
إعداد
شعبان عبدالفتاح شعبان
باحث متخصص في الشأن التركي
جمهورية مصر العربية
الملخص التنفيذي
- يُعدّ ملف حزب العمال الكردستاني أحد أكثر الملفات الأمنية والسياسية تعقيداً في الشرق الأوسط، نظراً لتشابكه مع قضايا الهوية القومية الكردية، والأمن القومي التركي، والتوازنات الإقليمية في كل من العراق وسوريا.
- شهد الحزب منذ تأسيسه عام 1978 تحولات أيديولوجية واستراتيجية متعاقبة، انتقل خلالها من مشروع الانفصال وتأسيس دولة كردية مستقلة إلى تبني خطاب يرتكز على اللامركزية السياسية والمطالبة بالحقوق الثقافية والإدارية.
- أسفر الصراع المسلح منذ عام 1984 عن أكثر من 40 ألف قتيل، إضافة إلى خسائر اقتصادية تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات، وتداعيات اجتماعية عميقة في جنوب شرق تركيا.
- أدى فشل مسار التسوية السياسية (2013–2015) إلى إعادة إنتاج الصراع بشكل أكثر تعقيداً، خاصة مع انتقال جزء كبير من النشاط إلى شمال العراق وسوريا.
- تشير المعطيات المتداولة خلال (2024–2025) إلى بروز نقاشات داخل النظام التركي، بدعم من التيار القومي، حول إعادة فتح مسار التسوية ضمن شروط جديدة، تقوم على نقل الملف من الإطار الأمني إلى مسار سياسي مشروط.
- في هذا السياق، تبرز مؤشرات على انفتاح نسبي داخل بعض دوائر الحزب، بتأثير من عبد الله أوجلان، تجاه مناقشة مستقبل العمل المسلح وصيغ إعادة الهيكلة التنظيمية.
- ساهمت التحولات الإقليمية، خصوصاً الأزمة السورية، في تعزيز القدرات العملياتية للحزب وتوسيع نطاق نفوذه عبر شبكات عابرة للحدود.
- تعتمد تركيا على استراتيجية مركبة تجمع بين العمليات العسكرية داخل وخارج الحدود، والتحركات السياسية والدبلوماسية لتقويض نفوذ الحزب.
- تشير التطورات الأخيرة إلى إمكانية إعادة صياغة مسار الصراع نحو أنماط أقل عسكرية وأكثر سياسية، دون الوصول إلى تسوية نهائية في المدى القريب.
- سيظل الملف عاملاً مؤثراً في التوازنات الإقليمية، مع احتمالات متزايدة لتحوله إلى صراع مُدار سياسياً وأمنياً بدلاً من المواجهة المباشرة.
المقدمة
تمثل القضية الكردية في تركيا أحد أكثر التحديات التاريخية تعقيداً منذ تأسيس الجمهورية الحديثة عام 1923، حيث ارتبطت بإشكالية بناء الدولة القومية على حساب التعددية الإثنية والثقافية. وفي هذا السياق، برز حزب العمال الكردستاني كفاعل رئيسي أعاد تشكيل هذه القضية ضمن إطار صراع مسلح ممتد.
تأسس الحزب على يد عبد الله أوجلان عام 1978، مستنداً إلى أيديولوجيا تجمع بين القومية الكردية والفكر اليساري. ومع انطلاق العمل المسلح عام 1984، دخلت تركيا في واحدة من أطول مواجهاتها الداخلية، والتي امتدت آثارها إلى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولا يمكن فهم تطورات هذا الملف بمعزل عن السياق الإقليمي، خاصة بعد عام 2003 في العراق و2011 في سوريا، حيث أتاح تفكك الدولة المركزية في هذين البلدين فرصاً للحزب لإعادة التموضع وتوسيع نطاق نشاطه. كما أن تداخل هذا الملف مع سياسات القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا، أضفى عليه أبعاداً دولية معقدة.
ومع التحولات الأخيرة، برزت مبادرة سياسية جديدة قادها دولت بهتشلي، أعادت فتح ملف التسوية من زاوية مختلفة، ما يجعل المرحلة الحالية مفصلية في تاريخ الصراع.
الحقائق والخلفيات
- نشأ حزب العمال الكردستاني في بيئة سياسية اتسمت بالاضطراب الداخلي في تركيا خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت البلاد تشهد صراعاً بين التيارات اليسارية والقومية. وقد تبنى الحزب في بداياته هدف إقامة دولة كردية مستقلة، قبل أن يعيد صياغة هذا الهدف لاحقاً نحو مطالب أكثر براغماتية.
- بدأت العمليات المسلحة عام 1984، واستهدفت في مراحلها الأولى مواقع عسكرية وأمنية، قبل أن تتوسع لاحقاً لتشمل بنى تحتية ومناطق مدنية. وقد ردت الدولة التركية بحملات عسكرية واسعة، شملت نشر مئات الآلاف من الجنود، وفرض حالة الطوارئ في العديد من الولايات.
- تشير البيانات المتاحة إلى:
- أكثر من 40,000 قتيل منذ بدء الصراع.
- نزوح داخلي يتراوح بين 1 إلى 3 ملايين شخص.
- تدمير عشرات القرى في جنوب شرق تركيا.
- خسائر اقتصادية تتجاوز 300 مليار دولار على مدى أربعة عقود.
- في عام 1999، تم اعتقال أوجلان، ما أدى إلى تحول في استراتيجية الحزب، حيث دعا إلى وقف إطلاق النار، والتخلي عن هدف الدولة المستقلة. إلا أن هذا التحول لم يؤدِ إلى إنهاء الصراع، بل أدخله في مرحلة من التهدئة المؤقتة.
- شهدت الفترة بين 2013 و2015 محاولة جادة للتوصل إلى تسوية سياسية، عُرفت بـ «عملية السلام»، لكنها انهارت بسبب عوامل متعددة، منها انعدام الثقة والتطورات الإقليمية. ومنذ ذلك الحين، عاد الصراع إلى التصعيد، مع انتقال جزء كبير منه إلى خارج الحدود التركية.
- تشير بعض التقديرات الحديثة إلى وجود نقاشات داخل أوساط الحزب حول مستقبل العمل المسلح، بما في ذلك احتمالات إعادة الهيكلة التنظيمية، دون حسم نهائي لهذه التوجهات حتى الآن.
المواقف
تعكس مواقف الأطراف المختلفة تعقيد الملف وتعدد أبعاده:
- الموقف التركي: تعتبر أنقرة الحزب تهديداً مباشراً للأمن القومي، وتصنفه منظمة إرهابية. وتعتمد على استراتيجية متعددة المستويات تشمل العمليات العسكرية داخل تركيا وخارجها، والاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة، وإقامة مناطق عازلة في شمال العراق وسوريا، إلى جانب الضغط الدبلوماسي على الحلفاء.
- الموقف الكردي: ينقسم بين تيارات سياسية تسعى إلى الحل السلمي، وأخرى ترى في العمل المسلح أداة ضغط ضرورية. كما توجد توجهات براغماتية تدعو إلى الجمع بين المسارين.
- الموقف الدولي:
- الولايات المتحدة: تصنف الحزب منظمة إرهابية، لكنها تدعم قوى كردية في شمال شرق سوريا ضمن سياق الحرب على تنظيم داعش، ما يعكس تبياناً بين الاعتبارات الأمنية والتحالفات الميدانية.
- الاتحاد الأوروبي: يدعو إلى تسوية سياسية مع الإبقاء على التصنيف الإرهابي، مع تركيز على حقوق الإنسان والاستقرار.
- روسيا: تتعامل مع الملف ضمن توازناتها مع تركيا، وتستخدمه كورقة ضغط في ملفات إقليمية أوسع.
- الموقف الجديد داخل النظام التركي: تشير مواقف بعض رموز التيار القومي إلى تحول نسبي من الرفض المطلق لأي تسوية إلى قبول مشروط بمسار سياسي يرتبط بنزع السلاح وتفكيك البنية التنظيمية.
الأبعاد والاتجاهات
يتسم الملف بتعدد أبعاده وتشابكها:
- البعد الأمني: يبقى العامل الحاسم في السياسة التركية، حيث تستمر العمليات العسكرية بشكل منتظم داخل وخارج الحدود، مع اعتماد متزايد على التكنولوجيا العسكرية.
- البعد السياسي: دخلت القضية الكردية إلى المجال السياسي المؤسسي، مع صعود أحزاب كردية تحقق نتائج انتخابية ملحوظة، ما يعكس تحولاً في أدوات الصراع.
- البعد الإقليمي: أدى وجود الحزب في شمال العراق وسوريا إلى تحويله إلى فاعل إقليمي، مستفيداً من الفراغات الأمنية.
- البعد الاقتصادي: تعاني المناطق ذات الأغلبية الكردية من فجوات تنموية واضحة، حيث ترتفع معدلات البطالة والفقر مقارنة بالمعدل الوطني، ما يساهم في استمرار التوتر.
التحديات
يواجه هذا الملف مجموعة من التحديات المركبة:
- تعقيد نزع السلاح في ظل الانتشار الجغرافي للحزب وتداخل الساحات.
- فجوة الثقة الناتجة عن فشل تجارب التسوية السابقة.
- التداخل الإقليمي وتأثيره على أي مسار داخلي.
- الانقسام الكردي وتعدد الفاعلين.
- تأثير الحسابات السياسية الداخلية على مسار التعاطي مع الملف.
السيناريوهات المستقبلية
أولاً: سيناريو التسوية السياسية المشروطة (متوسط إلى مرتفع الاحتمال)
- يقوم على تقدم مسار سياسي مشروط بتفكيك تدريجي للبنية المسلحة مقابل انفتاح سياسي محدود.
- يدعمه استمرار النقاشات داخل النظام التركي ووجود إشارات مرنة داخل بعض دوائر الحزب.
- ينتج عنه خفض تدريجي للعنف داخل تركيا، مع بقاء نفوذ غير مباشر للحزب في الساحات الإقليمية.
ثانياً: سيناريو استمرار «اللاحسم المنضبط» (مرتفع الاحتمال)
- يقوم على بقاء الوضع القائم دون اختراق سياسي أو تصعيد شامل، مع إدارة الصراع ضمن مستويات محسوبة.
- يدعمه استمرار فجوة الثقة وتعقيد البيئة الإقليمية، وتمسك أنقرة بالمقاربة الأمنية.
- ينتج عنه استنزاف منخفض الحدة للطرفين، مع بقاء التهديد تحت السيطرة دون حسم نهائي.
ثالثاً: سيناريو إعادة التصعيد الإقليمي (متوسط الاحتمال)
- يقوم على تدهور البيئة الإقليمية أو انهيار أي مسار سياسي، ما يدفع نحو تصعيد عسكري أوسع.
- قد يرتبط بتغير مواقف القوى الدولية أو تنفيذ عمليات نوعية كبيرة.
- ينتج عنه ارتفاع مستوى العنف وتوسع العمليات عبر الحدود، وتراجع فرص التسوية.
رابعاً: سيناريو التفكك الداخلي للحزب (منخفض الاحتمال)
- يقوم على حدوث انقسامات داخلية نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية أو الخلاف حول مستقبل العمل المسلح.
- يرتبط بتباين مواقف القيادات وتراجع القدرة على ضبط التنظيم.
- ينتج عنه إضعاف القدرة العملياتية، مع احتمال ظهور فاعلين أكثر تشدداً.
تشير هذه السيناريوهات إلى أن المسار العام يتجه نحو إدارة الصراع أكثر من حسمه، مع بقاء سيناريو اللاحسم المنضبط هو الإطار الأكثر ترجيحاً في المدى القريب.
التقدير
- يتجه الملف نحو إعادة تموضع استراتيجي أكثر منه نحو الحسم النهائي، مع تراجع احتمالات القضاء العسكري الكامل مقابل تصاعد مقاربات الاحتواء.
- ستظل الساحات الإقليمية، خصوصاً شمال العراق وسوريا، العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار الصراع خلال المرحلة المقبلة.
- من غير المرجح التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في المدى القريب، في ظل استمرار فجوة الثقة وتعقيد البيئة الإقليمية.
- ستواصل تركيا اعتماد مقاربة مزدوجة تجمع بين الردع العسكري والانفتاح السياسي المحدود بهدف تقليص نفوذ الحزب تدريجياً.
- يرجّح استمرار سيناريو اللاحسم المنضبط مقارنة بغيره، نظراً لأنه لا يتطلب تغييرات جوهرية في مواقف الأطراف، ويتماشى مع توازنات البيئة الإقليمية الحالية، بخلاف سيناريو التسوية الذي يتطلب توافقات معقدة، أو سيناريو التصعيد الذي يرتبط بمتغيرات غير مستقرة.
يعكس هذا الملف نموذجاً لصراعات الشرق الأوسط الممتدة، التي يصعب حسمها بشكل نهائي. كما يشير إلى أن استمرار هذا النمط من الصراع سيبقي تركيا في حالة انخراط أمني إقليمي ممتد، مع تأثير مباشر على أولوياتها الاستراتيجية وعلاقاتها مع القوى الكبرى، خاصة في ظل التوازن بين متطلبات الأمن القومي والالتزامات الدولية.


