On Research

مقالات تحليلية

تقارب استراتيجي مصري – سوري ببعده العربي والتركي

Email :1210

إعداد

د. زياد أيوب عربش

مستشار في شؤون الاقتصاد والطاقة

سوريا

 

في خطوة تُعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية، استقبل الرئيس السوري وفداً رفيع المستوى من اتحاد الغرف التجارية المصرية في دمشق في الفترة من 10 إلى 12 كانون الثاني/يناير، مؤكداً أن التكامل بين البلدين “ليس رفاهية بل واجب استراتيجي”. هذا اللقاء، الذي شهد تغطية إعلامية مصرية وإقليمية واسعة، يأتي في سياق عودة سوريا إلى التعاون الإقليمي مع الدول العربية ومصر، مشفوعاً باتفاقيات طاقة واستثمارات مشتركة تهدف إلى إحياء منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (GAFTA) وتعزيز الاستقرار الاقتصادي العربي، والتعاون مع تركيا كحيزات يتطلب تطويرها واستغلال طاقاتها.

البعد الاستراتيجي والإقليمي

تُبرز الزيارة بعداً استراتيجياً يتجاوز التجارة ليشمل أمن الطاقة والإعمار؛ كما أكد الرئيس السوري بأن التكامل السوري-المصري “ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة”، داعياً لإعطاء الأولوية للشركات المصرية في مشاريع الموانئ، والغاز المتوسطي، والنفط، والسكك الحديدية، والألياف البصرية. فهذا التوجه يعكس رؤية لسوريا كبوابة عربية شرقية تربط المتوسط بالخليج، وسط تقديرات بتكلفة إعمار تصل إلى 900 مليار دولار.

كما تمثل زيارة الوفد نقطة تحول في عودة سوريا الكاملة إلى الجامعة العربية بعد سنوات من العزلة. فالقاهرة، بصفتها مقر الجامعة، تقود هذه العودة عبر دعم سياسي واقتصادي سعودي وقطري، حيث يُتوقع أن يعزز هذا التقارب دور سوريا في قمم الجامعة القادمة، خاصة في ملفات الطاقة والتجارة، مما يعيد تشكيل التوازن العربي بعد عقود من التوترات؛ وخاصة ما لدول الإقليم المجاورة من أدوار مستقبلية في ملفات عديدة بالسعودية وقطر لمؤازرة اقتصاد سوريا، ومع تركيا التي استقبلت بسخاء (مع الأردن ولبنان) ملايين اللاجئين السوريين.

الاستثمارات المشتركة: محرك الإعمار

توفر مشاركة الشركات المصرية في إعادة إعمار سوريا فوائد اقتصادية مباشرة، من زيادة صادرات الأسمنت والحديد إلى نقل التكنولوجيا وخلق فرص عمل. فالاتفاقيات الموقعة الأسبوع الفائت (مذكرة لتوريد الغاز لتوليد الكهرباء، وأخرى للمنتجات البترولية) تفتح أبواباً لاستثمارات مشتركة تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. هذه الشراكات تشمل إحياء مصانع متوقفة وتطوير بنية تحتية، مع تركيز على الاستثمارات المصرية-السعودية-السورية في قطاع الطاقة.

إحياء الـ GAFTA: منطقة التجارة الحرة العربية

تاريخياً، شهد التبادل التجاري بين مصر وسوريا نمواً من 300 مليون دولار في 2005 إلى 500 مليون في 2009-2010، قبل الانخفاض بسبب الظروف والحرب. اليوم، يهدف التقارب إلى إحياء اتفاقية GAFTA (1989)، التي تجمع 22 دولة عربية، عبر خفض الرسوم الجمركية وتسهيل التجارة في مواد البناء والطاقة. ويُتوقع ارتفاع التبادل إلى 1.5 مليار دولار في عام 2026، مدعوماً باستثمارات تركية-مصرية-أردنية-سورية في الممرات التجارية.

دور السوريين المقيمين في مصر

يلعب السوريون المقيمون في مصر (أكثر من مليون نسمة) دوراً حاسماً كجسر بشري، حيث يديرون شركات ويسهلون الشراكات. خبراتهم في البناء والتجارة تدعم الاستثمارات المصرية في سوريا، مع حملات لعودتهم كقوة عاملة مؤهلة. هذا العنصر الإنساني يعزز الثقة المتبادلة ويسرع تدفق الاستثمارات.

فتح فروع للشركات المصرية في سوريا

تتجه الشركات المصرية، خاصة في قطاعي البناء والطاقة، لفتح فروع في دمشق وحلب، مستفيدة من الإعفاءات الضريبية والأولوية الحكومية. هذه الخطوة تخلق سلاسل إمداد مشتركة، مع خطط لمشاريع مشتركة سعودية-سورية في الموانئ، وتركية-مصرية-أردنية في الغاز، مما يحول سوريا إلى مركز لوجستي عربي.

شبكات الطاقة الإقليمية: نحو تركيا وأبعد

رغم تحديات خط الغاز التركي-السوري (الذي يعمل جزئياً منذ بدء تصدير الغاز من أذربيجان في الأشهر المنصرمة)، يُمكن تطوير خط الغاز المصري-السوري بـ 60 كم إضافي لربطه بتركيا، بحيث يصبح قادراً على تمرير كميات أكبر مع إصلاحات ضرورية، وبما يفتح مزيداً من الأسواق كالسوق الأوروبية، من خلال اتفاقيات طاقة مصرية-سورية.

التأثير على بقية الدول العربية

يمتد التأثير إلى السعودية والإمارات عبر دعم الإعمار، وإلى العراق ولبنان من خلال شبكات طاقة مشتركة، مما يعيد بناء اقتصاد عربي متكامل. فمصر تبرز كمركز غاز إقليمي مع الأردن، بينما تعزز الجامعة العربية دورها في التنمية المستدامة. يشمل هذا التأثير الإيجابي تعزيز الاستثمارات الخليجية في مشاريع الإعمار في سوريا، حيث أعلنت السعودية عن صناديق دعم تصل إلى 10 مليارات دولار لقطاعات الطاقة والنقل، بالإضافة إلى مشاركة الإمارات في تطوير الموانئ السورية كجزء من مبادرة “رؤية 2030” الممتدة إقليمياً. كما يفتح الباب أمام تعاون ثلاثي مع العراق في خطوط الغاز العابرة للحدود، مما يقلل الاعتماد على الاستيراد الآسيوي ويعزز الأمن الطاقوي العربي المشترك، مع خطط لقمة طاقة عربية في دمشق نهاية 2026 لتنسيق هذه الجهود.

وبالتالي، يُشير هذا التقارب إلى بداية عصر جديد لسوريا حيث تتحول الاستثمارات المشتركة إلى رافعة استراتيجية، مع ترقب لقمة عربية مشتركة في 2026. كما يتجاوز هذا الأمر الجوانب الاقتصادية ليشمل إعادة بناء الثقة السياسية داخل الجامعة العربية، حيث أصبحت سوريا عضواً فاعلاً في قراراتها الاقتصادية، مع مشاركة متوقعة في صياغة استراتيجية GAFTA الجديدة لعام 2027. كما يعكس التقارب الدور المتزايد للاستثمارات المشتركة، مثل التحالفات المصرية-السعودية-السورية في الطاقة المتجددة والاتصالات؛ فرؤية سوريا طويلة الأمد تهدف لأن تكون محوراً تجارياً يربط بين المتوسط والخليج، مدعوماً بعودة مئات الآلاف من السوريين كقوة دافعة للتنمية. وهذا التحول يعزز مكانة الجامعة العربية ككيان موحد، ويفتح آفاقاً لشراكات موسعة تشمل تركيا والأردن في مشاريع الممرات اللوجستية العابرة، مما يجعل عام 2026 عاماً محورياً في تاريخ الاقتصاد الإقليمي.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts