
إعداد
شيماء حسين اللامي
باحث في السياسة العراقية
العراق
المقدمة
يحتوي الدستور العراقي على مواد متناقضة في مضمونها؛ فمن مادة تؤكد على مدنية الدولة، إلى أخرى تشترط عدم تعارض القوانين مع ثوابت أحكام الإسلام. هذا التناقض يمثل الثغرة التي تسلل منها رأي “الحاكمية” لفرض تفسيراتها الدينية على القوانين الوضعية، مما يضع الحكومة الفعلية في حرج دائم بين الالتزامات الدستورية المدنية والضغوط الأيديولوجية.
وفي ظل الوضع الحالي الذي يشهده العراق من تشكيل حكومة جديدة واشتراطات أمريكية على نزع سلاح الفصائل مقابل إعفاء العراق من عقوبات اقتصادية، تقع على عاتق الحكومة الجديدة المتمثلة برئيس الوزراء المرحب به دولياً “علي الزيدي”، حل هذه الأزمة بطريقة ترضي جميع الأطراف وتؤمن للعراق مأمناً من أضرار اقتصادية أو اشتباكات داخلية. تلوح الفصائل المسلحة بكونها ضرورة للدولة، مهمتها حماية المكتسبات الشيعية من التهديدات والمؤامرات الخارجية أو الداخلية، ضاربةً بالسلاح كأداة شرعية لحماية “الحاكمية” المسلولة. لذا، يعتبر ملف الفصائل المسلحة وعقبة نزع السلاح العائق الأكثر وضوحاً للتناغم بين مفهوم “الحاكمية الشيعية” وبنية “الحكومة الفعلية” في العراق.
تحديات نزع السلاح
- غياب الحدود الواضحة بين العمل السياسي الحزبي والتشكيلات العسكرية:
تُذكر هنا تفسيرات المحكمة الاتحادية للمادة (76) بخصوص “الكتلة النيابية الأكثر عدداً”، وكيف حوّلت آلية تشكيل الحكومة إلى بازار للمساومات الطائفية. هذا جعل رئيس الوزراء ورئيس الحكومة الفعلية يخرج ضعيفاً، وتنتزع الصلاحيات الحقيقية منه أمام زعماء الكتل الذين يمتلكون السلاح والنفوذ، مما يجعله عاجزاً عن اتخاذ قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.
- أزمة الثقة والتخوف من الفراغ الأمني أو عودة التهديدات:
في حالة التخلي عن “القوة الخشنة” أو ما يمكن تسميته بـ “قوات الثقة” البديلة للأمن، تعتقد قوى الحاكمية الشيعية أن السلاح هو “صمام الأمان” الوحيد، وأن الاعتماد الكلي على المؤسسة الرسمية قد يترك المكون مكشوفاً في حال حدوث أي تغيير مفاجئ في التوازنات الإقليمية أو الداخلية.
- مواد الدستور وتفسيراتها:
وهذا يرجع إلى ثغرة من ثغرات الدستور، حيث تمنح الفقرة الخامسة من المادة (121) صراحةً حكومة الأقاليم الحق في إنشاء وتنظيم “قوى الأمن الداخلي للأقاليم كالشرطة وأجهزة الأمن وحرس الإقليم”. هذا النص أعطى شرعية دستورية لقوات “البيشمركة” باعتبارها حرس إقليم.
في المقابل، الفصائل المسلحة الأخرى (خارج إقليم كردستان) لا تستند إلى هذه المادة، بل استندت لاحقاً إلى قوانين وتشريعات أخرى، مثل قانون “هيئة الحشد الشعبي” رقم 40 لسنة 2016، لتكتسب صفة رسمية كجزء من المنظومة الأمنية المرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة. ورغم أن المادة (121) تُعطي للأقاليم حق إدارة أمنها الداخلي، إلا أن هناك خلطاً دائماً في التفسير السياسي:
التفسير القانوني: يرى أن أي قوة مسلحة يجب أن تكون تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة وفق المادة (9) من الدستور، وأن المادة (121) تنظم أمراً “داخلياً” فقط.
تفسير القوى المحلية/ الفصائل: تستخدم بعض القوى مبدأ “اللامركزية” وتفويض السلطات الوارد في المادة (121) بشكل غير مباشر للمطالبة بخصوصية أمنية لمناطقها، مما يعقد ملف دمج الفصائل أو حصر السلاح.
باستثمار المادة (121) شُرعن وجود “جيوش محلية” تحت مسمى “حرس الإقليم”، مما فتح الباب سياسياً للمطالبة بنماذج مشابهة أو تبرير وجود تشكيلات مسلحة ذات صبغة محلية أو أيديولوجية تحت غطاء الدستور أو القوانين اللاحقة له.
تداعيات بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة
- التداعيات السياسية وتقويض السيادة:
إضعاف هيبة الدولة: إن وجود قوى موازية تمتلك السلاح يجعل الدولة تبدو عاجزة عن فرض القانون، مما يؤدي إلى تآكل الثقة الشعبية في المؤسسات الرسمية.
إعاقة التحول الديمقراطي: السلاح المنفلت يُستخدم غالباً كأداة للضغط السياسي أو الترهيب أثناء الانتخابات، مما يفرغ العملية الديمقراطية من محتواها ويحولها إلى “ديمقراطية السلاح”.
تعدد مراكز القرار: يؤدي وجود السلاح خارج سلطة المركز إلى تشتت القرار السيادي، خاصة في القضايا الاستراتيجية مثل الحرب والسلم.
- التداعيات الأمنية والاجتماعية:
تنامي الجريمة المنظمة: يسهل السلاح المنفلت عمليات التهريب، والمتاجرة بالممنوعات، والابتزاز المالي، حيث تجد العصابات غطاءً تحت مسميات مختلفة.
النزاعات العشائرية والمسلحة: يتحول أبسط خلاف اجتماعي إلى مواجهة دامية، مما يهدد السلم الأهلي ويزيد من وتيرة الثأر والنزوح الداخلي.
ظهور “اقتصاد العنف”: ينشأ جيل يعتمد على السلاح كوسيلة للرزق أو النفوذ، مما يصعّب عملية الدمج المجتمعي لاحقاً.
- التداعيات الاقتصادية والاستثمارية:
هروب رؤوس الأموال: رأس المال “جبان” بطبعه، ولا يمكن جذب استثمارات أجنبية أو محلية في بيئة تغيب فيها لغة القانون وتطغى عليها لغة الرصاص.
تعطيل المشاريع التنموية: غالباً ما تتعرض الشركات العاملة لعمليات ابتزاز أو تهديد من قبل جماعات مسلحة، مما يؤدي إلى توقف المشاريع الحيوية أو زيادة تكلفتها بسبب الإنفاق الضخم على الأمن الخاص.
- التداعيات على المستوى الدولي:
العزلة الدولية: الدول التي تعاني من انفلات السلاح تُصنف غالباً كـ “مناطق خطرة”، مما يؤثر على علاقاتها الدبلوماسية، وحركة الطيران، والتبادل التجاري.
انتهاك الالتزامات الدولية: قد تجد الدولة نفسها في حرج أمام المجتمع الدولي بسبب تصرفات قوى مسلحة لا تخضع لأوامرها، مما يعرض البلاد لعقوبات أو ضغوط دولية.
العلاقة بين بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة ومفهوم الحاكمية الشيعية
تُفسر العلاقة بين بقاء السلاح خارج سلطة الدولة ومفهوم الحاكمية الشيعية (خاصة في السياق المعاصر) بأنها من أكثر القضايا جذراً وتأثيراً في الفكر الحديث، وتتجلى عبر مستويات:
- إشكالية “الدولة والمقاومة” (ازدواجية السلطة):
ترتكز نظرية الحاكمية الشيعية في بعض تجلياتها على أن الشرعية لا تستمد فقط من صندوق الانتخابات أو العقد الاجتماعي الحديث، بل من “الدور الحميوي” للطائفة. يبرز بقاء السلاح تحت لافتة “المقاومة” أو “الحماية”، مما يخلق سلطة موازية لسلطة الدولة. وهذا الربط يؤدي إلى ما يسمى بـ “الدولة داخل الدولة”، حيث تمتلك القوى المؤمنة بهذه الحاكمية أدوات القوة الصلبة (السلاح) والقوة الناعمة (التمثيل السياسي)، مما يجعل الدولة الرسمية في حالة ارتهان دائم.
- السلاح كضمانة للحكم (الفيتو المسلح):
في إطار الحاكمية الشيعية، يُنظر للسلاح أحياناً كضمانة لعدم عودة “التهميش التاريخي”.
التداعيات: يتحول السلاح من أداة للدفاع عن الوطن إلى أداة للحفاظ على النظام السياسي القائم على المحاصصة المكوناتية.
بقاء السلاح كـ “فيتو” غير معلن؛ فأي قرار سياسي لا يتوافق مع رؤية القوى الحاملة للسلاح يُجابه بالتهديد بالقوة، مما يعطل مفهوم “سيادة القانون” المطلقة.
- عقيدة “الحشد” ومأسسة السلاح:
يمثل “الحشد الشعبي” في العراق نموذجاً لمحاولة دمج السلاح العقائدي (المرتبط بنظرية الحاكمية وحماية المذهب) داخل هيكلية الدولة.
الارتباط: هناك صراع دائم بين “قوننة” هذا السلاح ليكون تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، وبين بقاء “الولاء العقائدي” الذي يتجاوز حدود الدولة الوطنية.
- تداعيات الهوية الوطنية مقابل الهوية الفرعية:
الربط بين الحاكمية الشيعية والسلاح يؤدي بالضرورة إلى استنفار المكونات الأخرى (السنة، الأكراد) للمطالبة بسلاح مماثل أو البحث عن حماية خارجية. هذا يفكك مفهوم “الولاء للدولة” ويستبدله بالولاء للمكون، مما يجعل بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة سبباً رئيساً في منع انصهار الهويات الفرعية في هوية وطنية جامعة.
- الحاكمية الشيعية وتحدي “الدولة المدنية”:
تتصادم نظرية الحاكمية (إذا ما اقترنت بالسلاح) مع مشروع الدولة المدنية المستقرة. بقاء السلاح يمنع المحاسبة القانونية للشخصيات أو الجهات المرتبطة بتلك القوى، مما يؤدي إلى تفشي الفساد المحمي، وهو ما يضعف مؤسسات الدولة التي تقودها -نظرياً- القوى الشيعية نفسها.
الاستنتاج
الربط بين السلاح المنفلت والحاكمية الشيعية يخلق معضلة بنيوية؛ فمن جهة، يُراد لهذا السلاح أن يكون حامياً للنظام السياسي الجديد، ومن جهة أخرى، يمثل هذا السلاح أكبر تهديد لاستقرار ونمو واستدامة هذه الدولة. إن الانتقال من “حاكمية المكون المسلح” إلى “حاكمية الدولة والمؤسسات” هو التحدي الأبرز الذي يواجه مستقبل العملية السياسية.
في جانب آخر، إن عملية دمج الفصائل المسلحة التي تؤمن بنظرية الحاكمية الشيعية وهي تمتلك “أيديولوجيا عقائدية” داخل مؤسسة أمنية رسمية، ينشأ عنها تضارب في الولاء؛ للدولة الذي يفرض الامتثال لأوامر القائد العام للقوات المسلحة والقانون الوضعي، والولاء العقائدي الذي يفرضه الامتثال لمرجعيات دينية أو سياسية خارج إطار الدولة (سواء كانت داخلية أو عابرة للحدود).
بالتالي، يتحول الصراع من “خارج” إلى “بنيوي”، حيث ينتقل الصراع من صراع بين دولة وفصائل خارجة عن القانون إلى صراع داخل أجهزة الدولة نفسها. ينعكس هذا على الصعيد الداخلي، أما الصعيد الخارجي: فالدولة التي تدمج قوى مسلحة ذات صبغة عقائدية واضحة تواجه صعوبات في التعامل مع المجتمع الدولي، حيث يصعب على الدول الأخرى التعاون الاستخباراتي أو العسكري مع دولة لا تضمن أين ستنتهي المعلومات أو السلاح (هل في يد الدولة أم في يد الفصيل العقائدي؟). هذا يجعل الدولة تحت طائلة العقوبات أو التشكيك في التزاماتها الدولية.
السيناريوهات المحتملة أو المتوقعة
سيناريو الدمج التدريجي: نجاح الدولة في استيعاب التشكيلات المسلحة تحت الأجهزة الأمنية برؤية وطنية شاملة.
سيناريو ثنائية (الرفض والرفض): استمرار الازدواجية؛ دولة ذات هيبة نظامية وقوى موازية مع حدوث احتكاكات دورية.
السيناريو الثالث (التصادم): وصول الخلاف حول السلاح إلى مرحلة المواجهة المفتوحة نتيجة ضغوط خارجية أو أزمات داخلية حادة.
التوصيات والمقترحات
يُعد التوجه نحو “الإصلاح من داخل النظام” عبر الجمع بين الشرعية الدستورية والقيادة التنفيذية القوية هو الحل الأمثل. فالدستور يمثل “العقد الاجتماعي” الذي ينظم الصلاحيات، بينما تمثل حكومة علي الزيدي -في سياق الطرح الحالي- الأداة التنفيذية التي يُفترض بها نقل النصوص من الورق إلى الواقع.
- تفعيل المادة 9 من الدستور:
ينص الدستور صراحةً على أن: “تتكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو إقصاء، وتخضع لقيادة السلطة المدنية، ولا يجوز تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة”.
دور الحكومة: الحل يكمن في قدرة حكومة الزيدي على تحويل هذه المادة من نص جامد إلى “إجراء رادع”، عبر سحب الغطاء القانوني والمالي عن أي تشكيل لا يمتثل لتراتبية القيادة العامة للقوات المسلحة.
- الانتقال من “حاكمية المكون” إلى “الحاكمية الوطنية”:
إذا استندت الحكومة إلى الدستور كمرجع وحيد، فإنها بذلك تضرب جوهر المحاصصة المكوناتية، من خلال تطبيقنا للدستور ومنح رئيس الوزراء صلاحياته كقائد عام. استناداً لهذه الصلاحيات، تعيين القيادات الأمنية بناءً على الكفاءة (التكنوقراط الأمني) بدلاً من الانتماء الحزبي أو العقائدي هو الخطوة الأولى لفك الارتباط بين السلاح والسياسة.
- حصر “شرعية العنف”:
الحل الدستوري يعني أن الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة باستخدام القوة. التحدي هنا سيحتاج من حكومة الزيدي إلى “إرادة سياسية” مدعومة بتوافق وطني لغلق المكاتب الاقتصادية للفصائل وتجفيف منابع تمويل السلاح خارج إطار الدولة، وهو ما ينسجم مع مواد الدستور الخاصة بحماية الاقتصاد الوطني ومنع استغلال موارد الدولة.
- تقوية القضاء كحليف للتنفيذ:
الدستور يضمن استقلالية القضاء. الربط بين الحكومة والدستور يعني تفعيل مذكرات القبض والملاحقة القانونية بحق المتورطين في “اقتصاد العنف”، بغض النظر عن انتمائهم العقائدي. هذا يكسر “الحصانة” التي يوفرها السلاح حالياً لبعض القوى.
إن بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة يمثل “قوة قاهرة” قد تعيق حتى أكثر الحكومات تمسكاً بالدستور. لذا، فإن نجاح “حكومة الزيدي” في هذا المسار يعتمد على قدرتها على خلق كتلة حرجة (شعبية وسياسية) تدعم إنفاذ الدستور، بحيث يصبح ثمن التمرد على الدولة أعلى من مكاسب الاحتفاظ بالسلاح.


