
إعداد
عبدالرحمن ممدوح الجمل
بكالوريوس الاقتصاد
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الأسكندرية
جمهورية مصر العربية
مقدمة
تعد مشكلة البطالة من القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تحظى بأولوية كبرى نظراً لارتباطها المباشر بمعدلات النمو واستقرار المجتمع، كما تعد البطالة ملفاً حيوياً يعكس الصراع بين وتيرة النمو السكاني المتزايد وقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل مستدامة. ورغم التحديات العالمية نجحت مصر في الحفاظ على معدلات بطالة منخفضة نسبياً مقارنة بالعقود الماضية؛ حيث استقرت النسبة حول 6.4% مع بداية عام 2026 وذلك مدفوعة بالمشروعات القومية الكبرى وتوسع القطاع الخاص في مجالات التكنولوجيا والخدمات.
أولاً: تعريف البطالة
تُعْرَف بأنها عبارة عن العاطلين عن العمل الذين يعبرون عن مجموعة من الأفراد غير العاملين والذين يبحثون وبفاعلية عن فرصة عمل أو ينتظرون فرصة العودة لعملهم (الشال، 2020). تُعْرَف أيضاً بأنها عبارة عن الأشخاص القادرين على العمل والراغبين فيه والباحثين عنه عند مستوى أجر سائد في المجتمع ولكنهم لا يجدونه وتتراوح أعمارهم ما بين 15 – 65 سنة (هاشم، 2024).
ثانياً: أنواع البطالة
يوجد نوعان أساسيان من البطالة وهما البطالة السافرة والبطالة المقنعة.
أولاً/ البطالة السافرة (الصريحة): تعني وجود أشخاص قادرين على العمل وراغبين فيه بالفعل ولكنهم لا يجدونه، وتنقسم إلى نوعين وهما البطالة الإجبارية والبطالة الاختيارية.
- النوع الأول/ البطالة الإجبارية: تكون بين الأشخاص في سن العمل والقادرين عليه والراغبين فيه ويبحثون عنه ولا يجدون فرص عمل متاحة لهم في ظل الأجور السائدة في المجتمع. تتضمن البطالة الإجبارية ما يلي:
- البطالة الاحتكاكية: تنشأ بسبب التنقلات المستمرة للعاملين بين المناطق والمهن المختلفة وأيضاً بسبب عدم توافر البيانات لدى الباحثين عن عمل وأيضاً لدى أصحاب الأعمال الذين تتوافر لديهم فرص عمل.
- البطالة الهيكلية: تظهر عندما تؤدي التغيرات في أنماط الطلب إلى عدم اتفاق بين المهارات المطلوبة والمعروضة فيه.
- البطالة الدورية: تكون مرتبطة بتقلبات النشاط؛ حيث تظهر في حالة الانكماش أو الركود ونجد أنه عندما يقل الطلب الكلي على الخدمات والسلع يقوم أصحاب الأعمال بتسريح جزء من العمالة.
- البطالة الموسمية: تنشأ بسبب قصور الطلب على العمال في مواسم معينة، نجد أنها تنتشر في الدول الآخذة في النمو التي تعتمد بشكل كبير على النشاط الزراعي الذي لا يتطلب سوى قدر صغير جداً من رأس المال بالإضافة إلى قدر محدود من المستويات التقنية والمعدات، كما نجد أن الطلب على العمال يزداد في مواسم الزراعة والحصاد.
- النوع الثاني/ البطالة الاختيارية: تعني عدد الأفراد القادرين على العمل ولكنهم لا يرغبون في العمل.
ثانياً/ البطالة المقنعة: هي الحالة التي يتكدس فيها عدد كبير من المشتغلين بصورة أكبر من الحاجة الفعلية للعمل مما يعني وجود عمالة فائضة لا تنتج شيئاً، أي أنه في هذه الحالة تكون الإنتاجية الحدية للعمال صفراً أو سالبةً (المرجع السابق).
ثالثاً: أسباب البطالة
يوجد العديد من الأسباب المؤدية لحدوث بطالة منها ما يلي:
- الزيادة السكانية: حيث إن ارتفاع عدد السكان يلعب دوراً رئيسياً في تدفق الأعداد الكبيرة لسوق العمل وبالتالي يساهم ذلك في ارتفاع مستوى البطالة وتفاقمها (البهلول، 2021).
- عدم كفاية المعلومات ودقتها عن سوق العمل وقصور التخطيط اللازم للقوى العاملة: حيث إن ظهور البطالة جاء نتيجة قصور التخطيط للقوى العاملة أو عدم الاستخدام الأمثل للموارد البشرية، ويتضح من ذلك غياب السياسات التنسيقية بين منظومة التعليم ومتطلبات سوق العمل مما يعمل ذلك على تفاقم ظاهرة البطالة (برهام، 2025).
- نقص التدريب المهني: حيث إن هناك نقصاً في مراكز التأهيل التي تواكب التطور التكنولوجي السريع مما يجعل العديد من الشباب غير مؤهلين من أجل الوظائف المتاحة في الشركات الدولية.
- الاستثمار في قطاعات غير كثيفة العمالة: حيث نجد توجه بعض الاستثمارات نحو قطاعات تكنولوجية أو عقارية لا تستوعب أعداداً كبيرة من العمالة مقارنة بقطاعات الصناعة والزراعة.
رابعاً: إحصائيات عن البطالة في مصر
تطور معدلات البطالة في مصر خلال الفترة (2020 – 2024)

يتضح من ذلك:
- في عام 2020 سجل معدل البطالة نحو 7.974% ويرجع ذلك بسبب جائحة كورونا؛ حيث شهد هذا العام أعلى معدل بطالة نتيجة إجراءات الإغلاق الكلي والجزئي، وتوقف حركة السياحة والطيران بشكل كامل مما أدى ذلك إلى فقدان وظائف مؤقتة في قطاع الخدمات.
- في عام 2021 وهي مرحلة بداية التعافي حيث سجل معدل البطالة نحو 7.441% وذلك نتيجة العودة بشكل تدريجي للنشاط الاقتصادي؛ فمع تخفيف قيود الإغلاق بدأت قطاعات كالسياحة والتجارة في استعادة عمالتها كما ساهمت المشروعات القومية الكبرى مثل العاصمة الإدارية والطرق في استيعاب أعداد كبيرة من العمالة غير المنتظمة.
- في عام 2022 وهي مرحلة الاستقرار الحذر حيث بلغ معدل البطالة نحو 7.344% ويرجع ذلك لتأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية حيث شهد هذا العام ضغوطاً تضخمية عالمية أثرت بشكل كبير على سلاسل الإمداد رغم ذلك حافظ المعدل على استقراره بفضل نمو قطاعات الاتصالات والتشييد والبناء.
- في عام 2023 وهي مرحلة الصمود الاقتصادي حيث بلغ معدل البطالة نحو 7.334% جاء ذلك نتيجة التركيز على توطين الصناعة حيث يُظْهر هذا المعدل استقراراً شبه تام مع انخفاض طفيف جداً ويعود ذلك إلى توجه الدولة نحو دعم الإنتاج المحلي والزراعة من أجل تقليل عملية الاستيراد مما أدى ذلك إلى خلق فرص عمل عوضت عملية التباطؤ في بعض القطاعات الخدمية.
- في عام 2024 وهي مرحلة التحسن الملحوظ حيث سجل معدل البطالة نحو 7.198% وذلك نتيجة الاستثمارات الكبرى وتدفقات رأس المال حيث يعزى ذلك إلى صفقات استثمارية كبرى مثل مشروع رأس الحكمة وغيرها التي بدأت في ضخ سيولة في السوق بجانب زيادة مساهمة القطاع الخاص ونمو قطاع التكنولوجيا والعمل عن بعد.
- بلغ معدل البطالة نحو 6.7% من إجمالي قوة العمل خلال الربع الثالث من عام 2024 بارتفاع قدره 0.2% عن الربع الثاني من عام 2024.
- كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن نتائج بحث القوى العاملة للربع الثالث من عام 2024 حيث بلغت قوة العمل 32.21 مليون فرد خلال الربع الثالث لعام 2024 مقابل 31.423 مليون فرد خلال الربع الثاني من عام 2024 بنسبة زيادة 2.5٪ منهم 26.432 مليون فرد للذكور مقابل 5.786 مليون فرد للإناث ويرجع ذلك لارتفاع أعداد المشتغلين بمقدار 694 ألف مشتغل خلال الربع الحالي عن الربع السابق، وارتفاع المتعطلين بمقدار 101 ألف متعطل مما أدى ذلك إلى ارتفاع قوة العمل بمقدار 795 ألف فرد.
- بلغ عدد المتعطلين نحو 2.159 مليون متعطل بنسبة 6.7٪ من إجمالي قوة العمل مقابل 2.058 مليون متعطل عن الربع السابق بارتفاع قدره 101 ألف متعطل بنسبة 4.9٪، بلغ معدل البطالة بين الذكور نحو 4.2٪ من إجمالي الذكور في حين بلغ معدل البطالة بين الإناث نحو 18.2٪ من إجمالي الإناث في قوة العمل خلال الربع الثالث من عام 2024.
- ارتفع معدل البطالة خلال الربع الثالث من عام 2025 ليبلغ نحو 6.4% من إجمالي قوة العمل بزيادة 0.3% عن الربع الثاني من عام 2025 وفقاً لنتائج بحث القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
- بحسب الإحصاء نجد أن حجم قوة العمل ارتفع ليسجل نحو 34.727 مليون فرد في الربع الثالث من عام 2025 مقابل 33.614 مليون فرد خلال الربع الثاني من عام 2025 بنسبة زيادة مقدارها 3.3% مشيراً إلى أن قوة العمل في الحضر بلغت نحو 15.205 مليون فرد في حين بلغت في الريف نحو 19.522 مليون فرد.
- على مستوى النوع فقد بلغ حجم قوة العمل نحو 26.998 مليون فرد للذكور في حين بلغت نحو 7.729 مليون فرد للإناث.
- أرجع الإحصاء أسباب ارتفاع حجم قوة العمل إلى زيادة أعداد المشتغلين بمقدار 939 ألف مشتغل خلال الربع الثالث من عام 2025 عن الربع السابق من نفس العام، وزيادة المتعطلين بمقدار 175 ألف متعطل مما أدى ذلك إلى ارتفاع قوة العمل بمقدار 1.114 مليون فرد.
- أضاف الإحصاء أن عدد المتعطلين ارتفع خلال الربع الثالث من عام 2025 ليسجل نحو 2.229 مليون متعطل بنسبة 6.4% من إجمالي قوة العمل منهم 1.071 مليون ذكور، 1.158 مليون إناث مقابل 2.054 مليون متعطل في الربع الثاني من عام 2025.
خامساً: نتائج البطالة في مصر
حيث تؤدي معدلات البطالة حتى وإن كانت قليلة نسبياً إلى عدة نتائج اقتصادية واجتماعية وأمنية في المجتمع المصري.
أولاً: آثار اقتصادية
- هدر الموارد البشرية: حيث يتم تعطيل طاقات شابة قادرة على الإنتاج مما يقلل من الناتج المحلي الإجمالي الفعلي وبالتالي يحدث تباطؤ في معدلات النمو الاقتصادي.
- الضغط على الموازنة: حيث يتم زيادة الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية مثل تكافل وكرامة من أجل دعم الفئات المتضررة بدلاً من توجيه تلك الأموال للاستثمار.
- توسع القطاع غير الرسمي: حيث يلجأ العديد من الشباب للعمل في وظائف غير مُؤَمن عليها وبأجور منخفضة من أجل الخروج من البطالة السافرة.
ثانياً: آثار اجتماعية
- تأخر سن الزواج: وذلك بسبب عدم القدرة على تحمل تكاليف المعيشة وتوفير السكن المناسب.
- هجرة العقول والكفاءات: حيث يضطر المتميزون من الشباب للبحث عن فرص عمل بالخارج مما يفقد مصر كفاءات نادرة تحتاجها في عملية التنمية.
- اتساع فجوة الفقر: حيث إن غياب الدخل الثابت يدفع الأسر نحو دائرة الفقر وبالتالي يخفض من قدرتها على الوصول لخدمات صحية وتعليمية جيدة.
ثالثاً: آثار نفسية وأمنية
- زيادة معدلات الجريمة: هناك ارتباط وثيق بين ارتفاع معدلات البطالة وزيادة جرائم السطو والسرقة كوسيلة سريعة للكسب.
- الإحباط والاغتراب الاجتماعي: حيث يشعر الشاب العاطل بعدم الانتماء للمجتمع مما يجعله فريسة ميسرة للأفكار المتطرفة أو اللجوء لعملية الهجرة غير الشرعية.
- تدهور الصحة النفسية: حيث تؤدي عملية البطالة لفترة طويلة إلى انتشار حالات الاكتئاب والقلق وفقدان الثقة بالنفس بين الخريجين الجدد.
التوصيات
- الاعتماد بصورة أكبر على العمالة والخبرات المحلية مع تقليل الاعتماد بقدر المستطاع على العمالة الأجنبية من أجل خفض معدلات البطالة داخل المجتمع المصري.
- ضرورة العمل على استغلال الزيادة السكانية بشكل أمثل وتوجيهها لمشروعات يمكن أن تضيف للناتج المحلي الإجمالي وبالتالي تنخفض معدلات البطالة.
- العمل على وضع خطط للتعليم تتناسب مع احتياجات سوق العمل من أجل تقليل حدة البطالة بين خريجي الجامعات والمعاهد.
- العمل على الاهتمام بالأنشطة المتوسطة والتي تتسم بالاستدامة وهي أحد أهم مجالات استيعاب أعداد أكبر من العمالة وهو ما يتطلب تقديم المساعدات المالية والقانونية وتشجيع المشروعات التصديرية منها.
- يجب أن تركز السياسات الاقتصادية بتشجيع الإنفاق الحكومي على الاستثمار في البشر الأمر الذي يؤدي إلى تحفيز النمو من خلال زيادة كفاءة وإنتاجية العاملين.
- العمل على تقديم التوجيه والإرشاد للطلاب حول التخصصات وآفاقها المستقبلية في سوق العمل.
- وضع آليات لمتابعة المشروعات الناجحة لرواد الأعمال والأخرى المتعثرة عن العمل والتي توقفت عن العمل من أجل متابعتها وحل المشكلات التي تواجهها من أجل ضمان استمرارها في العمل والنمو وتوفير فرص عمل بالمجتمع والحد من البطالة.
المصادر
- برهام، محمد محمود، (2025)، “التحليل الاقتصادي لمشكلة البطالة في مصر”، مجلة راية الدولية للعلوم التجارية، المجلد الرابع، العدد الثاني عشر.
- البهلول، سمارة شعبان، (2021)، “أسباب مشكلة البطالة في المجتمع”، المجلة العلمية لكلية الآداب، المجلد العاشر، العدد الأول.
- الشال، مها محمد، (2021)، “تأثير النمو الاقتصادي على البطالة في مصر”، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، المجلد الواحد والخمسون، العدد الأول.
- هاشم، محمد حسين، (2024)، “ريادة الأعمال كأحد آليات مواجهة مشكلة البطالة في مصر”، كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر، الدقهلية، العدد خمسمائة وستة وخمسون.
المواقع الإلكترونية
- الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء: https://www.capmas.gov.eg/mediaLanding/news/3320
- الإحصاء: معدل البطالة بلغ نحو 6.7٪ خلال الربع الثالث لعام 2024: https://www.almasryalyoum.com/news/details/3306784


