
إعداد
فاروق حسين أبو ضيف
باحث سياسي متخصص في الشؤون الإفريقية
جمهورية مصر العربية
تمهيد
تُعد غينيا بيساو واحدة من أبرز الدول الإفريقية التي شهدت أعلى معدلات عدم الاستقرار السياسي منذ نيلها الاستقلال عن البرتغال عام 1974، إذ ارتبط تاريخها الحديث بسلسلة متواصلة من الانقلابات العسكرية، والصراعات بين النخب المدنية والعسكرية، وانهيار الثقة في المسار الدستوري. هذا التراكم المزمن من الاضطرابات لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة بنيوية لتداخل عوامل الفقر المدقع، وضعف مؤسسات الدولة، وانتشار الفساد، وتحول البلاد إلى نقطة عبور رئيسية في تجارة المخدرات الدولية. وفي هذا السياق، لم يعد الانقلاب العسكري الأخير حدثاً استثنائياً، بل امتداداً لمنطق سياسي مأزوم يرى في القوة المسلحة أداة لتسوية الصراعات على السلطة. الانقلاب جاء في لحظة انتخابية حرجة، وهو ما يعكس هشاشة العملية الديمقراطية في البلد، وعدم قدرتها على إنتاج انتقال سلمي للسلطة يحظى بإجماع داخلي أو حماية مؤسسية حقيقية.[1]
الانقلاب العسكري الأخير لا يمكن فصله عن أزمة الشرعية السياسية التي تفجّرت مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية المتنازع عليها، حيث أعلنت الأطراف المتنافسة الفوز قبل صدور النتائج الرسمية، في مشهد يعكس عمق الانقسام السياسي وانعدام الثقة في المنظومة الانتخابية. إقصاء الحزب التاريخي الذي قاد حرب الاستقلال من العملية الانتخابية، واعتقال زعماء المعارضة، وتعليق النتائج بالقوة العسكرية، كلها مؤشرات على أن الصراع لم يعد يدور حول آليات ديمقراطية، بل حول السيطرة المباشرة على الدولة ومراكز القرار. تدخل الجيش بهذه الطريقة يعكس من ناحية عجز القوى المدنية عن إدارة التنافس السياسي ضمن قواعد دستورية مستقرة، ومن ناحية أخرى استمرار الذهنية الانقلابية داخل المؤسسة العسكرية التي ترى في نفسها الحَكَم النهائي في النزاعات الوطنية، لا مجرد مؤسسة خاضعة للسلطة المدنية.[2]
من الزاوية البنيوية، يكشف الانقلاب عن فشل الدولة في بناء نموذج حكم قادر على تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية المتوازنة. غينيا بيساو مصنفة ضمن أفقر دول العالم، ويعيش جزء كبير من سكانها تحت خط الفقر، في ظل اقتصاد هش يعتمد على صادرات محدودة مثل الكاجو، وعلى شبكات اقتصاد غير رسمي واسعة. هذا الفقر البنيوي يخلق بيئة خصبة لتغلغل الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، ويحوّل الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى أطراف في شبكات المصالح غير المشروعة. وعندما تختلط السلطة السياسية بالاقتصاد غير المشروع، تصبح الانقلابات وسيلة لإعادة توزيع النفوذ وليس لإصلاح الدولة، ويتحول الجيش من مؤسسة سيادية إلى فاعل اقتصادي-سياسي يسعى لحماية امتيازاته أكثر من حماية الدستور.
إقليمياً، يأتي انقلاب غينيا بيساو في سياق موجة متصاعدة من الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا منذ عام 2020، كما حدث في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا كوناكري. هذا التماثل في المسارات السياسية يعكس وجود أزمة أعمق في نموذج الدولة الوطنية في المنطقة، حيث فشلت الحكومات المدنية في تحقيق الأمن والتنمية، في مقابل صعود خطاب عسكري يقدّم نفسه باعتباره بديلاً إنقاذياً. غير أن التجارب السابقة أثبتت أن الحكم العسكري لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل غالباً ما يعزز منطق العنف، ويعقّد العلاقات الإقليمية، ويضع الدول تحت طائلة العقوبات والعزلة الدولية، خصوصاً من قبل المنظمات الإقليمية مثل الإيكواس والاتحاد الإفريقي، اللتين تريان في الانقلابات تهديداً مباشراً للنظام الإقليمي القائم على التداول الدستوري للسلطة.[3]
أما دولياً، فإن الانقلاب يعمّق هشاشة موقع غينيا بيساو في النظام العالمي، ويضعها مجدداً في دائرة القلق الأمني المتصل بتجارة المخدرات والهجرة غير النظامية وتراجع الاستثمارات الخارجية. الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية تربط المساعدات عادة بالاستقرار السياسي، واحترام المسار الديمقراطي، وهو ما يعني أن الانقلاب قد يفتح مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية والمالية على دولة تعاني أصلاً من عجز هيكلي مزمن. كما أن التحولات الجيوسياسية في إفريقيا، مع تنامي أدوار قوى دولية متنافسة، قد تجعل من غينيا بيساو ساحة إضافية لتقاطعات النفوذ، لا سيما في ظل ضعف الدولة واستعداد بعض الفاعلين المحليين لعقد تحالفات خارجية لضمان البقاء في السلطة.
يشكّل عزل الرئيس عمر سيسوكو إمبالو وتعليق العملية الانتخابية المتنازع عليها وسيطرة الجيش على مفاصل الدولة تحوّلاً بالغ الخطورة في المسار السياسي لغينيا بيساو، إذ يعكس هذا التطور انهياراً عملياً لمبدأ التداول السلمي للسلطة، ويؤكد هشاشة الشرعية الدستورية في بلد لم ينجح بعد في ترسيخ قواعد الحكم المدني المستقر. الانقلاب لم يأتِ في فراغ سياسي، بل في ذروة أزمة انتخابية طعن فيها كل طرف بنتائج الآخر، ما حوّل الصراع من تنافس سياسي إلى مواجهة مفتوحة على السلطة نفسها. إعلان الجيش “السيطرة الكاملة” وتعليق الانتخابات وإغلاق الحدود وفرض حظر التجول يعكس انتقال السلطة من المجال السياسي إلى المجال الأمني بالقوة الصلبة، ويعيد إنتاج نموذج الحكم العسكري الذي لطالما أعاق تشكّل دولة المؤسسات في غينيا بيساو. كما أن اعتقال الرئيس ورموز من السلطة التنفيذية يكشف أن المؤسسة العسكرية لم تكتفِ بدور “الضامن المؤقت للاستقرار” كما تدّعي، بل تحولت إلى فاعل سياسي مباشر يحتكر القرار السيادي. هذا المسار يضرب مصداقية أي عملية انتقال ديمقراطي مستقبلية، ويعزز مناخ الخوف وعدم اليقين، ويفتح الباب أمام صراعات داخلية أعمق قد لا تقتصر على النخب، بل تمتد لاحقاً إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة. [4]
وعقب سيطرة الجيش على البلاد، تم تعيين الجنرال هورتا نتام رئيساً انتقالياً وقائداً أعلى للقوات المسلحة لمدة عام، كما أُعلن عن إعادة فتح الحدود بعد تشديد الإجراءات الأمنية حول مقر هيئة الأركان. وفي الوقت نفسه، أثارت قرارات المجلس العسكري بحل المجلس الأعلى للقضاء وتعيين مدعٍ عام بصلاحيات موسعة قلقاً واسعاً في الأوساط الحقوقية، وسط تحذيرات من تهديد استقلال القضاء وانهيار سيادة القانون في غينيا بيساو.
وفي ضوء ذلك، يسعى المقال إلى تفكيك ديناميات الانقلاب العسكري في غينيا بيساو، وتحليل جذوره البنيوية وتداعياته الإقليمية والدولية، واستشراف مساراته المستقبلية المحتملة، بما يساهم في فهم أعمق لأزمة الدولة والانقلابات في غرب إفريقيا.
المحور الأول: توقيت الانقلاب
جاء توقيت الانقلاب العسكري في غينيا بيساو بالغ الدلالة، إذ وقع قبل ساعات فقط من الإعلان الرسمي عن النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية، وهو ما يكشف بوضوح أن الجيش لم يتحرك بدافع طارئ أمني مفاجئ، بل بناءً على حسابات سياسية دقيقة هدفت إلى قطع الطريق نهائياً على أي مخرج دستوري محتمل للأزمة. هذا التوقيت لا يعكس فقط خوف المؤسسة العسكرية من نتائج قد تعيد ترتيب موازين السلطة داخلياً، بل يدل أيضاً على إدراك عميق بأن لحظة ما بعد إعلان النتائج كانت ستشكل نقطة حسم قانونية يصعب التراجع عنها دون الدخول في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي. إن اختيار “الساعة الصفر” قبل الإعلان الرسمي يُظهر أن الانقلاب كان مخططاً له سلفاً، وأن الانتخابات لم تكن سوى شرارة تم توظيفها لتبرير تحرك عسكري معدّ مسبقاً، الأمر الذي يسقط عملياً الرواية التي حاولت تقديم الانقلاب بوصفه رداً اضطرارياً على انفلات أمني أو على ما يسمى “مخططات لزعزعة الاستقرار”.
كما أن توقيت الانقلاب في ذروة النزاع الانتخابي بين الرئيس المنتهية ولايته ومنافسه الرئيسي يكشف أن المؤسسة العسكرية استثمرت حالة الاستقطاب الحاد والانقسام السياسي لتقديم نفسها كفاعل “منقذ” في لحظة انعدام التوافق الوطني. ففي لحظات الانقسام الحاد، تصبح الدولة هشّة أمام التدخلات القسرية، وتضعف قدرة المؤسسات المدنية على الدفاع عن شرعيتها. ولذلك جاء الانقلاب في لحظة كان فيها الشارع يعيش حالة ترقب مشحونة، والنخب السياسية منهمكة في تبادل الاتهامات، ما أتاح للجيش التحرك بأقل كلفة سياسية داخلية ممكنة. هذا التوقيت يعكس أيضاً فشلاً بنيوياً للنظام السياسي في إدارة مرحلة حساسة من التداول الديمقراطي، ويؤكد أن الانتخابات في غينيا بيساو لم تعد أداة لحل النزاعات، بل باتت في حد ذاتها أحد أبرز محفزات الانقلابات.[5]
ويتجاوز توقيت الانقلاب السياق المحلي ليأخذ بعداً إقليمياً بالغ الأهمية، إذ يأتي ضمن موجة زمنية متقاربة من الانقلابات التي شهدتها منطقة غرب إفريقيا خلال السنوات الأخيرة. هذا التزامن الزمني لا يمكن فصله عن انتقال “عدوى الانقلابات” داخل الإقليم، حيث باتت الجيوش تتبادل نماذج السيطرة على السلطة، مستفيدة من تراجع فعالية الضغوط الإقليمية والدولية، ومن انشغال القوى الكبرى بملفات دولية أكثر أولوية. توقيت الانقلاب في غينيا بيساو يوحي بأن المؤسسة العسكرية أصبحت أكثر جرأة في تحدي المسار الديمقراطي، مستندة إلى سوابق إقليمية قلّصت كلفة الانقلاب مقارنة بالماضي. فحيث كانت الانقلابات تُواجَه سابقاً بعقوبات مشددة وعزلة خانقة، باتت اليوم تُدار ضمن هامش أوسع من المناورة السياسية.
كما أن توقيت الانقلاب بعد سنوات من حل البرلمان وتعليق الحياة التشريعية يبرز أن البلاد كانت عملياً تعيش فراغاً مؤسسياً ممتداً، يجعل أي انفجار سياسي مسألة وقت لا أكثر. فمنذ ديسمبر 2023 تعيش غينيا بيساو دون سلطة تشريعية فاعلة، وهو ما أضعف منظومة الضبط والتوازن بين السلطات، وترك السلطة التنفيذية والجيش في مواجهة مباشرة دون وسائط مؤسسية. في ظل هذا الفراغ، جاءت الانتخابات باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج الشرعية، لكن تزامنها مع استمرار الشكوك حول نزاهتها، واستبعاد قوى سياسية رئيسية منها، جعلها عملية هشة منذ لحظتها الأولى. وعليه، فإن توقيت الانقلاب لا يمثل قطيعة مع مسار مستقر، بل ذروة منطقية لمسار طويل من التآكل التدريجي لمؤسسات الدولة.[6]
أما من زاوية الاقتصاد السياسي، فإن توقيت الانقلاب يتقاطع بوضوح مع تصاعد أهمية غينيا بيساو كممر استراتيجي لتجارة المخدرات، ومع تزايد الضغوط المرتبطة بإعادة توزيع النفوذ داخل شبكات المصالح غير المشروعة. فالانتخابات كانت تمثل لحظة إعادة رسم محتملة لشبكات القوة التي تتحكم في مفاصل الاقتصاد غير الرسمي، وتهدد بإقصاء فئات عسكرية أو سياسية مرتبطة بهذه الشبكات. وعليه، فإن توقيت التحرك العسكري يمكن قراءته أيضاً بوصفه محاولة استباقية لحماية توازنات خفية، لا تُدار في صناديق الاقتراع بقدر ما تُدار في شبكات النفوذ والأمن والاقتصاد غير المشروع. بهذا المعنى، يصبح الانقلاب نتاج صراع على الدولة بوصفها “مورد سلطة” أكثر من كونه مجرد صراع سياسي تقليدي بين معسكرين انتخابيين.
المحور الثاني: الوضع الراهن في البلاد
يعكس الوضع الراهن في غينيا بيساو صورة مركبة لأزمة دولة شاملة الأبعاد، حيث تتقاطع الاختلالات الاقتصادية مع الهشاشة الأمنية والانقسامات الاجتماعية في سياق سياسي شديد الاضطراب عقب الانقلاب العسكري الأخير. فالدولة لا تعاني من أزمة حكم طارئة فقط، بل من إرث ممتد من ضعف المؤسسات، وتفكك منظومات الضبط السياسي والاقتصادي، وتغلغل الاقتصاد غير المشروع في مفاصل السلطة. الانقلاب لم يكن سوى تعبير صريح عن فشل الدولة في إدارة توازناتها الداخلية، وعن عجزها عن تحويل النمو الاقتصادي النسبي إلى استقرار اجتماعي أو شرعية سياسية. وفي ظل تعليق العملية الانتخابية واحتكار الجيش لمفاصل القرار، دخلت البلاد مرحلة رمادية يتراجع فيها دور المؤسسات المدنية، وتتقلص فيها قدرة المجتمع على التأثير في المسار العام.[7] هذا الوضع يضع غينيا بيساو أمام مفترق طرق تاريخي: إما مزيد من التآكل الداخلي والانزلاق نحو دولة مختطفة أمنياً واقتصادياً، أو بداية مسار تصحيحي صعب يتطلب تفكيك بنية الدولة الهشة من جذورها.
أولًا: الأوضاع الاقتصادية
يعاني الاقتصاد الغيني من بنية ريعية شديدة الهشاشة تقوم أساساً على تصدير منتج واحد تقريباً هو جوز الكاجو، ما يجعل البلاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والابتزاز التجاري من الوسطاء الإقليميين والدوليين. ورغم تسجيل معدلات نمو رسمية تراوحت بين 4.8% و5% خلال السنوات الأخيرة، فإن هذا النمو بقي شكلياً وغير قادر على إحداث تحول بنيوي حقيقي في هيكل الاقتصاد. فالنمو لم يُترجم إلى توسع في القطاعات الإنتاجية، ولا إلى تشغيل واسع لليد العاملة، بل ظل محصوراً في دائرة ضيقة من المستفيدين المرتبطين بشبكات التصدير والسمسرة. هذا النمط من النمو يعمّق التفاوت الاجتماعي، ويعزز اقتصاد الريع بدل بناء اقتصاد وطني متماسك، ما يجعل الدولة ضعيفة أمام الصدمات السياسية والأمنية كما حدث عقب الانقلاب.[8]
تعكس المؤشرات الكلية للاقتصاد في غينيا بيساو صورة تبدو إيجابية ظاهرياً لكنها شديدة الهشاشة بنيوياً. فبحسب تقديرات البنك الدولي (أكتوبر 2025)، سجل الاقتصاد نمواً متوقعاً بنحو 5.1% في 2025، مدفوعاً أساساً بارتفاع إنتاج وصادرات الكاجو الذي يمثل أكثر من 90% من عائدات التصدير. كما انخفض التضخم إلى متوسط 2.5% نتيجة تراجع أسعار الطاقة. ورغم ذلك، لا يتجاوز متوسط دخل الفرد 963 دولاراً سنوياً، بينما يعيش نحو 41.2% من السكان تحت خط الفقر المدقع (أقل من 3 دولارات يومياً). هذا التناقض الحاد بين النمو والفقر يكشف خللاً هيكلياً عميقاً في توزيع الثروة، إذ يتركز العائد الاقتصادي في دوائر ضيقة مرتبطة بالتصدير والوساطة، دون أن ينعكس على القطاعات الإنتاجية أو مستوى الخدمات أو فرص العمل، ما يجعل النمو هشّاً اجتماعياً وقابلاً للانهيار عند أي صدمة سياسية.[9]
أما من زاوية الاستدامة المالية، فرغم تحسن نسبي في المؤشرات، فإن الاقتصاد الغيني يظل شديد التعرض للاختلالات. فقد تراجع عجز الحساب الجاري من 8.6% من الناتج المحلي في 2024 إلى 6.1% متوقعاً في 2025، وانخفض العجز المالي إلى حدود 4.9% من الناتج، بينما يُتوقع تراجع الدين العام من أكثر من 80% إلى 78.5% من الناتج المحلي. غير أن هذه الأرقام الإيجابية نسبياً تخفي واقعاً مقلقاً، يتمثل في غياب قاعدة إنتاجية حقيقية، وضعف التحصيل الضريبي، وتمدّد الاقتصاد غير المشروع المرتبط بتهريب الكوكايين. وتُعد واقعة ضبط 2.63 طن من الكوكايين في سبتمبر 2024 دليلاً على حجم التدفقات المالية غير الرسمية التي تنافس الناتج المشروع. هذا الوضع يخلق اقتصاداً مزدوجاً: رسمي ضعيف، وغير رسمي بالغ النفوذ، ما يقوّض قدرة الدولة على التخطيط المالي والسيطرة على مواردها السيادية.
يتأثر الاقتصاد الغيني بعمق بظاهرة الاقتصاد غير المشروع، وعلى رأسه تجارة المخدرات العابرة للحدود، التي تحولت إلى أحد مصادر الدخل غير المعلنة في البلاد. هذا الاقتصاد يضرب أسس الدولة من الداخل، لأنه يربط الثروة بالنفوذ الأمني لا بالإنتاج، ويخلق تحالفات بين شبكات التهريب وبعض عناصر النخبة السياسية والعسكرية. وبدلاً من أن تكون الدولة منظمة للسوق، أصبحت في كثير من الأحيان طرفاً ضمنياً في حمايته. هذا الوضع يفسر لماذا تُجهض محاولات الإصلاح، ولماذا تُواجَه أي سياسات صارمة لمكافحة الفساد بموجات من الاضطراب والانقلابات. فالاقتصاد غير المشروع لم يعد حالة طارئة، بل أصبح جزءاً عضوياً من توازنات السلطة في غينيا بيساو.[10]
ثانيًا: الأوضاع الأمنية
تشهد الأوضاع الأمنية في غينيا بيساو حالة من التدهور البنيوي المزمن، حيث أصبحت المؤسسة العسكرية لاعباً سياسياً مباشراً لا مجرد جهاز سيادي يخضع للسلطة المدنية. تكرار محاولات الانقلاب، ثم الانقلاب الأخير ذاته، يكشف أن الأمن لم يعد وظيفة لحماية الدولة، بل أداة لإعادة تشكيل السلطة. انتشار السلاح خارج الأطر القانونية، وضعف الانضباط المؤسسي داخل الجيش، وتعدد مراكز القوة داخله، كلها عوامل تجعل البلاد تعيش على وقع تهديد أمني دائم. هذه الهشاشة الأمنية لا تقتصر على العاصمة، بل تمتد إلى الأطراف، حيث تتراجع قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة، ما يفتح المجال لنمو شبكات الجريمة المنظمة والتهريب.
تداخل الأمن مع تجارة المخدرات يمثل أخطر تجليات الانهيار الأمني في غينيا بيساو، حيث تحولت البلاد إلى بوابة رئيسية لعبور الكوكايين من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا. هذا النشاط الإجرامي لا يمكن أن يستمر دون غطاء أمني جزئي على الأقل، وهو ما يفسر حجم الشكوك الدولية حول تورط عناصر من الأجهزة الرسمية في هذه الشبكات. هذا التواطؤ الضمني بين الجريمة المنظمة وبعض دوائر القرار يقوض مفهوم الدولة من أساسه، ويحوّل الأجهزة الأمنية من حامٍ للمجتمع إلى جزء من منظومة الخطر. كما أن الصراع بين هذه الشبكات قد يكون أحد المحركات الخفية للصدامات العسكرية والانقلابات المتكررة.[11]
الانقلاب الأخير أظهر هشاشة البيئة الأمنية المدنية بشكل صارخ، حيث انتشرت نقاط التفتيش العسكرية، وفرض حظر التجول، وأُغلقت الحدود البرية والجوية والبحرية، في مشهد يعكس انتقال البلاد من حالة “الأمن الهش” إلى حالة “الحكم الأمني الصريح”. هذه الإجراءات لا تعزز الاستقرار بقدر ما تعمق مناخ الخوف وعدم اليقين، وتضعف النشاط الاقتصادي والاجتماعي، كما توسع الفجوة بين السلطة والمجتمع. ومع غياب أفق واضح لعودة الحكم المدني، تصبح المخاطر الأمنية مرشحة للتفاقم لا للتراجع، مع احتمال تصاعد الاحتجاجات أو الصراعات داخل المؤسسة العسكرية نفسها.[12]
ثالثًا: الأوضاع الاجتماعية
المجتمع في غينيا بيساو يعيش تحت ضغط اجتماعي هائل ناتج عن تداخل الفقر المزمن مع انسداد الأفق السياسي. ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وانتشار البطالة، خاصة بين فئة الشباب، جعل من الهشاشة الاجتماعية سمة عامة لا استثناء. الشباب الذين يشكلون الكتلة الأكبر من السكان يجدون أنفسهم محاصرين بين اقتصاد عاجز عن الاستيعاب، وسلطة سياسية مغلقة، ومجتمع مدني محدود التأثير. هذا الوضع يخلق جيلاً مهيأً للهجرة غير النظامية، أو للانخراط في أنشطة غير قانونية كوسيلة للبقاء، ما يضيف بعداً اجتماعياً خطيراً للأزمة العامة في البلاد.
تآكل الثقة بين المجتمع والدولة يمثل أحد أخطر مؤشرات الانهيار الاجتماعي، حيث بات المواطن الغيني ينظر إلى المؤسسات بوصفها أدوات قمع أو شبكات فساد، لا كفضاءات للخدمة العامة. الانتخابات فقدت معناها الاجتماعي كمصدر للأمل والتغيير، وتحولت إلى طقس سياسي لا يلامس الواقع المعيشي. هذا الشعور الجمعي بالخذلان يعمّق الانفصال بين الحاكم والمحكوم، ويضعف مفهوم المواطنة لصالح الولاءات القبلية أو الجهوية أو الزبائنية. وفي ظل غياب عقد اجتماعي فعلي، تصبح الدولة كياناً شكلياً أكثر منها إطاراً جامعاً للمجتمع.
تلعب التفاوتات الاجتماعية والجهوية دوراً صامتاً في إعادة إنتاج الأزمات، حيث تتركز الخدمات والفرص في العاصمة ومحيطها، بينما تعاني المناطق الداخلية من تهميش شديد. هذا الاختلال يغذي الإحساس بالظلم، ويخلق أرضية خصبة للاحتقان الاجتماعي القابل للتحول إلى عنف سياسي عند أول هزة كبرى. كما أن ضعف دور المرأة في الحياة الاقتصادية والسياسية، رغم كونها العمود الفقري للاقتصاد الزراعي، يعكس عمق الإقصاء الاجتماعي. في ظل هذه الظروف، لا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي دون معالجة الجذور الاجتماعية للأزمة، لأن أي حل سياسي لا يستند إلى عدالة اجتماعية سيبقى هشاً وقابلاً للانهيار مع أول اختبار. [13]
المحور الثالث: التداعيات الإقليمية والدولية للانقلاب العسكري في غينيا بيساو
يفتح الانقلاب العسكري في غينيا بيساو فصلاً جديداً من الاضطراب في منظومة غرب إفريقيا الهشة أصلاً، ويضيف حلقة جديدة إلى سلسلة الانقلابات التي تضرب الإقليم منذ سنوات، من مالي إلى النيجر وبوركينا فاسو وغينيا كوناكري. هذا التراكم المتسارع للانقلابات يضعف أحد أهم مكتسبات مرحلة ما بعد الحرب الباردة في إفريقيا، وهو ترسيخ مبدأ التداول المدني للسلطة. إقليمياً، يمثل انقلاب غينيا بيساو ضربة إضافية لمصداقية منظمة الإيكواس، التي تبدو غير قادرة على فرض ردع حقيقي يمنع تكرار الانقلابات، ما يهدد بتفكك النظام الإقليمي القائم على الشرعية الدستورية. فكل انقلاب جديد لا يعزز فقط ثقافة الاستيلاء على السلطة بالقوة، بل يشجع جيوشاً أخرى على سلوك المسار نفسه، ما يحول المنطقة إلى فضاء مفتوح على عدم الاستقرار الدائم، ويجعل مشاريع التنمية والتكامل الإقليمي رهينة للانقلابات بدل أن تكون رهينة للإصلاح المؤسسي.[14]
على المستوى الأمني الإقليمي، يشكل انقلاب غينيا بيساو تهديداً مباشراً لشبكات الأمن الجماعي في غرب إفريقيا، خاصة مع هشاشة الحدود وتداخل الجماعات الإجرامية المسلحة عبر أكثر من دولة. فالانقلابات عادة ما تفتح فراغات أمنية مؤقتة تُستغل من قبل شبكات تهريب المخدرات والسلاح والبشر، وهي أنشطة مرتبطة عضوياً بغينيا بيساو بوصفها إحدى أهم بوابات الكوكايين نحو أوروبا. هذا الواقع يجعل الانقلاب ليس شأناً داخلياً معزولاً، بل عاملاً مهدداً للاستقرار الأمني الإقليمي برمته، خصوصاً في ظل تراجع التنسيق بين الدول بسبب اختلاف مواقفها من الانقلابات. كما أن أي اضطراب ممتد في غينيا بيساو قد يمتد تأثيره إلى السنغال وغينيا المجاورتين، سواء عبر الهجرة القسرية أو تصدير الفوضى الأمنية أو تنشيط شبكات الجريمة العابرة للحدود.
دولياً، يعكس الانقلاب في غينيا بيساو استمرار التآكل في النفوذ التقليدي للقوى الغربية في غرب إفريقيا، خصوصاً فرنسا والولايات المتحدة، اللتين طالما اعتبرتا المنطقة جزءاً من مجال الاستقرار النسبي المدعوم سياسياً وأمنياً. ردود الفعل الدولية التي جاءت في إطار القلق والإدانة الدبلوماسية دون إجراءات ردعية حاسمة تعكس محدودية أدوات الضغط في المرحلة الراهنة، لا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية وانشغال الغرب بأزمات أكبر مثل أوكرانيا وآسيا. هذا التراجع يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى للتوسع في الفراغ، سواء عبر شراكات أمنية أو اقتصادية، ما يحول الانقلابات من مجرد أزمات سياسية داخلية إلى أوراق في صراع نفوذ دولي صامت على القارة الإفريقية.[15]
كما أن الانقلاب يأتي في سياق تصاعد التنافس الدولي على الموارد والممرات الاستراتيجية في إفريقيا، حيث لم تعد غينيا بيساو دولة هامشية فقط، بل باتت تقع ضمن خرائط الاهتمام المتصلة بالأمن البحري في الأطلسي، وطرق تهريب المخدرات، وسلاسل التوريد المرتبطة بالزراعة والموارد الطبيعية. في هذا الإطار، قد تجد بعض القوى الدولية في الانقلاب فرصة لإعادة ترتيب تحالفاتها مع السلطة الجديدة بعيداً عن شروط الديمقراطية وحقوق الإنسان. هذا المنطق البراغماتي في إدارة العلاقات الدولية يعمّق مأزق التحول الديمقراطي في إفريقيا، حيث تُمنح الأنظمة المنبثقة عن الانقلابات شرعية الأمر الواقع مقابل ضمانات أمنية أو اقتصادية، ما يكرس ثقافة الإفلات من العقاب السياسي. [16]
يمثل الانقلاب العسكري في غينيا بيساو تهديداً مباشراً لوضعها داخل المنظومات الإقليمية، وعلى رأسها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس) والاتحاد الإفريقي، اللذين يعدّان الانقلابات خرقاً صريحاً للنظام الدستوري الذي التزمت به الدول الأعضاء. وفي ظل السوابق الأخيرة لتعليق عضوية دول شهدت انقلابات مماثلة، فإن غينيا بيساو تبدو مرشحة للدخول في المسار ذاته، بما يحمله ذلك من عزلة سياسية وضغوط اقتصادية مؤثرة. تعليق العضوية لا يقتصر على كونه إجراءً رمزياً، بل يترتب عليه تعطيل بعض آليات التعاون الاقتصادي، وتقليص الدعم الفني والمالي، وحرمان الدولة من قنوات التفاوض والتأثير داخل الفضاء الإقليمي. كما أن هذا الاحتمال سيضعف قدرة غينيا بيساو على الدفاع عن مصالحها في ملفات التجارة البينية، وحركة الأفراد، والتنسيق الأمني المشترك. وفي حال ترسّخ هذا المسار، فإن الانقلاب لن يتحول فقط إلى أزمة داخلية، بل إلى عامل إعادة تعريف لموقع الدولة داخل غرب إفريقيا، من كونها شريكاً هشّاً في المنظومة الإقليمية إلى طرف شبه معزول، يُدار من خارج شبكات القرار الإقليمي بدل أن يكون جزءاً فاعلاً فيها. [17]
رابعًا: الموقف الإقليمي من الانقلاب العسكري
وفيما يتعلق بموقف المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس) والاتحاد الإفريقي، فقد جاء سريعاً ومعبّراً عن قلق عميق إزاء الانقلاب العسكري وما رافقه من تعطيل للعملية الانتخابية واعتقال مسؤوليها، وهو موقف يعكس إدراك المؤسستين لخطورة المساس المباشر بالمسار الدستوري في دولة تعاني أصلاً من هشاشة مزمنة. البيان المشترك لم يكتفِ بالإدانة الأخلاقية، بل حمّل المؤسسة العسكرية مسؤولية مباشرة عن الانحراف عن الإرادة الشعبية، خاصة أن الانقلاب وقع في لحظة كانت فيها بعثات المراقبة قد أنهت لقاءاتها مع المرشحين الذين أبدوا استعدادهم لقبول نتائج الانتخابات. [18]
هذا التوقيت يضع الإيكواس والاتحاد الإفريقي أمام اختبار صعب لمصداقيتهما، في ظل تاريخ متذبذب في التعامل مع الانقلابات بين الحزم والتسويات السياسية. ورغم الدعوة الصريحة للإفراج عن المعتقلين واستئناف المسار الانتخابي، يبقى السؤال الجوهري متعلقاً بقدرة هاتين المؤسستين على الانتقال من منطق البيانات إلى منطق الضغط الفعلي، سواء عبر العقوبات أو آليات الإكراه الدبلوماسي، لمنع ترسيخ الانقلاب كأمر واقع جديد في الإقليم.
المحور الرابع: السيناريوهات المحتملة
يفتح الانقلاب العسكري في غينيا بيساو الباب أمام مسارات مستقبلية متعددة، لا يحكمها منطق واحد ولا تتجه بالضرورة نحو استقرار سريع أو فوضى حتمية، بل تتشكل في منطقة رمادية تتداخل فيها حسابات الجيش، وضغوط الداخل، وتوازنات الإقليم، وحدود التدخل الدولي. طبيعة الدولة الهشة، وضعف المؤسسات، وتغلغل الاقتصاد غير المشروع، كلها عوامل تجعل أي سيناريو مفتوحاً على احتمالات التراجع أو الانقلاب عليه في أي لحظة. وعليه، فإن مستقبل البلاد لن يتحدد فقط بموقف العسكر من السلطة، بل أيضاً بقدرتهم على إدارة الاقتصاد، واحتواء المجتمع، والتعامل مع المنظمات الإقليمية والدولية. وفي هذا الإطار، تبرز خمسة سيناريوهات رئيسية تبدو الأكثر واقعية في المدى المنظور.
- السيناريو الأول: ترسّخ الحكم العسكري قصير المدى تحت غطاء “المرحلة الانتقالية”: يقوم هذا السيناريو على احتفاظ الجيش بالسلطة لفترة انتقالية مطولة بحجة إعادة الاستقرار وتنظيم الانتخابات، دون وجود جدول زمني واضح أو ضمانات فعلية للعودة إلى الحكم المدني. هذا النمط يتكرر في تجارب إقليمية عديدة، حيث تتحول المرحلة الانتقالية إلى سلطة أمر واقع. في غينيا بيساو، قد يجد الجيش نفسه مضطراً لإدارة الدولة مباشرة بسبب غياب البدائل المؤسسية الفاعلة. لكن هذا السيناريو يظل هشّاً بفعل ضعف الخبرة الإدارية للعسكر، وتغوّل شبكات المصالح داخل المؤسسة العسكرية نفسها، ما يُبقي الاستقرار شكلياً ومعرّضاً للاهتزاز مع أول أزمة اقتصادية أو انقسام داخلي.
- السيناريو الثاني: تسوية سياسية هجينة بضغط إقليمي: يفترض هذا السيناريو تدخلاً منظماً من الإيكواس أو الاتحاد الإفريقي لفرض تسوية سياسية تقوم على إشراك المدنيين في الحكم إلى جانب الجيش عبر حكومة انتقالية مختلطة. هذا المسار قد يُقدَّم بوصفه حلاً وسطاً لتفادي العقوبات والعزلة. غير أن التجربة الإفريقية تُظهر أن هذا النمط من التسويات غالباً ما يكون غير متوازن، حيث يحتفظ الجيش بمفاتيح القوة الحقيقية، بينما يتولى المدنيون واجهة سياسية محدودة الصلاحية. في غينيا بيساو، نجاح هذا السيناريو يبقى رهين قدرة القوى المدنية على التوحد، وهو شرط ضعيف التحقق في ظل تشتتها الحالي.
- السيناريو الثالث: انفجار اجتماعي يقلب موازين المشهد: يفترض هذا السيناريو أن تفشل السلطة العسكرية في ضبط الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ما يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية واسعة تقودها فئات الشباب المتضررة من الفقر والبطالة. في هذه الحالة، لا تكون الأزمة سياسية فقط، بل تتحول إلى أزمة شرعية شاملة. ومع غياب وسيط مدني قوي، قد تنزلق البلاد نحو مواجهات مفتوحة بين الشارع والأمن، أو بين مراكز قوى داخل الجيش نفسه. خطورة هذا السيناريو تكمن في أنه لا يقود بالضرورة إلى ديمقراطية، بل قد يفتح الباب لمرحلة فوضى طويلة ومجزأة تشبه “دولة اللا-حكم”.
- السيناريو الرابع: إعادة تدوير النظام القديم بوجوه جديدة: في هذا المسار، يتم تفكيك القيادة العسكرية الحالية شكلياً، وإعادة إنتاج النظام السابق عبر تحالف بين رموز مدنية قديمة وبعض القيادات العسكرية الأقل صدامية مع الخارج. الهدف هنا هو امتصاص الضغوط الإقليمية والدولية دون إحداث تغيير جوهري في بنية السلطة. هذا النوع من الانتقالات “الناعمة شكلياً” يُبقي مراكز النفوذ الاقتصادية والأمنية كما هي، مع تغيير في الواجهات فقط. هذا السيناريو قابل للتحقق بدرجة عالية في غينيا بيساو بحكم تجذر شبكات المصالح، لكنه يحمل في داخله بذور انفجار جديد لأنه لا يعالج جذور الأزمة.
- السيناريو الخامس: انزلاق البلاد إلى نموذج “الدولة المختطفة” بالكامل: يفترض هذا السيناريو الأسوأ أن يتحول الجيش بشكل تدريجي إلى ذراع مباشر لشبكات الاقتصاد غير المشروع، بحيث تصبح الدولة أداة لحماية مسارات التهريب لا لضبطها. في هذا الوضع، تتآكل الحدود بين السلطة والجريمة المنظمة بصورة شبه كاملة، وتتحول غينيا بيساو إلى دولة تديرها تحالفات أمنية-اقتصادية مغلقة. هذا المسار لا يقوم على الفوضى الظاهرة، بل على “استقرار إجرامي هادئ”، تتراجع فيه السياسة لصالح منطق الشبكات. خطورة هذا السيناريو أنه يخلق شكلاً من الاستقرار الوظيفي الذي يصعب تفكيكه لاحقاً دون صدامات عنيفة وعميقة.
ختامًا، وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن الانقلاب العسكري في غينيا بيساو لا يمثل مجرد حادث سياسي عابر في تاريخ مضطرب، بل يعكس أزمة بنيوية عميقة في بناء الدولة الوطنية، وفي طبيعة العلاقة المختلة بين السلطة والمجتمع والمؤسسة العسكرية. فالتداخل بين الهشاشة المؤسسية، والاقتصاد الريعي، وتغوّل شبكات المصالح غير المشروعة، أنتج بيئة سياسية قابلة دوماً للانفجار، وجعل المسار الديمقراطي هشًّا وعرضة للانقطاع القسري عند كل مفترق حاسم. كما أظهر التحليل أن الانقلاب لم يكن معزولاً عن سياقه الإقليمي والدولي، بل جاء في إطار موجة إقليمية من انهيار النماذج المدنية، وتراجع فاعلية آليات الردع الإقليمي، وصعود منطق البراغماتية الدولية على حساب قيم التحول الديمقراطي. أما السيناريوهات المستقبلية، فتكشف أن البلاد تقف أمام مسارات مفتوحة تتراوح بين إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة، أو الانزلاق نحو نموذج الدولة المختطفة، أو دخول مرحلة انتقالية غير مضمونة النتائج. وعليه، فإن مستقبل غينيا بيساو سيظل مرهوناً بقدرتها على تفكيك البنية العميقة للأزمة، لا الاكتفاء بإدارة مظاهرها السياسية الآنية.
الهوامش :
[1] Army officers say they have seized power in Guinea-Bissau, https://edition.cnn.com/2025/11/26/africa/guinea-bissau-army-depose-president-latam-intl
[2] كبار ضباط الجيش في غينيا بيساو يسيطرون على البلاد، وإلقاء القبض على الرئيس، وأنباء عن اعتقال زعيم المعارضة، بي بي سي. https://www.bbc.com/arabic/articles/clyx4n3d11yo
[3] غينيا بيساو.. الجيش يكشف كواليس الانقلاب، العين الإخبارية. https://al-ain.com/article/guinea-bissau-coup-president-elections
[4] غرب أفريقيا والانقلابات.. القطار يصل إلى غينيا بيساو. https://al-ain.com/article/west-africa-coups-guinea-bissau
[5] Pourquoi faut-il s’intéresser aux élections générales en Guinée-Bissau ?, BBC. https://www.bbc.com/afrique/articles/cjr0v32jdppo
[6] Pourquoi faut-il s’intéresser aux élections générales en Guinée-Bissau ?, ibid.
[7] Army officers say they have seized power in Guinea-Bissau, Reuters. https://www.reuters.com/world/sustained-gunfire-near-guinea-bissau-election-commission-building-witnesses-say-2025-11-26/
[8] Army officers say they have seized power in Guinea-Bissau., https://www.reuters.com/world/sustained-gunfire-near-guinea-bissau-election-commission-building-witnesses-say-2025-11-26/
[9] محمود عبد الكريم، غينيا بيساو على خطى الانقلابات الإفريقية؟، قراءات إفريقية. https://shorturl.at/JMlDF
[10] ‘I have been deposed,’ Guinea-Bissau’s President Embalo confirms to FRANCE 24. https://www.france24.com/en/africa/20251126-live-guinea-bissau-military-officers-coup-elections-president-embalo
[11] Guinea-Bissau’s President Says He Has Been Deposed. The Opposition Says It’s a Trick., https://www.nytimes.com/2025/11/26/world/africa/guinea-bissau-coup.html
[12] Guinea-Bissau military takes ‘total control’ amid election chaos. https://www.theguardian.com/world/2025/nov/26/guinea-bissau-officers-take-total-control-close-borders-amid-election-chaos
[13] Guinea-Bissau’s President Says He Has Been Deposed. The Opposition Says It’s a Trick., https://www.nytimes.com/2025/11/26/world/africa/guinea-bissau-coup.html
[14] Soldiers seize power in Guinea-Bissau and detain the president, https://www.bbc.com/news/articles/c0edww3qgq2o
[15] Guinea-Bissau: President Embaló arrested as soldiers say they have ‘taken full control of the country’, https://www.theafricareport.com/400185/coup-in-guinea-bissau-embalo-arrested/
[16] Army officers say they have seized power in Guinea-Bissau, https://edition.cnn.com/2025/11/26/africa/guinea-bissau-army-depose-president-latam-intl
[17] Guinea-Bissau: President Embaló arrested as soldiers say they have ‘taken full control of the country’, https://www.theafricareport.com/400185/coup-in-guinea-bissau-embalo-arrested/
[18] Soldiers seize power in Guinea-Bissau and detain the presidentز https://www.bbc.com/news/articles/c0edww3qgq2o


