
إعداد
د. حمدي محمود
باحث في العلوم السياسية
جمهورية مصر العربية
إن أخطر ما يواجه الاقتصاد الإسرائيلي في ظل الحروب الممتدة لا يتمثل في الخسائر العسكرية المباشرة أو الأضرار المادية الآنية، بل في التآكل التدريجي للمحركات الأساسية التي قام عليها النمو الاقتصادي الإسرائيلي خلال العقود الماضية. وفي مقدمة هذه المحركات يأتي قطاع التكنولوجيا الفائقة، الذي لم يكن مجرد قطاع اقتصادي ناجح، بل شكّل العمود الفقري للاقتصاد الوطني ومصدر تفوقه التنافسي عالمياً، إذ أسهم بصورة حاسمة في تعزيز الصادرات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتوفير الوظائف عالية القيمة، وإنتاج المعرفة والتكنولوجيا التي تحولت بدورها إلى أحد أهم مصادر القوة الاستراتيجية للدولة.
غير أن هذا القطاع يواجه في بيئة الحرب الممتدة تحديات غير مسبوقة تهدد قدرته على الاستمرار بالوتيرة ذاتها التي اعتاد عليها. فالشركات التكنولوجية تعتمد أساساً على رأس مال بشري عالي التأهيل، يشكل في الوقت نفسه جزءاً مهماً من منظومة الاحتياط العسكرية، الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف متواصل للكفاءات والخبرات مع كل جولة تعبئة أو استدعاء طويل الأمد، وهو ما ينعكس على تعطل الابتكار وتراجع الالتزام بالمشروعات الدولية.
ويتفاقم هذا التحدي مع الطبيعة الحساسة لرأس المال الاستثماري الذي يشكل الوقود الأساسي لاقتصاد التكنولوجيا والابتكار. فالمستثمر العالمي يبحث دائماً عن الاستقرار وقابلية التنبؤ بالمستقبل، وعندما تتحول البيئة الاقتصادية إلى ساحة مفتوحة للمخاطر الأمنية والسياسية تبدأ حركة الرساميل في البحث عن ملاذات أكثر أمناً. ومن هنا برزت ظاهرة انتقال عدد من الشركات الناشئة إلى الخارج أو إعادة تسجيل أعمالها في مراكز مالية دولية؛ بهدف تقليل المخاطر السيادية، وهو ما يعكس في جوهره انتقالاً تدريجياً لمنظومة الابتكار خارج الحدود وما يرافقه من خسائر ضريبية واستثمارية مستقبلية.
وفي موازاة ذلك، يبرز عامل آخر يتمثل في تراجع الثقة الائتمانية وارتفاع المخاطر السيادية، حيث أصبحت وكالات التصنيف الائتماني لاعباً مؤثراً في تحديد قدرة الدول على تمويل احتياجاتها الاقتصادية والعسكرية. وعندما تتعرض الدولة لخفض تصنيفها الائتماني فإن ذلك يترجم مباشرة إلى ارتفاع كلفة الاقتراض وتضخم أعباء خدمة الدين، مما يفرض ضغوطاً متزايدة على الموازنة العامة ويحول جزءاً متنامياً من الموارد نحو سداد الديون بدلاً من الاستثمار في التعليم، والصحة، والبنية التحتية، وهو ما يضعف أسس النمو المستقبلي ويكرس حلقة من الضغوط المالية المتراكمة.
كما أن ارتفاع المخاطر السيادية ينعكس بشكل مباشر على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ تعيد المؤسسات المالية والصناديق السيادية تقييم وجهاتها الاستثمارية وفقاً لمعايير الاستقرار السياسي والأمني. ومع تزايد حالة عدم اليقين، تتجه رؤوس الأموال نحو أسواق أكثر استقراراً، مما يؤدي إلى تراجع الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية، وانخفاض معدلات النمو، وفرص العمل، ومستويات الابتكار على المدى الطويل.
ولا يمكن فصل هذه التحديات الاقتصادية عن البعد الديموغرافي والاجتماعي الذي يشكل أحد أعمدة اقتصاد الحرب. فالحروب الطويلة تختبر قدرة المجتمعات على الصمود بقدر ما تختبر قدرات الجيوش، وتبرز في هذا السياق مخاوف متزايدة من هجرة الكفاءات والعقول، ولا سيما بين النخب العلمية والتكنولوجية التي تمتلك فرصاً عالمية واسعة. ومع استمرار الضغوط الأمنية والاقتصادية، يتحول جزء من هذه الهجرة من طابع مؤقت إلى استقرار دائم في الخارج، مما يؤدي إلى استنزاف رأس المال البشري الذي يمثل المورد الأساسي لاقتصاد المعرفة ويؤثر في القدرة الابتكارية للدولة.
ويتداخل ذلك مع تحديات داخلية تتعلق بتوزيع الأعباء الاقتصادية والاجتماعية للحرب، حيث تتزايد التساؤلات حول العدالة في تحمل التكاليف بين مختلف مكونات المجتمع. ومع شعور بعض الفئات بأنها تتحمل العبء الأكبر في الخدمة العسكرية والإنتاج والضرائب، مقابل فئات أقل مساهمة، يتآكل العقد الاجتماعي الذي يشكل أساس التماسك الوطني، وهو ما يضعف القدرة على الصمود الجماعي في مواجهة الأزمات طويلة الأمد.
ومن جهة أخرى، تفرض الجغرافيا السياسية قيوداً إضافية على اقتصاد يعتمد على الانفتاح التجاري. فرغم التطور التكنولوجي، تظل إسرائيل معتمدة بشكل كبير على الممرات البحرية والجوية لتأمين احتياجاتها الأساسية. ومع تصاعد التوترات الإقليمية وتهديد الممرات الحيوية تتزايد تكاليف الشحن والتأمين، مما يرفع كلفة الواردات ويؤثر في القدرة التنافسية للاقتصاد، إضافة إلى اضطراب سلاسل التوريد الذي ينعكس في صورة تضخم مستورد وضغوط على قطاعات حيوية مثل البناء والزراعة.
وفي قلب هذه المعادلة، يظل الدعم الأمريكي عنصراً محورياً في دعم اقتصاد الحرب الإسرائيلي، إذ يوفر شبكة أمان مالية وعسكرية تمكن من امتصاص الصدمات. غير أن الاعتماد المتزايد على هذا الدعم يخلق إشكالية تتعلق بتراجع الاستقلالية الاستراتيجية، حيث تصبح الدولة أكثر تأثراً بالتحولات السياسية في واشنطن. ومع التحول نحو نظام دولي أكثر تعددية وتعقيداً، تتزايد التساؤلات حول استمرارية هذا الدعم وحدود الاعتماد عليه مستقبلاً.
وفي نهاية المطاف، تكشف قراءة المشهد من منظور اقتصاد الحرب أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التفوق العسكري وحده، بل في القدرة على استدامة الاقتصاد والمجتمع في مواجهة الاستنزاف الطويل. فالحروب الحديثة تُحسم بمرونة الاقتصاد، وكفاءة الإدارة المالية، واستقرار الجبهة الداخلية بقدر ما تُحسم في ميادين القتال، مما يجعل الاستنزاف الاقتصادي، ونزيف الكفاءات، وتراجع الثقة الاستثمارية، وارتفاع كلفة الدفاع عوامل استراتيجية قد تعيد تشكيل موازين القوة على المدى البعيد.
المراجع:
- Bank of Israel. (2025). Annual report 2024. https://www.boi.org.il
- International Monetary Fund. (2025). World economic outlook: April 2025. https://www.imf.org
- World Bank. (2025). Global economic prospects 2025. https://www.worldbank.org
- Organisation for Economic Co-operation and Development. (2024). OECD economic surveys: Israel 2024. https://www.oecd.org
- S&P Global Ratings. (2024). Israel sovereign credit overview. https://www.spglobal.com
- Moody’s Investors Service. (2024). Israel sovereign risk assessment. https://www.moodys.com
- Fitch Ratings. (2024). Israel credit analysis report. https://www.fitchratings.com
- Israel Central Bureau of Statistics. (2025). Statistical abstract of Israel 2024-2025. https://www.cbs.gov.il
- Institute for National Security Studies (INSS). (2024). Strategic assessment for Israel 2024. https://www.inss.org.il
- The Economist Intelligence Unit. (2024). Country report: Israel 2024. https://www.eiu.com


