On Research

مقالات تحليلية

احتجاجات إيران: بين مؤيد ومعارض.. وبينهما مواطن

Email :1190

إعداد
د. محمد حسن الزيبق
كاتب أكاديمي متخصص في الشأن الإيراني
كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر
جمهورية مصر العربية

 

مقدمة

لا تُقرأ الاحتجاجات في إيران بوصفها حدثًا سياسيًا عابرًا، ولا يمكن اختزالها في ثنائية «مع النظام» أو «ضده». فهي ظاهرة مركبة تتقاطع فيها السياسة، والاقتصاد، والأمن، والهوية، والذاكرة التاريخية، والتدخلات الخارجية، فضلاً عن أزمة شرعية داخلية متراكمة منذ سنوات.

المقال الذي كتبه المفكر الديني الإصلاحي محسن كديور حول احتجاجات “دي 1404هـ” (يناير 2026م تقريبًا) بتاريخ 12/1/2026م، وتعليقات القراء والمتابعين له -وهي المادة الرئيسة التي تقوم عليها مقالتنا التحليلية هذه- يعد بمثابة محاولة لإعادة صياغة موقف أخلاقي-سياسي وسط هذا التعقيد: دفاع عن حق الاحتجاج، رفض للعنف، تحذير من التوظيف الخارجي، وانتقاد صريح لجمود السلطة. غير أن ردود الفعل عليه، كما تكشف تعليقات القراء والمتابعين، أظهرت انقسامًا حادًا داخل المجتمع الإيراني نفسه، بل داخل معارضي النظام ومؤيديه على السواء.

هذه المقالة لا تهدف إلى الانحياز لأي من هذه المعسكرات، بل إلى تحليل البنية الخطابية والسياسية لهذا الانقسام، وإلى طرح السؤال الأهم: أين يقف المواطن الإيراني العادي بين خطابين متصارعين يطالب كل منهما بولائه الكامل؟

أولاً: مقال كديور.. خطاب الإصلاح الأخلاقي في زمن الانفجار

ينطلق كديور من مسلمة أساسية: الاحتجاج حق مشروع، وأن ما جرى في “دي 1404” هو أوسع موجة احتجاجية منذ الثورة. وهو لا ينكر تعقيد اللحظة، بل يضعها ضمن معادلة ثلاثية الأبعاد:

  1. ضغط خارجي معادٍ (ترامب – نتنياهو) يهدد الاستقلال والسيادة.
  2. سلطة داخلية متصلبة ترفض أي إصلاح جدي، وتستخدم الخطر الخارجي ذريعة لقمع الداخل.
  3. شعب محتج يطالب بحقوقه الأساسية، لا بتدمير الدولة.

خطاب كديور هنا هو خطاب إصلاحي دستوري، يستند إلى:

  • المطالبة بتنفيذ المادة 27 من الدستور (حق التظاهر السلمي).
  • رفض العنف والتخريب وقتل أفراد الشرطة.
  • التحذير من الرواية الأمنية الأحادية.
  • الدعوة إلى الاستفتاء كمدخل لإصلاح بنيوي.

لكن في المقابل، يضع كديور خطوطًا حمراء واضحة:

  • رفض الاستقواء بالأجنبي.
  • رفض الدعوة للتدخل العسكري.
  • رفض العودة إلى الملكية أو أي شكل من أشكال الاستبداد البديل.

بهذا المعنى، لا يطرح كديور ثورة، بل إصلاحًا متأخرًا، ولا يدعو إلى إسقاط الدولة، بل إلى إنقاذها من نفسها.

ثانيًا: معسكر التأييد للنظام.. خطاب «الأمن قبل الحرية»

تُظهر بعض التعليقات (مثل تعليق محمد أكبري علامة) رؤية راسخة داخل جزء من المجتمع الإيراني، قوامها أن الجمهورية الإسلامية هي آخر خط دفاع في مواجهة الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية. أي احتجاج واسع في هذه اللحظة هو خدمة موضوعية للأعداء. النظام، رغم فساده، يبقى «أهون الشرور» مقارنة بالفوضى أو الاحتلال.

هذا الخطاب يستند إلى ذاكرة تاريخية قوية؛ انقلاب 1953، الحرب العراقية-الإيرانية، العقوبات، والتجارب المريرة في العراق وسوريا وليبيا؛ لكن مشكلته البنيوية أنه يساوي بين الاحتجاج والتخريب، ويحول أي نقد داخلي إلى «خيانة»، كما يمنح الأجهزة الأمنية تفويضًا مفتوحًا باسم السيادة. هنا يصبح المواطن رهينة معادلة صفرية: إما الصمت أو الفوضى.

ثالثًا: معسكر الرفض الجذري.. خطاب القطيعة الشاملة

في الجهة المقابلة، تكشف تعليقات أخرى (مثل تعليق Saber Jafari وأحمد مداح) عن غضب متراكم تجاوز فكرة الإصلاح أصلاً. هذا التيار يرى أن النظام غير قابل للإصلاح من الداخل، وأن الحديث عن الدستور أو الاستفتاء وهم، كما أن الدين نفسه أصبح أداة قمع، وأي بقاء للنظام يعني استمرار الانهيار.

خطاب هذا المعسكر هو خطاب القطيعة؛ قطيعة مع الجمهورية الإسلامية، قطيعة مع رجال الدين، وقطيعة مع سردية «المقاومة». لكن هذا الخطاب، رغم صدقه العاطفي، يعاني من ثلاث إشكاليات كبرى:

  1. غياب مشروع سياسي بديل متماسك.
  2. الاستعداد الضمني لقبول أي قوة تُسقط النظام.
  3. تجاهل كلفة الانهيار على المجتمع والدولة. وهنا يُطلب من المواطن أن يراهن على المجهول، دون ضمانات.

رابعًا: خطاب الشك.. أزمة الثقة الشاملة

بعض التعليقات (مثل تعليق Hamed Shajari) لا تنتمي صراحة لأي من المعسكرين، لكنها تعبر عن أزمة أعمق: انهيار الثقة في السرديات كلها. هل المحتجون وطنيون أم مخترقون؟ هل النظام يبالغ أم يكذب؟ هل الخارج يتربص أم يتدخل فعلاً؟ هل الإصلاح ممكن أم مستحيل؟ هذا الشك هو أخطر ما تواجهه الدولة والمجتمع معًا؛ لأنه يعطل الفعل الجماعي، ويخلق مواطنًا مرتبكًا، خائفًا، ومنسحبًا، ويفتح المجال أمام الروايات المؤامراتية من كل الأطراف.

خامسًا: خطاب احتجاج.. على الكاتب نفسه

هناك تعليق، على قِصره وحدته، كاشفٌ أكثر مما يبدو، وهو يستحق التوقف عنده لأنه يمثل نمطًا شائعًا من الاحتجاج والاعتراض غير المصرح به في النقاشات السياسية الإيرانية.

الدلالة الخطابية للتعليق في جملة: “جناب كتر: اين متن را واقعاً خوت نوشتي؟!!” (معالي الدكتور: هل أنت من كتب هذا المقال حقاً؟!). هذه الجملة ليست سؤالاً معرفيًا، بل سؤال تشكيكي تهكمي. صاحب التعليق لا يطلب معلومة، بل يوجه رسالة مزدوجة:

  • نفيٌ ضمني للأصالة الفكرية: كأنه يقول إن هذا النص لا يرقى – في رأيه – إلى مستوى كديور المعهود.
  • اتهام غير مباشر: إما بالسطحية، أو بالتناقض مع تاريخ الكاتب، أو حتى بالتلاعب أو الإملاء السياسي.

إنه اعتراض لا يضرب في مضمون النص، بل يضرب في شرعية الكاتب لا في حججه. ولماذا يلجأ القراء لهذا النوع من التعليقات؟ يظهر هذا النمط عادة حين يعجز القارئ عن تفنيد الأفكار تفنيداً عقلانيًا، فيصطدم بتوقع مسبق عن الكاتب (محسن كديور الإصلاحي) ويجده لا ينسجم تمامًا مع أحد المعسكرين. يشعر بأن النص يكسر ثنائية الاصطفاف: لا هو موالٍ للسلطة ولا داعٍ للانهيار. عندها يصبح السؤال عن «من كتب النص» أسهل من مواجهة «ماذا يقول النص».

البعد النفسي والسياسي: يعكس هذا التعليق حالة خيبة أو ارتباك؛ فمؤيدو النظام يرون في نص كديور «تنازلاً خطيراً»، ومعارضوه الجذريون يرونه «مهانة غير مقبولة». فيتساءل الطرفان: هل هذا حقاً كديور؟ وكأن المفكر مسموح له بالكلام فقط داخل القالب الذي اعتادوه. هنا تتحول الشخصية العامة إلى أسيرة صورة نمطية، وأي خروج عنها يُقابل بالتشكيك لا بالنقاش.

تكمن خطورة هذا النوع من التعليقات في أنه يفرغ النقاش العام من مضمونه، ويرسخ ثقافة “الشخصنة” بديلاً لـ”المحاججة”، ويدفع المثقفين إلى الصمت أو الاصطفاف القسري. وفي سياق مأزوم كالسياق الإيراني، هذا السلوك لا يخدم إلا الجمود والاستقطاب. تعليق Alireza Taqavi ليس نقداً، بل علامة على مأزق الحوار السياسي؛ فحين يصبح السؤال عن “هوية الكاتب” بديلاً عن مناقشة أفكاره، نكون أمام أزمة ثقة لا أزمة نص. ولو أُعيدت صياغته بشكل صحي لكان السؤال الحقيقي: هل ما يقوله كديور واقعي ومفيد في هذه اللحظة؟ ولماذا؟ وهذا بالضبط هو السؤال الذي تحتاجه إيران اليوم، أكثر من أي وقت مضى.

خامسًا (مكرر): المواطن الإيراني.. الطرف الغائب الحاضر

بين هذه الخطابات المتصارعة يقف المواطن الإيراني العادي؛ هو لا يريد الاحتلال، لا يريد القمع، ولا يريد الفوضى، وفي الوقت ذاته لا يحتمل استمرار الوضع الراهن. هو المواطن الذي خرج للاحتجاج بسبب الاقتصاد والكرامة والحياة اليومية، ثم عاد إلى بيته خوفًا من الرصاص أو الفوضى. يرفض أن يُختزل في وصف «عميل» أو «ثوري». هذا المواطن لا يملك ترف الأيديولوجيا، بل يعيش بمنطق النجاة اليومية. وهذا هو جوهر الأزمة؛ فحين تعجز الدولة والمعارضة معًا عن تمثيل المواطن، يتحول الاحتجاج من مشروع تغيير إلى تفريغ غضب مؤقت.

سادسًا: الاحتجاج كمرآة لأزمة الشرعية

الاحتجاجات الأخيرة ليست سبب الأزمة، بل هي عرضها الأوضح. فما نشهده هو: تآكل شرعية سياسية، جمود مؤسسي، فجوة متسعة بين الدولة والمجتمع، واستخدام الأمن كبديل عن السياسة. وهنا تصح ملاحظة كديور: القمع لا يعالج ضعف الشرعية، بل يضاعفه.

خاتمة: بين الإصلاح والانهيار

ليست إيران اليوم أمام خيارين فقط (بقاء النظام أو سقوطه)، بل أمام سؤال أعمق: هل تستطيع الدولة إعادة بناء عقد اجتماعي جديد؟ عقد يعترف بحق الاحتجاج، يفرق بين المعارضة والعدو، يفتح أفق الإصلاح الحقيقي، ويعيد للمواطن إحساسه بالانتماء لا الخوف.

إن تجاهل هذا السؤال، سواء باسم «المقاومة» أو باسم «القطيعة»، سيترك المواطن وحيداً، ويفتح الباب أمام السيناريو الأسوأ: دولة بلا شرعية، ومعارضة بلا مشروع، ومجتمع بلا أمل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts