On Research

مقالات تحليلية

التمييز الاجتماعي بين خريجي الكليات وأزمة عدالة الفرص

Email :35315

إعداد

الباحث محمد متولي محمد متولي

مدرس مساعد وباحث ماجستير المحاسبة والمراجعة 

أكاديمية السادات للعلوم الإدارية

جمهورية مصر العربية

 

لم تعد الشهادة الجامعية في مجتمعاتنا مجرد وسيلة للعلم وبناء المستقبل، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة للتصنيف الاجتماعي، يُقاس بها التقدير والقبول المجتمعي، لا على أساس الكفاءة أو القدرة، وإنما وفق اسم الكلية وحده. هذا التحول الخطير أفرز فجوة واضحة بين خريجي التخصصات المختلفة، وأعاد تعريف النجاح بصورة غير عادلة.

منذ لحظة التخرج، لا يُسأل الشاب عما يمتلكه من مهارات أو ما يستطيع تقديمه لسوق العمل، بل يُطرح عليه سؤال واحد يتكرر في كل مكان: «خريج أي كلية؟»، وكأن قيمة الإنسان تختزل في مسمى أكاديمي، لا في جهده أو اجتهاده أو قدرته على التطور والتعلم المستمر.

ترسخ في الوعي المجتمعي ما يُعرف بـ«كليات القمة»، في مقابل كليات أخرى يُنظر إليها نظرة دونية، رغم أن الواقع العملي يثبت أن التفوق لا تصنعه الكلية وحدها، بل يصنعه الإنسان القادر على استثمار علمه وتطوير ذاته. هذا التصنيف خلق حالة من التمييز غير المبرر، لا تعكس بالضرورة فروقاً حقيقية في الكفاءة أو الإنتاجية.

كما أسهم هذا التصور الخاطئ في توجيه الطلاب وأسرهم إلى اختيارات تعليمية لا تقوم على الميول أو القدرات، بل على الخوف من نظرة المجتمع؛ فأصبح الهدف هو الالتحاق بكلية ذات “مكانة اجتماعية”، حتى وإن لم تتوافق مع شخصية الطالب أو طموحاته، وهو ما يؤدي لاحقاً إلى ضعف الإنتاجية وزيادة معدلات عدم الرضا الوظيفي.

في سوق العمل، كثيراً ما نجد خريجين من تخصصات مختلفة يعملون في الوظيفة ذاتها، ويؤدون المهام نفسها، وربما يحصلون على الأجر نفسه، إلا أن النظرة الاجتماعية لا تزال مختلفة؛ يُحتفى بأحدهم، ويُنظر إلى الآخر بشيء من التقليل أو الشك، لا لسبب سوى خلفيته الأكاديمية، وهو ما يحول الشهادة من أداة تعليم إلى وسيلة حكم اجتماعي غير منصف.

ولا يتوقف الأمر عند حدود النظرة المجتمعية، بل يمتد أحياناً إلى فرص التوظيف والترقي، حيث تُفضَّل أسماء كليات بعينها في بعض المؤسسات، حتى قبل تقييم المهارات الفعلية، وهو ما يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص، ويؤدي إلى إقصاء كفاءات حقيقية قادرة على الإسهام في التنمية.

هذا التمييز يترك آثاراً نفسية عميقة على الخريجين، تتمثل في الإحباط وفقدان الثقة في الذات، والشعور بعدم التقدير، فضلاً عن الضغط النفسي الناتج عن المقارنة المستمرة. وقد يدفع ذلك بعض الشباب إلى العزوف عن تطوير أنفسهم، أو الهجرة، أو العمل في مجالات لا تعكس قدراتهم الحقيقية.

وتزداد حدة الأزمة حين ننتقل من مستوى النظرة المجتمعية إلى واقع الفرص المتاحة على الأرض؛ فكثير من الخريجين، خاصة من غير الكليات الطبية أو الهندسية التقليدية، يواجهون معاناة حقيقية في الحصول على فرصة عمل مستقرة، ليس بسبب ضعف الكفاءة، بل نتيجة محدودية الفرص وتحيز سوق العمل لبعض التخصصات دون غيرها.

تشير تقارير رسمية ودراسات سوق العمل إلى أن معدلات البطالة بين الشباب من حملة المؤهلات الجامعية لا تزال مرتفعة، وأن نسبة كبيرة من العاطلين هم من الخريجين الجدد. كما توضح الإحصاءات أن عدداً ملحوظاً من العاملين يعملون في وظائف لا تتناسب مع تخصصاتهم الدراسية، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.

وتكمن المفارقة في أن بعض القطاعات تعاني في الوقت ذاته من نقص الكوادر المؤهلة، بينما يعاني آلاف الخريجين من البطالة أو العمل غير اللائق، وهو ما يشير إلى خلل في التوزيع، لا في عدد الخريجين فقط، بل في طريقة توجيههم وتأهيلهم وربطهم بفرص العمل المتاحة.

ولا تقتصر المعاناة على البطالة وحدها، بل تمتد إلى طبيعة الوظائف المتاحة، حيث يضطر كثير من الخريجين إلى القبول بأعمال مؤقتة أو منخفضة الدخل، أو وظائف لا توفر حداً أدنى من الاستقرار الوظيفي أو الاجتماعي. ومع مرور الوقت، يتحول الطموح إلى مجرد البحث عن “أي فرصة”، بدلاً من السعي لتحقيق الذات أو التطور المهني.

وتؤكد بعض الدراسات أن الضغوط الاقتصادية الناتجة عن البطالة أو ضعف الدخل ترتبط بشكل مباشر بتدهور الحالة النفسية للشباب، وارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، خاصة لدى الخريجين الذين بذلوا سنوات من الجهد والدراسة دون أن يجدوا المقابل العادل لذلك في سوق العمل.

كما تلعب الواسطة والمحسوبية دوراً لا يمكن تجاهله في تعقيد المشهد، حيث يشعر كثير من الخريجين أن الكفاءة وحدها لم تعد كافية، وأن الحصول على فرصة عمل أصبح في بعض الأحيان مرتبطاً بالعلاقات أكثر من الارتباط بالقدرات، وهو ما يعمق الإحساس بالظلم ويقوض الثقة في منظومة العدالة الاجتماعية.

وتكشف الإحصاءات أيضاً أن نسبة ليست قليلة من الشباب تفكر في الهجرة أو تغيير المسار المهني بالكامل، هروباً من واقع لا يمنحهم التقدير أو الفرصة المناسبة، وهي خسارة مزدوجة؛ يخسر فيها الفرد استقراره، وتخسر فيها الدولة طاقات بشرية مؤهلة كان يمكن أن تسهم في التنمية.

ولا يمكن إغفال أن جزءاً كبيراً من هذه المعاناة يبدأ قبل التخرج بسنوات، حين يُزرع في وعي الطالب منذ المرحلة الثانوية أن مستقبله مرهون بكلية بعينها، وأن أي مسار آخر هو فشل مبكر. هذا الضغط المبكر لا يؤثر فقط على اختيارات التعليم، بل ينعكس لاحقاً على نظرة الخريج لنفسه، حتى وإن امتلك مهارات حقيقية وقدرة على النجاح.

وتزداد الأزمة تعقيداً حين تتحول البطالة أو العمل غير المستقر إلى حالة طويلة الأمد، تؤثر على قرارات الحياة الأساسية للشباب، مثل تكوين الأسرة أو الاستقلال المادي أو التخطيط للمستقبل. وهنا لا يصبح العمل مجرد مصدر دخل، بل عنصراً حاسماً في الشعور بالأمان والكرامة الإنسانية.

ومن زاوية أخرى، فإن الاقتصار على تفضيل تخصصات محددة يحدُّ من قدرة المجتمع على الابتكار والتنوع، إذ تُهمَّش مجالات حيوية مثل العلوم الاجتماعية، والإدارة، والمحاسبة، والتربية، والإعلام، رغم دورها الأساسي في استقرار المؤسسات وبناء الوعي العام. فغياب التوازن بين التخصصات لا يضر الأفراد فقط، بل يضعف البنية الكلية للمجتمع.

إن مواجهة هذه الإشكالية تتطلب تغييراً جذرياً في طريقة التفكير، يبدأ من الأسرة والمدرسة، ويمتد إلى الإعلام وسوق العمل؛ تغيير يعيد الاعتبار لقيمة العمل ذاته، أياً كان مجاله، ويرسخ مبدأ أن الكفاءة والالتزام والقدرة على التطور هي الأساس الحقيقي للتقدير.

كما يستدعي الأمر سياسات واضحة لدعم الخريجين، من خلال التوسع في برامج التدريب والتأهيل، وتشجيع ريادة الأعمال، وفتح مسارات وظيفية مرنة تستوعب مختلف التخصصات، بدلاً من ترك الشباب في مواجهة مصير غير واضح.

وفي النهاية، فإن استمرار التمييز بين خريجي الكليات لا يخلق رابحين حقيقيين، بل ينتج مجتمعاً منقسماً، يُهدر طاقات أبنائه، ويقيس القيمة بمقاييس شكلية. أما المجتمعات التي تتقدم، فهي تلك التي تدرك أن الإنسان هو جوهر التنمية، وأن العدالة في الفرص ليست رفاهية، بل ضرورة لبقاء المجتمع وتطوره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts