On Research

وحدة الدراسات السياسية

تقدير موقف : استحقاقات السيادة اللبنانية والتحولات الميدانية في الجغرافيا السورية (2025–2026)

Email :1356

إعداد

محسن الشوبكي

خبير أمني واستراتيجي

المملكة الأردنية الهاشمية

 

 

المقدمة:

دخل ملف حصر السلاح في لبنان مطلع عام 2025 مرحلة التنفيذ الإلزامي، مدفوعاً بضغوط دولية وتفاهمات داخلية فرضها واقع ما بعد الحرب. وقد مثّل نجاح الجيش اللبناني في بسط سلطته العملياتية الكاملة جنوب نهر الليطاني، وتفكيك البنى العسكرية غير الشرعية بموجب القرار الدولي 1701 وخطة “درع الوطن”، محطةً مفصليةً أعادت الاعتبار الرمزي والعملي لمفهوم سيادة الدولة. غير أن هذا الإنجاز، على أهميته، لم ينجح في استكمال مسار السيادة بصورة شاملة؛ إذ اصطدمت محاولات حصر السلاح في مناطق الشمال والبقاع بتعقيدات التداخل الجغرافي والأمني مع الأراضي السورية، ما أدى عملياً إلى انتقال مركز ثقل الأزمة من الداخل اللبناني إلى الساحة السورية، التي باتت تمثل التحدي الأكبر أمام قدرة الدولة اللبنانية على ضبط حركة السلاح العابر للحدود والتحكم بتداعياته الإقليمية.

الواقع الميداني وتحولات شبكات النفوذ:

على المستوى العملياتي، يعمل حزب الله داخل الأراضي السورية وفق مقاربة متعددة المسارات تهدف إلى الحفاظ على استمرارية خطوط الإمداد بعد تضييق الخناق على المعابر الرسمية. ويعتمد في ذلك على شبكة معقدة من الطرق البرية البديلة والمرافئ الساحلية غير النظامية التي تسمح بتجاوز الرقابة الدولية المشددة، بما يضمن استمرار تدفق السلاح والمعدات من المستودعات المنتشرة في المنطقة الوسطى باتجاه الداخل اللبناني. وبالتوازي، يوفر الحزب مظلة دعم لوجستي ومالي لعدد من القيادات العسكرية والأمنية التابعة للنظام السابق والموجودة ضمن نطاق حمايته، ما يتيح لها إدارة خلايا اضطراب وجيوب توتر في مناطق الساحل السوري.

تؤدي هذه الجيوب وظيفة مزدوجة؛ إذ تشكل غطاءً أمنياً لحركة النقل والتخزين، وفي الوقت نفسه تساهم في تغذية اقتصاد الحرب عبر أنشطة التهريب، ولا سيما المخدرات، التي أصبحت مورداً مالياً أساسياً لضمان استمرارية هذه الشبكات والحفاظ على ولاء المجموعات المحلية. ويؤدي هذا التداخل بين البعد الأمني والاقتصادي إلى نشوء مناطق خارجة عن السيطرة الكاملة للدولة السورية الجديدة، تُدار عملياً بخبرات بقايا النظام السابق وبتمويل غير مباشر من الحزب، وقد يكون بقرار استراتيجي إيراني بعد فقدانه الساحة السورية، بما يهدف إلى إبقاء مساحات رخوة تمنع إغلاق الممرات الحيوية أمامه.

التحول في الوظيفة الاستراتيجية للساحة السورية:

مع مطلع عام 2026، لم تعد الساحة السورية تمثل عمقاً استراتيجياً آمناً لحزب الله كما في المراحل السابقة، بل تحولت تدريجياً إلى ساحة استنزاف وضغط متواصل. فبعد سقوط الهيكل السياسي الذي كان يوفر الغطاء الرسمي لوجوده، انتقلت وظيفة حضوره إلى تأمين ملاذات مؤقتة وحماية ما تبقى من ترسانته الموزعة، مع السعي إلى تعويض فقدان المنافذ النظامية عبر قنوات بديلة ذات مخاطر مرتفعة. ويغدو الحفاظ على الجيوب الساحلية غير الخاضعة للرقابة خياراً شبه إلزامي لضمان استمرار ما يمكن تسميته بـ”الرئة اللوجستية غير الرسمية”، التي تسمح باستمرار خطوط الإمداد ولو بكلفة أمنية وسياسية متصاعدة.

غير أن هذه المقاربة، رغم قدرتها على توفير هامش مناورة تكتيكي محدود، تضع الحزب أمام معادلة استنزاف طويلة الأمد؛ حيث تتزايد كلفة التشغيل والتمويه والحماية، ويتراجع في المقابل هامش القبول الإقليمي، ما يجعل هذه الجيوب عرضة للاستهداف التدريجي ضمن سياق صراع منخفض الوتيرة لكنه مستمر.

مستجدات الضغط الحدودي متعدد الأطراف:

شهد ملف الحدود السورية–اللبنانية منذ شباط 2025 تحولاً نوعياً في مستوى الضغط العلني المرتبط به، تمثل في توجيه السلطات السورية الجديدة اتهامات مباشرة لحزب الله برعاية شبكات تهريب السلاح والمخدرات وبالضلوع في حوادث أمنية حدودية، واعتبار هذه الأنشطة تهديداً مباشراً لمسار بسط السيادة وإعادة الاستقرار في المناطق الحدودية. وقد عكس هذا الاتهام انتقال الخطاب الرسمي السوري من مستوى التحفظ إلى الاتهام الصريح، وربط التقدم في مسارات التعاون الثنائي بضبط هذا النشاط.

وتعزز هذا المسار لاحقاً مع تنفيذ إسرائيل ضربات جوية في كانون الثاني 2026 استهدفت معابر ونقاط عبور على الحدود السورية–اللبنانية بدعوى استخدامها كممرات لوجستية لنقل السلاح. ويشير تزامن الاتهام السوري الرسمي مع الاستهداف الإسرائيلي العملياتي إلى أن المجال الحدودي تحوّل إلى نقطة تقاطع ضغوط سيادية وأمنية متزامنة، الأمر الذي يرفع كلفة استمرار الشبكات غير النظامية ويزيد التعقيد الاستراتيجي المحيط بملف ضبط الحدود.

انعكاسات الملف السوري على العلاقات اللبنانية – السورية:

أفضى استمرار النشاط العسكري غير النظامي المرتبط بالحزب داخل الأراضي السورية إلى توتر متزايد في العلاقة بين بيروت ودمشق. فالسلطة السورية الجديدة تنظر إلى هذا الواقع باعتباره تهديداً مباشراً لمسار إعادة بناء السيادة والاستقرار الداخلي، وترى في استمرار تدفق السلاح عبر الحدود عامل تقويض لأي ترتيبات أمنية مستدامة. وقد انعكس هذا التوجس سلباً على ملفات حيوية تتعلق بترسيم الحدود المشتركة وعودة اللاجئين وإعادة تنشيط قنوات التعاون الاقتصادي؛ إذ تربط دمشق أي تقدم ملموس في هذه الملفات بتحقيق خطوات عملية لضبط هذا النشاط.

في المقابل، تجد الحكومة اللبنانية نفسها في وضع معقد؛ فهي تمتلك إرادة سياسية معلنة لتعزيز السيادة، لكنها تواجه قيوداً تنفيذية ناجمة عن الطبيعة الجغرافية الوعرة للحدود وتشابك البنى الاجتماعية والأمنية في المناطق الطرفية، فضلاً عن اعتمادها سياسة الاحتواء الحذر لتفادي الانزلاق نحو مواجهة داخلية واسعة. ويؤدي هذا التباين بين الالتزام السياسي والقدرة التنفيذية إلى إضعاف الموقف التفاوضي اللبناني، ويجعل الحدود اللبنانية السورية خاصرة رخوة قابلة للاستثمار من قبل أطراف إقليمية متعددة.

حدود القدرة الردعية للدولة اللبنانية:

رغم التقدم النوعي الذي حققه الجيش اللبناني في بسط السيطرة جنوباً وتعزيز الرقابة على المرافئ والمطارات الرسمية بدعم تقني دولي، لا تزال قدرة الدولة على ضبط الامتدادات الإقليمية للنشاط المسلح محدودة بفعل عوامل بنيوية متراكمة. فالجغرافيا الحدودية المفتوحة، ووجود شبكات محلية متجذرة، واستمرار الحذر السياسي من كلفة الصدام الداخلي، كلها عناصر تفرض إيقاعاً بطيئاً على عملية استكمال السيادة الكاملة. ويظهر بوضوح وجود فجوة بين التفويض السياسي الممنوح للمؤسسات الأمنية وبين قدرتها الفعلية على إغلاق جميع المسارات غير النظامية، ما يجعل معالجة الملف السوري للحزب عملية تراكمية تتطلب زمناً واستقراراً سياسياً متواصلاً.

مؤشرات التحول والتصعيد المحتمل:

يمكن رصد اتجاهات المرحلة المقبلة من خلال مجموعة من الإشارات الميدانية والسياسية التي تعكس مستوى التصعيد أو الاحتواء. ويبرز من بينها تصاعد العمليات الأمنية السرية التي تستهدف شبكات التمويل والتهريب، وتغير أنماط الحركة عبر المعابر غير الشرعية، وتزايد مستوى التنسيق الأمني الإقليمي على الحدود، إلى جانب تحول الخطاب السياسي السوري من التحفظ إلى الضغط العلني، واتساع أو انحسار أنشطة اقتصاد الحرب في مناطق الساحل. وتوفر هذه المؤشرات إطاراً عملياً لتقدير مستوى المخاطر قبل انتقالها إلى مرحلة الانفجار المفتوح.

آفاق التطور والسيناريوهات الممكنة:

تشير القراءة الاستشرافية إلى ثلاثة مسارات محتملة للتطور خلال المرحلة المقبلة. يتمثل المسار الأول في احتواء تدريجي منضبط يقوم على تعزيز التنسيق الحدودي وتضييق الخناق بصورة متدرجة على الشبكات اللوجستية، بما يسمح بتخفيف مستوى التوتر وتحسين مناخ العلاقات الثنائية دون صدام واسع. أما المسار الثاني فيقوم على تصعيد أمني محدود يتجلى في تكثيف العمليات الاستخبارية والاستهدافات المتبادلة وفرض إجراءات أمنية مشددة في بعض المناطق الحساسة، مع ارتفاع منسوب التوتر السياسي والإعلامي. في حين يتمثل المسار الثالث في انزلاق نحو مواجهة مباشرة أو قطيعة استراتيجية أوسع، قد تتجسد في محاولة فرض حزام أمني شامل على الحدود وفتح اشتباك مباشر مع الشبكات المسلحة، بما يحمل مخاطر عدم استقرار واسع النطاق وتداعيات داخلية وإقليمية ثقيلة.

الخلاصة:

تؤكد المعطيات أن اختبار السيادة اللبنانية لم يعد محصوراً داخل الحدود الوطنية، بل بات مرتبطاً بصورة وثيقة بتوازنات الساحة السورية ومسار إعادة بناء الدولة فيها. وستتحدد قدرة لبنان على تثبيت سيادته بمدى نجاحه في إدارة حدوده، وضبط التوازن الداخلي، وتوظيف الدعم الدولي دون تفجير الاستقرار الداخلي، والتحرك ضمن نافذة زمنية تسبق تحول الاستنزاف القائم إلى أزمة إقليمية مفتوحة يصعب احتواؤها. وقد يكون مفهوماً رفع الحزب لشعاره بعدم التخلي عن سلاحه في مواجهة إسرائيل، ولكن تحركات الحزب داخل سوريا قد تكون قراراً إيرانياً عابراً للحدود اللبنانية، وقد تمثل تحدياً مهماً للدولة اللبنانية والحكومة السورية لمعالجة هذا الملف؛ لعدم استخدامه كذريعة لإسرائيل لمواصلة استثماره لغايات توسعية وغيرها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts