعزيز الحضور الإسرائيلي في القرن الأفريقي وبناء شراكات مع كيانات ذات أغلبية مسلمة. [4]

من خلال رصد وقراءة السلوك الإسرائيلي في عديد الفضاءات الجغرافية، يتجلى وبوضوح اعتماد إسرائيل وبشكل واضح على ما يفكك الأمن المجتمعي، وهذا على ضوء ما تم استعراضه من خلال دورها الخفي في انفصال السودان والدعم للأكراد لاستنزاف دول المنطقة وتأجيج السلم الأهلي في جوارها، وفي التعاطي مع الدروز في سوريا بدواعي حقوقية، غير أن الواقع يفند ذلك من خلال محاولتها فرض واقع جغرافي جديد بعد توسعها في الجغرافيا السورية عقب سقوط النظام في دمشق، مما يؤشر إلى مقاربة إسرائيل الإقليمية.

المحور الثاني: الأهداف الإسرائيلية من دعم الأقليات

في ضوء ما تقدم من خلفية تاريخية حول أصولية الرغبة الإسرائيلية الملحة في التحالف مع الأقليات العرقية والإثنية والطائفية المتواجدة في إقليم الشرق الأوسط، يجعل مؤتمر “مستقبل الأقليات في الشرق الأوسط” الذي استضافته تل أبيب في الآونة الأخيرة، بمثابة تحول استراتيجي يجب الوقوف أمامه ومحاولة استقراء الأهداف والمصالح التي قد تحصل عليها إسرائيل جراء استغلال ورقة الأقليات، وفي هذا الإطار يمكن إيجاز أبرز وأهم تلك المصالح على النحو التالي:

  1. 1. تغيير خريطة الشرق الأوسط على نحو يخدم رؤية “إسرائيل الكبرى“:

 تسعى تل أبيب إلى إعادة رسم حدودها الجغرافية القائمة، من خلال ضمها لأجزاء من دول جوارها الجغرافي، مما يحقق لها مصالح أمنية حيوية تتمثل في حماية أمنها القومي ومنع تكرار سيناريو السابع من أكتوبر 2023م مجدداً، ومصالح سياسية تتمثل في خدمة مشروع “إسرائيل الكبرى” التوسعي.

وانطلاقاً من ذلك؛ تسعى إسرائيل إلى استغلال ورقة الأقليات من أجل تفتيت الدول العربية المحيطة بها، سواء سوريا أو لبنان أو فلسطين أو الأردن، على أساس طائفي وعرقي وإثني، أي استبدال الهوية الاجتماعية الموحدة للمجتمعات العربية بهويات فرعية متباينة في الأهواء والمصالح والأهداف، مما يخدم فكرة تقسيم تلك الدول وتحويلها إلى كيانات أصغر يسهل السيطرة عليها والتحكم فيها.

وفي إطار هذه الرؤية، يمكن فهم وتفسير إصرار الحكومة الإسرائيلية على تهجير الفلسطينيين من أجل ضم مزيد من الأراضي المحتلة، والرفض الإسرائيلي للانسحاب من خمس مناطق في لبنان حتى الآن، وانتهاكاتها السافرة للسيادة السورية من خلال توغلاتها البرية وهجماتها الجوية في مناطق الجنوب السوري. ويمكن الاستدلال على هذا الأمر من خلال تمعن النظر في بعض التصريحات التي يطلقها الجانب الإسرائيلي وكذلك الأمريكي في هذا الشأن.

2.خدمة التوغل الإسرائيلي في قلب الدول العربية وتعزيز نفوذها في الإقليم:

 تسعى إسرائيل، من خلال تحالفها مع الأقليات، إلى ترسيخ دورها كفاعل حيوي ومؤثر في المنطقة، مما يعزز نفوذها في الشرق الأوسط، وذلك على حساب القوى الإقليمية الأخرى المنافسة لها مثل إيران وتركيا، حيث:

  • من خلال التقارت مع الأقليات، تحاول تل أبيب أن تظهر بمظهر الحامي لهذه الأقليات، وتبرير تدخلها وتواجدها في دول مثل سوريا ولبنان تحت شعار “الحماية الإنسانية للأقليات العرقية المعرضة للاضطهاد”، ولا شك أن هذا الستار يشرعن ويقنن تدخلات إسرائيل في الشؤون الداخلية لبعض دول محيطها العربي، ومن ثم تعزيز هذا التواجد والإيحاء بأنه بات مقبولاً من تلك الأقليات أيضاً.
  • تسعى إسرائيل من خلال الدعم الذي تقدمه لهذه الأقليات، إلى تحويلهم إلى أدوات نفوذ إسرائيلي داخل الدول التي يتواجدون بها، وبالتالي قدرتها على تحريكهم وفقاً لمصالحها وأهدافها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وتوظيفهم سياسياً لخدمة أغراضها التوسعية في الإقليم.
  • تحاول تل أبيب من خلال استضافتها لمؤتمر الأقليات، وعبر ما خرج عنه من توصيات، إعادة تعريف نفسها في محيطها العربي، وتغيير صورتها من “دولة احتلال” إلى “دولة حامية للأقليات المضطهدة” من محيطها العربي، وبالتالي تحاول تل أبيب أن تغير الرأي العام العربي بشأنها ورفع درجة تقبلها من محيطها الإقليمي.
  • تحاول إسرائيل أن تلعب دور المتحدث باسم أقليات الإقليم المهمشة، مما قد يمنحها الحق في الحديث باسمهم في المحافل الإقليمية والدولية، ومن هنا قد تتحول الأقليات إلى ورقة ضغط في يد إسرائيل ضد الدول العربية التي تتواجد فيها تلك الأقليات.

فعلى سبيل المثال، لا شك أن تل أبيب تستخدم الدروز في الجنوب السوري كورقة ضغط على إدارة “أحمد الشرع”، خلال المفاوضات التي تجمع الدولتين بوساطة الولايات المتحدة، والهادفة للتوصل إلى اتفاق أمني يضبط الحدود بين دمشق وتل أبيب، إذ تلعب إسرائيل بهذه الورقة لإرغام النظام السوري على تقديم تنازلات سياسية وأمنية عدة ترفضها دمشق، وتطالب بها حكومة نتنياهو.

3.إضعاف الدول العربية وتهديد وحدتها:

تعلم إسرائيل جيداً أنها غير مقبولة في محيطها الإقليمي وخصوصاً على المستوى الشعبي، نظراً لأنها دولة احتلال متهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني، وهذه حقيقة أثبتتها حرب غزة بما لا يدع مجالاً للتشكيك أو المراوغة من جانب تل أبيب.

كما تدرك إسرائيل أيضاً أنها لن تستطيع مواجهة الدول العربية في صورتها الموحدة، وأن استقرارها وأمنها لا يمكن أن يتحقق في محيط عربي موحد، بل في بيئة عربية مفككة، تقوم على كيانات طائفية وعرقية يقاتل بعضها البعض. ولذلك تحاول إسرائيل إضعاف الدول العربية المحيطة بها، وذلك من خلال سيناريو التقسيم وجر تلك الدول للتورط في خلافات عرقية ودينية لا تجدي نفعاً لأي أحد غير إسرائيل، وذلك عبر تغذية النزعات الانفصالية، والترويج لفكرة الانتماء إلى هويات إثنية وعرقية ضيقة بدلاً من الانتماء لهوية مجتمعية واحدة.

ويمكن الاستدلال على صحة هذه الرؤية من خلال التوصيات التي خرج بها المؤتمر، والتي دعت إلى فكرة انفصال الأقليات عن دولها الوطنية تحت شعار “الحق في تقرير المصير”، وهذا بالضبط ما حدث في أزمة السويداء السورية، والتي استغلتها إسرائيل لتبرير وجودها في جنوب البلاد، كما دعت إلى أحقية الدروز في تقرير مصيرهم، وما إذا كانوا يرغبون في الاستقلال عن الدولة السورية، والاندماج مع تل أبيب.

4.الترويج لرؤية شيمون بيريز بشأن “السلام الاقتصادي”

باتت إسرائيل تدرك أن نفوذها العسكري والأمني القائم على الاحتلال والتوغل الحدودي في جغرافيا دول جوارها العربي لا يكفي لتحقيق رؤيتها التوسعية، وأنه بات غير مقبول لا من الداخل الإسرائيلي أو الخارج الإقليمي، وإنه يكلفها كثيراً.

ومن هنا تحاول إسرائيل من خلال تحالفها مع الأقليات التوغل اقتصادياً واجتماعياً في البناء المجتمعي للدول التي تتواجد بها تلك الأقليات، أي ربط احتياجات تلك الجماعات بإسرائيل، ومن ثم اكتساب نفوذ اقتصادي يمهد لربط اقتصاد الدول العربية التي تضم هؤلاء بالاقتصاد الإسرائيلي، وهذا بالتأكيد يمنح تل أبيب نفوذاً وسيطرة على هذه الدول دون تحمل عبء وضغط احتلالها عسكرياً أو أمنياً.

  1. الترويج لنموذج الدولة العرقية بما يخدم إسرائيل كدولة دينية قومية:

لطالما صورت إسرائيل نفسها على أنها دولة يهودية تتعرض للاضطهاد، واستغلت كثيراً ذريعة “معاداة السامية والمظلومية” لتبرير تصرفاتها غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك في دول جوارها العربي، وبالأخص في سوريا ولبنان.

وبما أن إسرائيل دولة تقوم على أساس ديني وهو ما تجلى منذ اللحظة الأولى لنشأة دولة إسرائيل بإعلان “إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين”، وبما أن اليهود يعتبرون من الأقليات المتواجدة في المنطقة، فما كان لإسرائيل أن ترسم خريطة الشرق الأوسط الجديد الذي تروج له هي وحليفتها الولايات المتحدة، إلا من خلال إعادة رسم الخريطة السياسية للدول العربية على أساس طائفي وعرقي، بحيث تتحول كل طائفة أو عرقية إلى كيان سياسي مستقل، لتصبح الدول العربية عبارة عن دويلات عرقية صغيرة، فيما تبقى إسرائيل هي الدولة الدينية القومية الوحيدة في المنطقة.

وهذا ليس بفكر جديد، بل إنه جزء أساسي من العقيدة الإسرائيلية، ويمكن الاستشهاد بما تضمنه مقال نُشر في صحيفة “DAVAR” الإسرائيلية في 14 أبريل 1981م، والذي أشار إلى أن: “إسرائيل، ولكونها دولة يهودية في الشرق الأوسط، لها الحق المشروع في الدفاع عن أية الأقلية قومية أو إثنية أو دينية في المنطقة، فمن مصلحة إسرائيل أن تشارك في الحفاظ على النسيج التعددي للشرق الأوسط لكونه أساس وجودها وأمنها، فمن حق إسرائيل منع السيطرة العربية والإسلامية على مختلف الأقليات التي تعيش في المنطقة”.

6.تهديد الأمن القومي للقوى الإقليمية المنافسة لإسرائيل في الإقليم:

 تسعى تل أبيب من خلال دعم الأقليات إلى كسب ورقة ضغط ضد منافسيها الإقليميين في الشرق الأوسط؛ فمثلاً، من خلال الدعم الإسرائيلي للأكراد وتأييد رغباتهم الانفصالية، أصبحت هناك ورقة ضغط في يد إسرائيل يمكن أن تستغلها في تهديد تركيا أو الحصول منها على تنازلات وخصوصاً في الملف السوري. كما أن نجاح مشروع الدولة الكردية لا يهدد فقط تركيا، بل يهدد وحدة وسلامة أراضي كل من العراق وإيران وسوريا، ومن ثم فإن ورقة الأكراد تحقق الكثير من المكاسب بالنسبة لإسرائيل؛ حيث إنها تزيد من تعقيد الحسابات الاستراتيجية الإقليمية لكل من طهران وأنقرة، وفي نفس الوقت تخدم مشروع “إسرائيل الكبرى” عبر تفتيت وحدة أراضي أربع دول محيطة بتل أبيب، وبالتالي فإن نجاح رؤية “كردستان الكبرى” التي تدعمها إسرائيل من شأنه أن يعيد تشكيل خريطة الإقليم بأكمله على النحو الذي ترغب فيه تل أبيب .

نفس الأمر بالنسبة للدروز؛ حيث إنهم يمثلون عنصراً هاماً للغاية في معادلة الأمن القومي الإسرائيلي، وذلك نظراً للتقارب والتجاور الجغرافي بينهم وبين تل أبيب، ومن ثم ترغب إسرائيل في التقارب معهم حتى تكسب تعاونهم أو على الأقل حيادهم، وبالتالي حماية حدودها وأمنها الإقليمي، وكذلك ضمان ألا يكونوا أداة لتهديد الاستقرار الأمني في يد أي قوة أخرى تعادي أو لا تُعتبر صديقة لإسرائيل.

وبخلاف المكاسب الأمنية، هناك مكاسب سياسية واستراتيجية تحصل عليها تل أبيب من تقاربها مع الدروز ودعمهم، وعلى رأسها منح إسرائيل المبرر القانوني الذي يمكن أن تعول عليه لتبرير توسعها البري في الجنوب السوري، وهو ورقة “تقديم الحماية الإنسانية للطائفة الدرزية والدفاع عنها” وسط ترحيب درزي بهذا الأمر، مما يعطي تل أبيب أحقية أن تتحدث بلسانهم، والحديث عن منح دروز سوريا حق تقرير المصير، وفتح الباب أمامهم للانفصال عن الإدارة السورية المركزية، بل وإمكانية الانضمام إلى تل أبيب والخضوع لإدارتها السياسية، ومن هنا تمهد إسرائيل إلى ضم جنوب سوريا إليها، وذلك في ضوء رؤيتها التوسعية التي تسعى جاهدة لتنفيذها على أرض الواقع . [5]

خاتمة

من الانخراط في الظل في دعم انفصال جنوب السودان، إلى الرعاية الرسمية في دعم الأكراد، وصولاً إلى الانخراط في ملف الدروز بسوريا أين تفرض الوصاية الحقوقية على السويداء، إلى الإقرار بأرض الصومال، والذي لا يبدو منفصلاً عن الحلقات السابقة لمقاربة إسرائيل في الإقليم، والتي تقوم على لا استقرار جوارها لضمان استقرارها، وهذا ما ينسحب على الاعتراف الأخير بأرض الصومال، إذ تهدف من وراء ذلك لتطويق مصر ودول الخليج وتحركات تركيا في القرن الأفريقي، وبما يضمن تغلغلها في الممرات الاستراتيجية.

 

الهوامش:

[1] إبراهيم يوسف حمادة عودة، الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان وتداعياته على الصراع العربي الإسرائيلي، أطروحة لاستكمال متطلبات الماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، فلسطين، 2014م، ص 66، 67، 68، 69، 70… 82.

[2] عزل التهديدات: لماذا تدعم إسرائيل انفصال كردستان؟ من الموقع الإلكتروني: https://share.google/BKsZDkA9O1vb8uMlf تم التصفح بتاريخ: 29/05/2026م.

[3] شيماء عبد الحميد، تهديد قديم الأزل: الرهان الإسرائيلي على ورقة الأقليات في خدمة مشروع إسرائيل الكبرى، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، نوفمبر 2025م.

 [4] لماذا اعترفت إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي الآن؟ من الموقع الإلكتروني: https://www.aljazeera.net/politics تم التصفح بتاريخ: 29/05/2026م.

[5]  شيماء عبد الحميد، مرجع سبق ذكره

 المراجع والمصادر

  1. إبراهيم يوسف حمادة عودة، الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان وتداعياته على الصراع العربي الإسرائيلي، أطروحة لاستكمال متطلبات الماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، فلسطين، 2014م، ص 66، 67، 68، 69، 70… 82.
  2. عزل التهديدات: لماذا تدعم إسرائيل انفصال كردستان؟ من الموقع الإلكتروني: https://share.google/BKsZDkA9O1vb8uMlf تم التصفح بتاريخ: 29/05/2026م.
  3. شيماء عبد الحميد، تهديد قديم الأزل: الرهان الإسرائيلي على ورقة الأقليات في خدمة مشروع إسرائيل الكبرى، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، نوفمبر 2025م.
  4. لماذا اعترفت إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي الآن؟ من الموقع الإلكتروني: https://www.aljazeera.net/politics تم التصفح بتاريخ: 29/05/2026م.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts