
إعداد
عبد الرحمن محمد محمد غزالة
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
جمهورية مصر العربية
المقدمة:
إن التطور الإنساني يخبرنا في أوضح صوره أن الأمر ما هو إلا عبارة عن جدلية أطروحات تضحض واحدة منها الأخرى حتى نصل إلى الكمال، وفي خلط بين مفاهيم الحتمية التاريخية والداروينية الاجتماعية نرى هذا الأمر في أبهى حلة في الصراع الأيديولوجي إبان فترة النسق الثنائي، والذي دشن أكبر صراع قيمي شهدته البشرية قاطبة، والذي أسدل ستاره بانهيار الكتلة الشرقية وتفكك القوة المهيمنة التي كانت تربط دول هذه الكتلة ببعضها وتمنعها من التشرذم والتحول إلى مجموعة من الدول المتناثرة هنا وهناك. ولربما انطلاقًا من هذه المقدمات الآنفة الذكر، حاول فرانسيس فوكوياما الإعلان عن هذا الأمر في كتابه “نهاية التاريخ”؛ رأى فوكوياما، كما رأى هيغل من قبله، أن الأطروحات التي تتصارع مع بعضها يتولد عنها فكر جديد، غاية هذا الفكر هي سد الثغرات ورأب الصدع الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى الحصول على الوضع المثالي من حيث التنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولذا وعقب ما انتهى هذا الصراع، والذي خرجت من بعده الليبرالية ومعها الرأسمالية معلنة عن نفسها كالأيديولوجية الأمثل والمعبر عن الحقيقة ذاتها، وهذا ما أكد عليه فوكوياما في قوله إن البشرية أدركت أن الليبرالية هي الفكر الأقوم والمعبر عن ذروة التقدم البشري. وانطلاقًا من الداروينية الاجتماعية كذلك، فقد سعت الولايات المتحدة -القوة المنتصرة والتي لا يوجد على ظهر الخليقة وقتها من يمكن أن يقف في وجهها- لذلك لم يكن أمام الدول الأخرى سوى الإذعان بشكل مؤقت والقبول بالنظام العالمي الجديد والعولمة رغماً عن أنوفهم، ولكن لِمَ سقطت الماركسية ولِمَ لم تواجه الرأسمالية المصير ذاته؟!
(إن النظام الرأسمالي يحمل عوامل فنائه)؛ هذه الجملة هي درة تاج التنظير الماركسي، وحقيقة الأمر هذه الجملة في ذاتها لم تكن بأي شكل من الأشكال خاطئة، فقد هُدِّدت الرأسمالية أكثر من مرة وواجهت تقلبات حادة هددت أسسها وقواعدها، ولكن التنظير الماركسي لم ينظر إلى الشق السياسي أو التنظير السياسي؛ فعلى عكس التنظير الماركسي والذي بدأ من الشق الاقتصادي ولم يراعِ الشق السياسي إلا فيما بعد، فالرأسمالية والليبرالية مثلتا جناحين لطائر واحد، أما التنظير الماركسي في شقه السياسي كان معيبًا ومشوهًا إلى حد ينفي اتصاله واتساقه مع الواقع. ولكي نوضح الأمر بشكل لا لبس فيه، سوف نستعين بفلسفة العقد الاجتماعي والتي توضح لنا العلاقة بين السلطة والمجتمع والدولة، وكيفية الانتقال من حالة الطبيعة -وهي حالة اللاسلطة واللامجتمع- إلى حالة السلطة والمجتمع. ولقد اختلف جميع فلاسفة العقد السياسي حول ماهية هذا العقد وشروطه وكيفية تكوينه، ولكن سوف نتناول اثنين فقط من الثلاثة: جون لوك الإنجليزي ومؤسس الليبرالية، والتي شكلت أفكاره مهد الثورتين الأمريكية ١٧٧٦ والفرنسية الكبرى ١٧٨٩، والتي أدت بنا إلى ما يعرف بالديمقراطية الليبرالية. وفكرة جون لوك ببساطة قائمة على أن حالة الطبيعة هي حالة خيرة، وفي هذا يتطابق تصور لوك مع روسو إلى حد كبير، لكن الأمر يختلف في طبيعة العقد؛ لوك كان يرى ضرورة أنه بسبب الحفاظ على الحقوق الخاصة بالأفراد تنازل الأفراد عن جزء من حقوقهم لطرف آخر هو جزء من العقد في مقابل الحفاظ على باقي الحقوق، ولكن ماذا لو جار الحاكم؟ إذن الأفراد أصبحوا في حِلٍّ من هذا العقد، ومن هنا جاء مبدآن هما أساس التنظير السياسي الليبرالي، وهما مبدأ سيادة الأمة ومبدأ تمتع الشرعية والذي أُشير إليه في هذه الحالة ضمنيًا. وبما أنه أصبح التنظيم السياسي جاء بعده التنظيم الاقتصادي، فبالنظر إلى التنظيم السياسي الليبرالي نرى أن مرتكزه الأساسي ومركز ثقله هو الفرد وتعظيم منافعه الخاصة، إذن سيتم تطبيق نفس الأمر في الشق الاقتصادي؛ الحرية الاقتصادية ستكون هي مربط الفرس، ومن هنا جاء الاتساق بين الشقين الاقتصادي والسياسي، ومن نفس القبس جاء مفهوم الدولة حارسة الليل كتعبير عن الدور التنظيمي للدولة والجهاز العضوي المعبر عنها وهي الحكومة، ومن هنا جاءت الجملة الأشهر في الرأسمالية وهي (دعه يعمل دعه يمر). وانطلاقًا من كل هذه الأشياء، نستطيع أن نرى من أين وجدت الليبرالية ومعها الرأسمالية طريقها نحو الاستمرار، حيث كانت لها القدرة على احتواء التيارات والاختلاف داخل المجتمع، وهذا ساعد إلى حد كبير على إعادة تموقعها عقب كل أزمة، فنرى كينز ينادي بتدخل الدولة في الاقتصاد وذلك من أجل الخروج من الكساد العظيم، وهذا أمر مثل تغييرًا جذريًا لم يسبق له مثيل وتدميرًا لفكرة اليد الخفية وأن السوق قادر على تصحيح وضعه بنفسه.
ولكن عندما يأتي الأمر إلى روسو فهو يرى نوعًا ما أن الأفراد تنازلوا عن جميع حقوقهم للإرادة العامة، وهنا يظهر لدينا مبدأ شديد التباين عن سيادة الأمة وهو مبدأ سيادة الشعب، أي أن المجتمع أصبح هو الدولة والفرد، ولكن هنا أقر روسو بفكرة السلطة، ولكن الفرد لم يعد له مكان في هذه المنظومة قياسًا على ما جاء به ماركس، وأن ديكتاتورية البروليتاريا والتي ستمثل هي المجتمع عقب نجاح الثورة وستقوم بإخراس جميع الألسنة المعارضة وعبر التأميم والملكية العامة وانتفاء التفاوت الطبقي وتوزيع عوامل الإنتاج على الأفراد بالتساوي، فلذلك لن يكون هنالك غاية من بقاء السلطة لكي تحافظ على الثروة وتراكمها بيد الطبقة البرجوازية، والسبب وراء رؤية ماركس لهذا التصور هي الجدلية المادية؛ حيث يرى أن عالم السياسة ما هو إلا الصراع بين الطبقات، وأن التاريخ بكل ما فيه من أحداث كان محصلة للصراع على امتلاك والاستحواذ على وسائل الإنتاج، وهذه الجدلية ستقودنا بالنهاية إلى الاشتراكية حيث الملكية العامة، ومن ثم إلى الحالة الأولى التي بدأ منها التاريخ وهي الشيوعية الأولى، وذلك سيحدث عبر التراكم الرأسمالي ومع تراجع بعض الفئات البرجوازية لصفوف البروليتاريا واحتكار الثروة بيد القلة، ومع الاعتماد على الآلات والقضاء على القوة الاستهلاكية للطبقة العاملة، كل هذه العوامل جمعاء ستؤدي بالنهاية إلى الثورة ومن ثم الديكتاتورية ومن ثم انتهاء الدولة. ولكن هنا تكمن الإشكالية والمفارقة المركبة؛ فماركس الذي نادى بإنهاء الدولة سلمها جميع مفاتيح الخلائق، لقد جعلها الإله الذي يتحكم في مصير الشعب كيفما يشاء، حتى إن العديد من المنظرين يقولون إنه إذا تتبعنا النهضة الصناعية في الاتحاد السوفيتي نراها لم تختلف في مضمونها عما جاءت به الرأسمالية بل وزادت عليها، حيث منعها لفكرة الحراك الاجتماعي وبقاعدة بسيطة (لكل على قدر طاقته ولكل على قدر حاجته) ببساطة مهما فعلت لن تنل سوى ما تقره الدولة، وهذا أجده قصورًا في التنظير الماركسي بل وخطأ فادحًا وفاضحًا للتناقض الصارخ في هذا الفكر؛ حيث إن ماركس أقر بأن العمل هو مركز القيمة وسببها، فكيف يتم استئصاله وانتزاعه في الأجر؟ ولذلك لم يكن مستغربًا هروب الألمان الشرقيين إلى ألمانيا الغربية تحت النموذج الغربي. وللمفارقة، إن الثورة التي تنبأ بها ماركس لم تحدث في بريطانيا أو ألمانيا -القوتين الصناعيتين العظمتين وقتها- إنما في روسيا القيصرية، تلك الدولة التي كانت ما زالت تحبو ناحية عملية التحديث، مما جعلنا نوقن بأن ماركس أفرط في مثاليته إلى الحد الذي يجعلنا نقول إنه لو كان للمادة ميتافيزيقا لقلنا أن ماركس هو رائد هذا الاتجاه، ويعزى الفشل الخالص للماركسية إلى عدم وجود تنظيم سياسي، وذلك ببساطة هو الثقة المفجعة بانتهاء الدولة والوصول للشيوعية، مما جعل معظم الدول التي جعلت الماركسية تعلق في الاشتراكية دونما التقدم.
ختامًا:
إن الليبرالية ومعها الرأسمالية لوصلتا للانهيار المزعوم من قبل ماركس، غير أن الرأسمالية أدركت أوجه قصورها وسعت لعلاجها إلى حد كبير حتى أنها أخذت من الماركسية نفسها، فنراها تضع برامج الضمان الاجتماعي قيد التطبيق، والدول تتدخل في الاقتصاد في أوقات الأزمات، إضافة إلى ذلك مجانية التعليم ما قبل الجامعي وفي بعض الأحيان الجامعي، وحتى أن النقابات العمالية والحركات اليسارية تم احتواؤها داخل المنظومة الليبرالية، ونرى الآن نوعًا جديدًا من الديمقراطية الليبرالية والتي طعمت نفسها ببعض الخصائص الاشتراكية والتي تسمى الديمقراطية الاجتماعية، والتي ذهبت إلى الحد للمطالبة بتطبيق دولة الرفاهة على أرض الواقع، ولكن من وجهة نظري الشخصية أرى أن خطأ الماركسية الأكبر هو إغفالها لطبيعة الإنسان، والمقولة التي تعلمناها منذ أن بدأنا دراستنا حقل العلوم السياسية هي (الإنسان والسلطة والمجتمع جميعها ظواهر متلازمة)؛ هذه هي سنة الله في خلقه وفطرته التي فطر الناس عليها.


