On Research

مقالات تحليلية

الديمغرافية اليهودية في فلسطين وتأثيرها علي المشروع الصهيوني

Email :16

إعداد

د. خلف المفتاح

كاتب و باحث سوري

سوريا

 

 

منذ سقوط مملكتي إسرائيل ويهوذا، أو ما يطلق عليه الصهاينة “يهودا والسامرة” منتصف القرن السادس قبل الميلاد على أيدي الأشوريين والبابليين، ومن ثم تيتوس الروماني سنة 70 للميلاد، لم تقم لليهود قائمة في أرض فلسطين حتى سنة 1948؛ حيث عاشوا حالة من الشتات في أغلب دول العالم، ولا سيما القارة الأوروبية بجناحيها الشرقي والغربي، واستوطنت أعداد منهم في بعض الأقطار العربية، علماً أن الجماعات اليهودية لم تختلط مع غيرها من سكان تلك الدول وبقيت تعيش حالة الحي اليهودي (الغيتو) كي تحافظ على خصوصيتها ولا تذوب هويتها الدينية والثقافية الطقسية في تلك المجتمعات، وربما كانت هذه الخصوصية الصلبة هي من حافظ على الجماعة اليهودية عبر تاريخها المثخن بالجراح والصراع والاستهداف.

وخلال مئات السنين حتى القرن الثامن عشر الميلادي، لم تظهر بشكل جلي دعوة يهودية منظمة لاستيطان فلسطين من قبل اليهود؛ حيث ظهرت إرهاصاتها الأولى بعد ذلك التاريخ، ولعل المفارقة هنا أن الدعوة لاستيطان فلسطين كانت ظاهرة مسيحية كالفينية بروتستانتية وليست يهودية، بوصفها (حلاً) لما أُطلق عليه “المشكلة اليهودية”، وهو الذي برز بشكل قوي بعد قيام الثورة الفرنسية سنة 1789 والحديث عن الدولة القومية العلمانية والفصل ما بين الدين والدولة، مما فاقم مما سمي “المشكلة اليهودية” وبروزها على سطح الجدال الثقافي والفكري.

وفي تلك الفترة، ولا سيما منتصف القرن التاسع عشر، بدأت أعداد من اليهود الهجرة إلى فلسطين واستيطانها، وترافق ذلك مع تزايد النفوذ الغربي في السلطنة العثمانية التي كانت تسمى “الرجل المريض”، مع أن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني رفض كل أشكال الضغط لقبول فكرة قيام دولة لليهود في فلسطين، ومع ذلك بدأ قيام مستعمرات يهودية في المناطق الشمالية منها، ولا سيما مستعمرة “بتاح تكفا”. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، وعلى الرغم من كل أشكال التواطؤ والتهجير، لم يكن عدد يهود فلسطين وحسب الإحصاءات البريطانية يزيد عن 45 ألفاً، يقابل ذلك أكثر من 750 ألفاً من الفلسطينيين.

ومع وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني ونظام عصبة الأمم، وتعيين روبرت صموئيل اليهودي مندوباً سامياً بريطانياً على فلسطين، والذي تعامل مع المسألة كحاكم يهودي نيابة عنهم، فُتحت أبواب الهجرة إليها وبشكل مكثف، وعبر مقتضيات وروافع مؤتمر بال في سويسرا، والصندوق القومي اليهودي، ودعم آل روتشيلد ونفوذهم المالي والسياسي، والتواطؤ الدولي، وما ارتكب بحق اليهود من مجازر في ألمانيا النازية واستثمار ذلك لاستجلاب التعاطف مع فكرة قيام الدولة اليهودية، وعمليات الطرد والتهجير القسري للفلسطينيين، وما ارتكبته عصابات الهاغانا والأرغون من أعمال إرهابية بحق الفلسطينيين؛ مع ذلك كله لم تتجاوز أعداد اليهود في فلسطين سنة التقسيم 1947 الـ 450 ألفاً.

ومع قيام الدولة اليهودية والإعلان عنها في 15 مايو 1948، وتوسع النشاط العدواني، واستجلاب أعداد كبيرة من اليهود من أوروبا الشرقية وأعداد أقل من أوروبا الغربية وبعض الدول العربية، لم تستطع الدعاية الصهيونية استقدام أكثر من 10 بالمائة من يهود العالم آنذاك.

ومنذ قيام الدولة اليهودية حتى سنة 1967، عام عدوان حزيران، لم تزد أعداد اليهود في فلسطين عن مليون ونصف مستوطن، ومع احتلال أراضٍ عربية من ثلاث دول عربية هي سورية ومصر والأردن، زادت أعداد المستوطنين مع ارتفاع وتيرة ودور التيار الديني المتطرف في إسرائيل، والحديث عن “نصر إلهي” في حرب حزيران استُثمر لاستجلاب عشرات الآلاف منهم، ومع ذلك لم تتشكل أكثرية وازنة منهم إلا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وهجرة أكثر من مليون ونصف يهودي من دوله الناشئة، ولا سيما أوكرانيا.

واليوم، وبعد مرور أكثر من 77 عاماً على قيام الدولة اليهودية، وكل ما لحق بالشعب الفلسطيني من استهداف في أرضه وسياسة التهويد الممنهج التي اتبعتها سلطات الاحتلال منذ عام 1948 وحتى الآن لجهة طرد الفلسطينيين من أرضهم التاريخية، ولا سيما في الضفة الغربية والقدس الشرقية ومسجدها الأقصى، والإبادة الجماعية في غزة، وضم الجولان العربي السوري؛ مع كل تلك السياسات العنصرية الإلغائية، تشير أحدث دراسة نشرتها دائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل عبر تقريرها السنوي، الذي نُشر في صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر بتاريخ 20 نيسان 2026، والذي جاء فيه:

إن عدد سكان إسرائيل بلغ حتى تاريخ نشر التقرير السنوي عشرة ملايين و244 ألف نسمة، بينهم 7 ملايين و790 ألف يهودي، أي 76 في المائة، وهم يشكلون وفق الإحصاء 45 بالمائة من يهود العالم الذين يبلغ عددهم 15 مليوناً و800 ألف، وبيّن الإحصاء أن عدد العرب من سكان إسرائيل (أي فلسطينيي 1948) بلغ مليونين و157 ألفاً يشكلون نسبة 21 بالمائة، ولكن التعمق في هذه الإحصائيات وفق الصحيفة يظهر بعض الخلل والتشويه؛ إذ إن عدد اليهود في إسرائيل يشمل المستوطنين في الضفة الغربية والجولان المحتلين، بينما عدد العرب يشمل فقط سكان القدس الشرقية وهم حوالي 350 ألفاً، والجولان 25 ألفاً، وبدا لافتاً وفقاً للصحيفة وجود 286 ألف نسمة (أي 2.9 بالمائة) من المواطنين ليسوا يهوداً ولا عرباً، وغالبيتهم مسيحيون ممن هاجروا من دول الاتحاد السوفيتي بعد تفككه ولم يعتنقوا اليهودية.

وبيّن التقرير أنه خلال السنة الماضية (نيسان 2025) زاد عدد سكان إسرائيل بمقدار 146 ألف نسمة، بزيادة قدرها 1.4 في المائة، منهم 110 آلاف نسمة من السكان الإسرائيليين بزيادة قدرها 1.1 بالمائة، ونحو 36 ألف نسمة من العمال الأجانب.

وخلال فترة الإحصاء من نيسان 2025 إلى نيسان 2026، وُلد نحو 177 ألف طفل، ووصل 21 ألف مهاجر، وتوفي 48 ألف شخص، فيما بلغ عدد الإسرائيليين المقيمين في الخارج نحو 45 ألفاً، ووصل إليها خمسة آلاف شخص في إطار لم الشمل. وسجل معدل الأعمار ارتفاعاً رغم مقتل حوالي ألفي إسرائيلي، وبلغ 81.1 سنة للرجال و85.5 للنساء.

ويشير التقرير السنوي إلى ارتفاع عدد سكان إسرائيل منذ قيام الكيان سنة 1948 حوالي 12 مرة، من 806 آلاف نسمة إلى 10 ملايين و244 ألفاً راهناً، وخلال 77 سنة الماضية هاجر إلى فلسطين المحتلة أكثر من 3.5 مليون مهاجر، من بينهم 1.68 مليون (47.8%) وصلوا منذ عام 1990 على إثر انهيار الاتحاد السوفيتي وفتح حدود الهجرة منه، ولكن نسبة الإسرائيليين المولودين فيها ويسمون (صابريم) تبلغ حوالي 90 بالمائة، من بينهم 11.5 بالمائة يعتبرون أنفسهم متدينين (حريديم)، و12 بالمائة متدينون، و35.5% تقليديون، و43 بالمائة علمانيون.

ويشير الإحصاء إلى أن حوالي 27 بالمائة من سكان إسرائيل هم من الأطفال تتراوح أعمارهم بين 0 و14 عاماً، ويوجد 13 بالمائة في سن 65 وما فوق، ووفقاً للتقرير تبلغ الكثافة السكانية حوالي 446 نسمة في كل كيلومتر مربع، وأن 44 بالمائة من الإسرائيليين يعملون، بينما 26 بالمائة من جيل الكهولة الذين لا يستطيعون العمل، وتمثل نسبة 28 بالمائة من يستطيعون العمل ولكن لا يعملون ولا يفتشون عن عمل، بينما يسجل 3 بالمائة كعاطلين عن العمل بشكل رسمي. وبيّن الإحصاء أن 92 بالمائة من الإسرائيليين يتعاملون مع الإنترنت، بينما 55 بالمائة يمارسون الرياضة البدنية، و70 بالمائة من أرباب العائلات يملكون بيتاً، و63 بالمائة يصلون العمل بسياراتهم الخاصة، و6 بالمائة يعملون في المنزل، و74 بالمائة يسكنون المدن.

والحال: أنه رغم كل الدعايات الصهيونية واتباع سياسة الترانسفير الفلسطيني والسعي المحموم لجلب يهود العالم إلى (أرض الميعاد)، لا زالت تلك السياسة قاصرة عن دفع يهود العالم إلى فلسطين، بدليل أن أكثرية يهود العالم الذين يبلغ عددهم 16 مليوناً لا زالوا يعيشون في بلدانهم؛ فعلى سبيل المثال فإن يهود أمريكا أكثر من يهود إسرائيل، ناهيك عن أن أرقام الهجرة إلى إسرائيل قد تراجعت بشكل واضح خلال السنوات السابقة، لا بل أن الهجرة العكسية قد ازدادت نحو أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ولا سيما من مزدوجي الجنسية وجيل الشباب، ومع تراجع جيل المستوطنين الأوائل الذين عُبئوا بالعقيدة الدينية والخطاب والرواية التوراتية التي لم يعد لها ذلك التأثير في الأجيال الشابة العلمانية، بالرغم من سيطرة التيارات الدينية ولا سيما الحريديم على أغلب مراكز القرار في إسرائيل بعد أن كانوا لفترة طويلة على هامش الحياة السياسية.

إن تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه ورفض سياسات التهويد والاستيطان، وتنامي دور المقاومة بكل أشكالها في الأراضي المحتلة وخارجها من فلسطينيي الشتات، ورفض الاعتراف بالكيان الصهيونية من دول عربية وغيرها، وفشل سياسات التطبيع مع المحتل، وتشكل وعي عربي وإسلامي وعالمي بحقيقة المشروع الصهيونية ومخاطره على العالم والمنطقة، ولا سيما في الفترة الأخيرة بعد ما جرى في غزة والضفة ولبنان والعدوان على سورية، وحديث نتنياهو عما سمي “شرق أوسط بمواصفات إسرائيلية” والحدود التاريخية واستدعاء الخطاب التوراتي المفعم بالعنصرية ضد العرب والمسلمين، وحديثه عن تحالفات عابرة للحدود لجهة محاصرة الدول العربية ودول المنطقة بسور واقٍ وجدار حديدي كان قد تحدث عنهما كل من القومي الصهيوني جابوتنسكي وديفيد بن غوريون قبل أكثر من 90 عاماً؛ كل ذلك أنعش ذاكرة أبناء المنطقة وشكّل إرهاصات أولى لوعي جديد يحذر من مخاطر الحركة الصهيونية وأهدافها المتمثلة في السيطرة على منطقة الشرق الأوسط بالكامل وتغيير هويتها التاريخية في مسار معاكس للتاريخ.

من هنا تأتي أهمية الحديث عن تحالف عربي إسلامي ليس لجهة تديين الصراع، وإنما لحماية الأمن القومي العربي والإسلامي بل ودول العالم من مخاطر مشروع لم يعد مخبأً في مطابخ القرار وإنما على أرض الواقع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts