
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
تمثل العلاقات بين أفغانستان وباكستان مزيجًا معقدًا من التوترات التاريخية والأبعاد الاقتصادية الحيوية. فبينما تهيمن الأزمات السياسية والأمنية على مجمل التفاعلات، يظل البعد الاقتصادي المجال الأكثر قدرة على تحويل العلاقة من صراع نفوذ إلى شراكة مصالح. إلا أن هذه الإمكانات ما زالت مؤجلة، رهينة للواقع الأمني، ومرتبطة بقدرة البلدين على تجاوز العقبات البنيوية وإعادة بناء الثقة المتبادلة.
أولًا: أفغانستان: الدولة الحبيسة بين الاعتماد والرهانات الاقتصادية
أفغانستان، بوضعها غير الساحلي، تعتمد بشكل شبه كامل على الموانئ الباكستانية للوصول إلى الأسواق العالمية، خصوصًا ميناء كراتشي وميناء جوادر. ويمثل اتفاق العبور والتجارة بين البلدين (APTTA) إطارًا قانونيًا يسمح لها باستخدام الأراضي الباكستانية لنقل البضائع، لكنه يجعلها عرضة لأي توتر سياسي أو أمني.
- أغلق معبر تورخم وسبين بولدك عدة مرات خلال السنوات الماضية، مما تسبب في اضطرابات مباشرة في أسعار السلع الأساسية مثل القمح والمواد الغذائية، وزيادة تكلفة النقل بنسبة تصل إلى 20–30% حسب تقارير غرفة التجارة الأفغانية.
- يعتمد الاقتصاد الأفغاني بشكل كبير على الاستيراد من باكستان، ويُشير البنك الدولي إلى أن حوالي 40% من واردات أفغانستان تمر عبر الموانئ الباكستانية، ما يجعل أي تعطيل للمعابر تهديدًا مباشرًا لاستقرار الأسواق الداخلية.
إلى جانب ذلك، تواجه أفغانستان تحديات هيكلية مثل ضعف البنية التحتية للنقل وشبكات الطرق المحدودة، ما يضعف قدرتها على استغلال موقعها الجغرافي كجسر اقتصادي بين جنوب ووسط آسيا.
ثانيًا: باكستان: السوق والاستراتيجية الجيو–اقتصادية
بالنسبة لباكستان، أفغانستان ليست مجرد سوق لتصدير المنتجات الغذائية أو البناء، بل بوابة استراتيجية إلى آسيا الوسطى الغنية بالموارد الطاقية.
- يطمح الجانب الباكستاني إلى تحويل أفغانستان إلى محور عبور (Transit Hub) يربط المحيط الهندي بدول آسيا الوسطى، ما يعزز الدور الإقليمي لإسلام آباد ويمنحها مزايا جيو–اقتصادية.
- يظهر هذا الهدف بوضوح في مشاريع البنية التحتية مثل خطوط النقل والطرق الدولية التي تربط باكستان بوسط آسيا عبر الأراضي الأفغانية، والتي يمكن أن تعزز التجارة بنسبة تصل إلى 15–20% إذا تحققت شروط الاستقرار.
من منظور استراتيجي، يهدف الجانب الباكستاني إلى تحويل العلاقة من عبء أمني إلى جسر اقتصادي، بحيث يكون استقرار أفغانستان مصلحة مشتركة تتيح مشاريع طاقة ونقل مزدهرة، وتعزز موقع باكستان كممر إقليمي حيوي.
ثالثًا: مشروع “تابي”: مثال التكامل الإقليمي المؤجل
يعد مشروع خط أنابيب الغاز تابي (تركمانستان–أفغانستان–باكستان–الهند) أحد أبرز الأمثلة على المشاريع الاقتصادية المؤجلة، بطول يقارب 1800 كيلومتر.
- بالنسبة لأفغانستان: يوفر المشروع رسوم عبور سنوية تقدر بمئات ملايين الدولارات، إضافة إلى خلق فرص عمل محلية، ويعزز مكانتها كممر طاقي إقليمي.
- بالنسبة لباكستان: يمثل مصدرًا مهمًا للطاقة، حيث يمكن أن يسهم في تخفيف العجز المزمن في الكهرباء والغاز الذي يعاني منه القطاع الصناعي والمنازل على حد سواء.
لكن التحديات الأمنية في شمال وشرق أفغانستان، بالإضافة إلى صعوبات التمويل والتقلبات السياسية في كابل وإسلام آباد، حالت دون تنفيذ المشروع بالكامل، مما يسلط الضوء على ترابط الأمن بالاقتصاد.
رابعًا: المبادرات الصينية: الحزام والطريق والممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني
تدخل المبادرات الصينية ضمن المشهد الاقتصادي الإقليمي، خصوصًا الحزام والطريق والممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني (CPEC).
- ترى بكين في استقرار أفغانستان ضرورة لحماية استثماراتها الضخمة في باكستان، والتي تجاوزت 60 مليار دولار حتى 2025.
- من الممكن إدماج أفغانستان مستقبليًا ضمن شبكات الطرق والسكك الحديدية، لتصبح جزءًا من شبكة تربط الصين بآسيا الوسطى وجنوب آسيا، ما يعزز التكامل الاقتصادي ويخلق فرصًا استثمارية إضافية.
ومع ذلك، فإن استمرار الاضطراب الأمني يحد من هذا الاحتمال، ويجعل إدماج أفغانستان في الشبكات الاقتصادية مشروطًا بتحقيق استقرار سياسي طويل الأمد.
خامسًا: التحديات البنيوية أمام التكامل الاقتصادي
تواجه العلاقات الاقتصادية بين أفغانستان وباكستان عدة عقبات بنيوية:
- الهشاشة الأمنية: أي توتر حدودي يؤدي مباشرة إلى تعطيل سلاسل الإمداد وزيادة تكاليف النقل.
- ضعف البنية التحتية: شبكات الطرق والسكك الحديدية الأفغانية محدودة، وتعاني من سوء الصيانة، ما يقلل من قدرة البلاد على استيعاب التجارة الإقليمية.
- الاقتصاد غير الرسمي والتهريب: تجارة غير منظمة تقلل من إيرادات الدولة وتزيد الشكوك بين الطرفين.
- غياب الثقة السياسية: كل طرف يشك في نوايا الآخر، مما يعوق توقيع اتفاقات طويلة الأمد.
- تقلبات التمويل والمساعدات الدولية: الاعتماد على الدعم الخارجي يجعل المشاريع الكبرى غير مستقرة أو معرضة للتأجيل.
سادسًا: سيناريوهات المستقبل المحتملة
يمكن تصور مسارين للعلاقات الاقتصادية بين البلدين:
- مسار التعثر: استمرار التوترات الأمنية والاعتماد على الاقتصاد اليومي، مما يبقي التجارة محدودة ويجعل أي مشروع استراتيجي عرضة للفشل.
- مسار التحول الاستراتيجي: تطوير آلية تنسيق أمني واقتصادي دائمة، تشمل الرقابة المشتركة على المعابر، وضمان حماية مشاريع الطاقة، وتفعيل البنية التحتية، ما يسمح بتحويل الحدود إلى منطقة تجارة منظمة وممر طاقة مستقر.
يبقى الاقتصاد الأداة الأكثر واقعية لبناء الثقة بين كابل وإسلام آباد. بينما يصعب تجاوز الإرث السياسي والأمني بسرعة، يمكن للمصالح الاقتصادية المشتركة أن تخلق دينامية مختلفة، قائمة على الربح المتبادل بدل الحسابات الصفرية.
التكامل الإقليمي ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة استراتيجية
- أفغانستان بحاجة إلى منفذ واستثمار، وإلى فرص عمل تنعش اقتصادها المتعثر.
- باكستان بحاجة إلى طاقة وعمق تجاري، وإلى استقرار في الجوار الجنوبي الغني بالموارد.
العامل الحاسم هو الاستقرار، لأنه بدون أمن: لا تمر الأنابيب، ولا تعبر الشاحنات، ولا تُبنى الثقة، ويبقى التكامل مجرد حلم بعيد المنال.


