
إعداد
عبد الرحمن محمد محمد غزالة
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الأسكندرية
جمهورية مصر العربية
المقدمة:
“إذا لم نستطع أن نهزم العالم، فعلينا أن نجرّه معنا إلى الهاوية. لن نستسلم هذه المرة، ولن يكون بمقدور أحد أن يقول إنه هزم ألمانيا. وليعلم الجميع أن ما حدث عام 1918 لن يتكرر.” – أدولف هتلر
جورج بوش الابن عندما سُئل في لقاء مصور عما إذا كان يرتكب خطأ بغزوه للعراق، وأن والده رفض هذا الأمر في حرب الخليج الثانية (أخبره بأن والده كان جباناً يخشى أن يتورط في الحروب، ولكن أنا لست مثله). والظاهر أن ترامب قد وضع نصب عينيه ضرورة إنهاء محور الشر بنفسه، وعلى رأسه إيران كأكبر دولة مهددة لمصالح الولايات المتحدة بالشرق الأوسط وعلى رأسها إسرائيل. وهذه المرة، هذه الجولة من المفاوضات والتي سبقت العملية الإسرائيلية الأمريكية المشتركة قد طمعت في أكثر من إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وأضافت إليه البرنامج الصاروخي؛ هذا البرنامج الذي جعل إسرائيل تنهي حرب الاثني عشر يوماً وكشفت عن الخروقات في نظام القبة الحديدية. ولكن إيران تعلم أن هذا البرنامج سيكون ملاذاً تلجأ إليه ويحميها من الهيمنة العسكرية الإسرائيلية، والتي ستجعل إيران مكشوفة تماماً أمام إسرائيل، وذلك على الرغم من التنازلات التي قدمتها إيران على حسب تصريح وزير الخارجية العماني (والذي قال إن إيران قد أبدت استعداداً لتسليم جميع اليورانيوم المخصب الذي لديها). ولكن الأمر من وجهة نظرنا، والتي سوف نحاول استعراضها عبر هذا المقال، أن السياسة الأمريكية تجاه إيران هي جزء من سياسة عالمية للولايات المتحدة تجاه النسق الدولي ودوله.
أولًا: النسق الدولي واستراتيجية “الأناكوندا”
تتحرك الولايات المتحدة، بحسب هذا الطرح، ضمن استراتيجية احتواء متدرجة تستند إلى مفاهيم جيواستراتيجية كلاسيكية. فقد أشار “ألفريد ثاير ماهان” إلى أهمية السيطرة البحرية بوصفها مفتاح الهيمنة، بينما أكد “نيكولاس سبايكمان” أن احتواء “قلب الأرض” يقتضي السيطرة على دول الأطراف ومنع اختراقها، وإلا تحول المحيط الهادئ إلى بحيرة صينية.
في هذا السياق، تم إشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا، ما أدى إلى إنهاكها عسكريًا واقتصاديًا. الدولة التي أعلنت في البداية أنها ستدخل كييف لم تنجح في حسم الحرب، وهو ما اعتبره هذا الطرح دليلًا على محدودية قدرتها الاستراتيجية. كما يُشار إلى أن الدعم الاستخباراتي الأمريكي كان حاسمًا في تمكين أوكرانيا من قصف مصافي النفط الروسية وتنفيذ محاولات اغتيال عدة للرئيس فلاديمير بوتين، كان آخرها أثناء المفاوضات في البيت الأبيض.
ورغم ما يبدو من خلافات بين أوروبا والولايات المتحدة، فإن أوروبا أصبحت أكثر التصاقًا بواشنطن بعد انقطاع الغاز الروسي. فالطاقة البديلة والسلاح وإعادة بناء الجيوش الأوروبية باتت تعتمد بصورة كبيرة على الولايات المتحدة. وقد أبرمت ألمانيا صفقة لشراء طائرات F-35 الأمريكية. كما أكد دونالد ترامب في تصريحاته وقت الضربة، وماركو روبيو في مؤتمر ميونخ للأمن، أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن أوروبا، فضلًا عن أن الطائرات الأمريكية كانت موجودة في أوروبا قبل ضرب إيران.
وفي شرق آسيا ومنطقة بحر الصين الجنوبي والشرقي، تتجلى سياسة الاحتواء عبر تعزيز الوجود العسكري في بحر الصين الجنوبي والشرقي، وحول تايوان، التي تُعد، وفق هذا التصور، رأس الحربة؛ فإذا سقطت، تفكك الطوق الذي يخنق الصين. وقد شهدت منطقة المحيطين الهندي والهادئ مناورات عسكرية بين قوات التحالف الأمريكي ما يقرب من أسبوع، بما يعكس استدعاء الجيوسياسة كأداة لإنهاء الخصوم.
ثانيًا: انتقال الضغط إلى إيران
في إطار هذا النسق، تُعد إيران الحلقة التالية في سلسلة الاحتواء، حيث إن إيران تمد الصين بالنفط الذي تحتاجه هذا أولاً، وثانياً هي التي أمدت روسيا بالمسيرات التي تحتاجها في حرب أوكرانيا وساعدتها على تصنيعها محلياً. ولقد بدأت عملية إنهاكها اقتصاديًا عبر العقوبات التي فُرضت عليها منذ اليوم الأول من الثورة الإسلامية في عام ١٩٧٩م، والتي كان آخرها وصول الدولار الأمريكي كقيمة أمام الريال الإيراني إلى مستويات قياسية، حيث كان الدولار الواحد يساوي مليون ونصف ريال إيراني. ثم عسكريًا عقب أحداث السابع من أكتوبر، مع استهداف أذرعها الإقليمية وقطع أوصال نفوذها (حماس في غزة والتي ستسلم سلاحها إذا استمرّ وقف إطلاق النار، حزب الله في لبنان والذي تم تحييده إلى حد كبير عقب تفجيرات البيجر الشهيرة واغتيال حسن نصر الله، وبشار الأسد والذي سقط في عام 2024م على يد أحمد الشرع، والحوثي أيضاً عقب العمليات التي اتخذتها ضدهم الولايات المتحدة). كما شهدت البلاد احتجاجات داخلية في الشهر المنصرم، ما أضاف بُعدًا داخليًا إلى الضغط الخارجي والذي استغله ترامب خير استغلال حيث كان يطلق تهديدات أنه إذا تم إطلاق النار على المتظاهرين فسيستدعي ذلك التدخل من الولايات المتحدة. هذا غير أنه بالفعل إيران تعاملت بقوة غاشمة مع المتظاهرين وتم قطع خدمات الإنترنت لكي يكون هناك تعتيمٌ إعلاميٌ كاملٌ.
تجلت سياسة “ألف طعنة صغيرة” في سلسلة عمليات استهدفت قيادات وشخصيات بارزة، منها اغتيال قاسم سليماني، وعدد من العلماء المرتبطين بالمشروع النووي، وصولًا إلى ما سُمّي بحرب الاثني عشر يومًا التي خلخلت النخبة الحاكمة.
وفي ذروة هذه التطورات، وقع الحدث الأخطر باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي والذي اغتيل في أول يوم للعملية الإسرائيلية الأمريكية والتي أعطوها اسم (Epic Fury)، ومعه عدد من القيادات الكبرى، من مستشاريه إلى قائد الحرس الثوري وقائد الجيش. وقد أحدث هذا التطور فراغًا في قمة الهرم السياسي، وطرح تساؤلات حول مستقبل الخلافة وآليات الإحلال داخل النظام حتى بعد مماته؛ لم يُطبق نظام الخلافة المكون من أربع طبقات، وعوضاً عن ذلك يوجد مجلس نقابي برئاسة مسعود بزشكيان ومعه شخصان آخران. وفي الحقيقة هذا يكشف تخبطاً أولاً، وتوغلاً استخباراتياً لإسرائيل ثانياً.
ثالثًا: العزلة الإقليمية والتصعيد مع الخليج
على المستوى الإقليمي، قامت إيران في إطار ردها على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية بقصف وإطلاق صواريخ ناحية كل من (الإمارات، قطر، الكويت، عمان، السعودية، الأردن)، إضافة إلى تهديد إيران لآبار النفط في دول الخليج والتلويح بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى تحويل الجوار إلى خصوم مباشرين، لأن النفط يمثل الإيراد الأساسي لتلك الدول. كما استهدفت إيران قواعد عسكرية بريطانية في قبرص عبر وكلاء، ما دفع بريطانيا، بقيادة كير ستارمر، إلى إعلان دعمها الكامل للولايات المتحدة وسماح بريطانيا للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية الجوية البريطانية، وهذا بعد ضرب قاعدة بريطانية بقبرص. وكذلك ألمانيا اليوم تدرس التدخل في الحرب.
وقد أعلنت السعودية استعدادها للرد على إطلاق الصواريخ باتجاه المملكة، في مشهد استُحضر فيه سيناريو العراق، حيث أدى التصعيد إلى تشكيل تحالف دولي واسع. ويُطرح احتمال أن تعمد إيران إلى تعطيل مصافيها وآبارها النفطية، بما يجعل المسألة مسألة حياة أو موت اقتصاديًا.
رابعًا: الانقسام الداخلي وأزمة النخبة
داخليًا، كشفت ردود الفعل على اغتيال علي خامنئي عن انقسام شعبي واضح؛ فقد حزن قطاع من الشعب، بينما هلل قطاع آخر، ما يعكس حالة استقطاب حاد قد تفتح الباب أمام سيناريوهات التقسيم أو الحرب الأهلية.
أما على مستوى النخبة، فإن اغتيال القيادات العليا أحدث خلخلة وفراغًا في قمة السلطة. ومع ضعف عملية الإحلال، تبرز انقسامات بالغة داخل الصف الحاكم. فعباس عراقجي يدعو إلى الدبلوماسية، بينما تعارضه تيارات أخرى تميل إلى التصعيد، ما يعكس حالة تخبط في مركز القرار.
ويمكن قراءة هذه الأزمة في ضوء تنظير غايتانو موسكا وروبرت ميشيلز بشأن النخبة الحاكمة وإشكالية تداولها. فحين تتعرض النخبة لضربات متتالية ويضعف تماسكها، تزداد احتمالات التفكك.
خاتمة
وفق هذا التصور، فإن إيران وجدت نفسها في مواجهة طوق دولي يتشكل تدريجيًا: روسيا منهكة، الصين مطوقة بحزام بحري، وإيران تتعرض لإنهاك اقتصادي وعسكري وسياسي متراكم. ومع اغتيال علي خامنئي وعدد من القيادات العليا، وتصاعد التوتر مع الخليج، واشتداد الانقسام الشعبي، يبدو المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، من إعادة ترتيب داخلي إلى سيناريوهات تفكك أوسع.
إنها عملية ليست ضربة واحدة حاسمة، بل مسار طويل من “ألف طعنة صغيرة” أعاد تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران، ويدفعها اليوم إلى لحظة اختبار تاريخي غير مسبوقة. وليس بمستبعد أن نرى قوات التحالف الدولي تدخل طهران كما دخلت بغداد، وكما ظن صدام حسين أنه يستطيع الصمود وأن نظامه قوي كفاية؛ فأرى أن إيران تسلك نفس مسلكه، تحول الجميع ممن في إقليمها إلى أعداء لها، وليس فقط دول الخليج بل مصر أيضاً عبر تهديدات الحوثي بباب المندب وإعلان شركة الشحن العالمية Maersk توقف سفنها عن العبور بقناة السويس مؤقتاً. ويبدو من وجهة نظرنا هو الأقرب للواقع، فإيران كانت تحاول الانتحار ولكن كانت تريد أخذ الجميع معها كمن يرتدي حزاماً ناسفاً ويقوم باحتضان الجميع لينفجروا معه، فقام الجميع بلفظه وطرده خارجاً لحماية أنفسهم.


