On Research

مقالات تحليلية

تفكك الهيمنة وبداية عصر الفوضى: قراءة في مصير النسق الدولي

Email :2195

إعداد

عبد الرحمن محمد محمد غزالة

كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية

جمهورية مصر العربية

 

 

مقدمة: الأمن الجماعي كبداية للفكرة الدولية

إن فكرة المنظمات الدولية جاءت في الأساس لتطبيق فكرة Collective Security. وكان ذلك عقب الحرب العالمية الأولى وإنشاء عصبة الأمم وخمسة عشر مبدأً التي وضعها وودرو ويلسون، رئيس الولايات المتحدة، والتي كان من ضمنها إنشاء عصبة الأمم. الهدف منها أن الدول الكبرى لا تعود مرة أخرى إلى حالة الحرب. والقانون الدولي واتفاقيات جنيف كانت من الاتفاقات التي نظمت معظم هذه العملية الخاصة بالحروب ما بين القوى العظمى.

فعصبة الأمم شاعت كبوتقة تُدار فيها الصراعات بين القوى الكبرى، ولكن مع الحرص على ألا تتمدد هذه الصراعات خارج هذه المنظمات. لذلك، على سبيل المثال، في فترة الحرب الباردة أصاب الأمم المتحدة حينٌ من الشلل؛ لدينا قطبان، كلٌّ منهما له حق النقض (الفيتو)، وكل واحد منهما يسعى لتحقيق مصالحه.

أولًا: مجلس الأمن وصناعة النظام العالمي الجديد

مجلس الأمن هو الأداة التنفيذية للأمم المتحدة، وهناك خمسة أعضاء دائمين، وهم الذين ظهروا عقب الحرب العالمية الثانية، وهم الذين وضعوا الأساس للعالم الذي نحن فيه الآن. ولكن عقب الحرب الباردة ظهر لدينا مفهوم القطب الأوحد والنظام العالمي الجديد، فتحولت المنظمات الدولية إلى أداة طيِّعة في يد القطب الأوحد وقتها، وهي الولايات المتحدة.

في العلوم السياسية، فكرة القانون الدولي جاءت كجزء من الفكر الليبرالي أو النيوليبرالية. الليبرالية الجديدة كانت تنادي بضرورة وجود مؤسسات دولية تبث القيم وتنشر مبادئ المساواة والعدالة والحريات وما إلى ذلك. ولكن عالم السياسة الدولية نعيش فيه في نسق فوضوي؛ لا توجد سلطة عليا، ولا توجد دولة واحدة تستطيع أن تُلزم باقي الدول بالالتزام بأي شيء.

لذلك نطلق تحديدًا على فترة الأحادية القطبية مسمى النظام العالمي الجديد؛ لأنه في الواقع كان لدينا قوة كبرى وحيدة لا يمكن لأحد أن ينافسها، ولدينا منظمات دولية وكلها تدور في فلك هذه الدولة. ولكن هذه الدولة التي نشرت فكرة الحريات والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان وما إلى ذلك، كانت تنشر هذه الأفكار ضمن الصراع الأيديولوجي الذي كان بينها وبين الاتحاد السوفيتي، والتي كانت تضفي به بعض الخصائص الإنسانية على المصالح التي كانت تبتغي تحقيقها.

ثانيًا: العودة إلى منطق التعددية القطبية

ولكن نحن الآن بصدد تحول كبير في النظام الدولي يُبعد الولايات المتحدة عن موقع القطب الوحيد، لذلك علينا أن نرجع إلى الفترة التي كان عليها النسق إبان الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وهي حالة التعددية القطبية. وإذا رقبنا هذا الأمر، يجب أن نعي جيدًا أنه في فترة التعددية القطبية لم يكن هناك وجود فعلي لأي منظمة دولية عالمية على أرض الواقع. لماذا؟ لأن عالم السياسة الدولية لا يؤمن إلا بشيئين فقط: المصلحة والقوة القومية، فقط لا غير.

وهانس مورجنثاو، من المدرسة الواقعية، قال بهذا؛ سواء الواقعية الكلاسيكية التي اتخذت من القوة هدفًا في ذاتها، أو الواقعية البنيوية التي قالت إن القوة وسيلة. وانقسمت الواقعية البنيوية إلى قسمين: الواقعية الدفاعية بقيادة كينيث والتز، والذي يقول إن الدول تسعى إلى القوة من أجل الردع فقط، لا أكثر ولا أقل؛ والواقعية الهجومية عند جون ميرشايمر، التي ترى أن القوة وسيلة لبسط النفوذ وما إلى ذلك.

ثالثًا: حدود الليبرالية وإشكالية الاعتماد المتبادل

فالفكر الليبرالي كان قاصرًا إلى حد كبير؛ كان يرى أن التعاون ممكن بين الدول، أجل التعاون ممكن، وأن التعاون الاقتصادي والاعتماد المتبادل (Economic Interdependence) شيء يمكن تحقيقه. ولكن إذا رجعنا أيضًا إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، سنجد أن هذا الأمر كان موجودًا بالفعل، وكانت هذه الدول تتفاعل مع بعضها البعض، وتتهاجم فيما بينها. وهذا أمر غاية في الأهمية: أن الاقتصاد بطبيعته ليس له أي علاقة مباشرة بالسياسة، وهذا ما نراه اليوم، وأن السلام والتعاون هما الأصل وليست علاقات القوة والفوضى كما نادى مورجنثاو ومكيافيلي وهوبز وغيرهم.

اليوم الولايات المتحدة، التي كانت ترفع شعار الليبرالية عندما كانت القيم تخدم مصالحها، كانت تنادي بها. والآن هذه القيم لم تعد تخدم مصالحها بأي شكل من الأشكال، بل أصبحت عبئًا عليها، في حين أن الصين هي التي تستفيد من القيم التي نشرتها الولايات المتحدة في البداية.

رابعًا: هل يتكرر سيناريو عصبة الأمم؟

لذلك قلت لكم، من هذا المنطلق، أرى أن مصير الأمم المتحدة سيكون مثل عصبة الأمم. أحد أسباب فشل عصبة الأمم أنها لم يكن لها قوة خاصة بها، وكانت قراراتها تُتخذ بالإجماع. كما أن الولايات المتحدة، القوة المؤثرة، لم تكن عضوًا فيها. وأيضًا فشلت في ضم دول مثل اليابان وألمانيا، وانسحبت منها بعض الدول في نهاية الأمر، وتوالت الانسحابات. إضافة إلى كل ذلك، لم يكن لها قوة عسكرية مستقلة، بل كانت تعتمد على القوى الكبرى. وهذا الأمر ما زال موجودًا في الأمم المتحدة.

خامسًا: الفلسفة الإنجليزية والفرنسية في بناء المنظمات الدولية

وأزيدكم من الشعر بيتًا: أن كل المنظمات الدولية الموجودة حاليًا مبنية على الفكر الإنجليزي، والذي يقوم على التعاون الحر، على عكس الفكر الفرنسي الذي كان ينادي بأن تكون المنظمات الدولية فوق الدول، وعلى الدول أن تلتزم بها، مثل الاتحاد الأوروبي.

بالمناسبة، الاتحاد الأوروبي الآن هناك شقاق كبير بينه وبين بعض أعضائه؛ إيطاليا والمجر وغيرهما يحذون حذو الولايات المتحدة في عملية السلام مع روسيا، بينما فرنسا وألمانيا تتخوفان من هذا الأمر، وكذلك بريطانيا. لأول مرة نرى هذا يحدث. لماذا؟ نرجع إلى فكرة أن النظام العالمي الجديد الذي أُنشئ عقب انهيار الاتحاد السوفيتي هو الذي كان يربطهم.

خاتمة: تفكك الهيمنة وضبابية المستقبل

لذلك نصف هذه الفترة تحديدًا بأنها كانت الفترة الذهبية لعصر المنظمات الدولية؛ لأن الفكر الليبرالي والنيوليبرالية أخذا في التوسع شيئًا فشيئًا، وأخذت المنظمات الدولية دورًا أكبر في النظام الدولي. ولكن الآن العالم تغير؛ القيم التي كانت تُنشر بهدف تحقيق المصالح تراجعت كثيرًا، ولم تعد متوافقة مع الواقع.

لذلك أقول إن مصير العالم ضبابي إلى حد كبير، وانسحاب الرئيس ترامب مما يربو من 99 منظمة دولية يُنذر بسقوط النظام العالمي الجديد والعودة إلى المرحلة. فنحن نشهد المرحلة الرابعة الآن من نموذج مودلسكي، ألا وهي تفكك الهيمنة، فالنظام ما هو إلا مؤسسات وقيم، ولا حاجة للقول بأن المنظمات الدولية تمر بأسوأ مراحلها الآن. وأما عن القيم التي تغنّى بها الغرب آخذة بالانهيار؛ مبادئ مثل سيادة القانون وحرية التعبير تنهار في واحة الديمقراطية، وأول من ساهم بتأسيس تلك الأفكار تُدفن على يد من صنعوها أنفسهم، ويُسفك دمها بسكين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وليس أبرز من هذا مثالًا هو إجباره لدول الناتو على رفع الإنفاق العسكري إلى ٢٪؜ في فترته الأولى وإلى ٥٪؜، ومُنذرًا بأن الدولة التي نصبت نفسها ملكًا على النسق الدولي آن لها أن تُحصّل الضرائب من الدول التي استفادت من المظلة الأمريكية، دول مثل اليابان وألمانيا التي تخلت عن الإنفاق العسكري لدرجة أنها كانت تنفق فقط ١٪؜ من الناتج المحلي الإجمالي على قوتها العسكرية. ولقد كان هذا واضحًا أكثر في فترته الأولى عندما هدد المملكة العربية بأسلوب متعجرف، فقال: (أيها الملك نحن نحميك ولن تكون هناك بدوننا لأسبوعين) في إشارة إلى إيران. وأمام مرحلة التفكك هذه، يجب علينا الاستعداد لمرحلة الحرب العالمية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts