
إعداد
عبد الرحمن محمد محمد غزالة
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
جمهورية مصر العربية
المقدمة:
عام ١٦١٨م (أو ١٦١٥م كما ذُكر سياقاً) اشتعلت حرب في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت؛ الكاثوليك الذين كانوا يدعمون امتلاك البابا السيفين الزمني والروحي، والبروتستانت الذين كانوا يحتجون على هذا الأمر، إضافة إلى المنهجية المتخذة في تفسير الكتاب المقدس. الأمر الذي جعل الملك هنري الثامن، ملك إنجلترا، يعتنق البروتستانتية لأنه أراد تطليق امرأته التي كانت ترتبط ببابا الفاتيكان وقتها. وقد تنبأ “يان هوس” بهذا الأمر، وتنبأ بهذه الحرب التي غيرت شكل أوروبا، والتي جاءت نتيجة لانفتاح أوروبا في عصر النهضة بعدما كانت غارقة في عصر الظلام، حيث قال قبيل إعدامه بتهمة الهرطقة: “اليوم تشوون إوزة (Hus تعني إوزة باللغة التشيكية)، لكن بعد مئة عام سيأتيكم بجعة لن تستطيعوا إحراقها”.
وبعدها جاء مارتن لوثر وأخذ التيار البروتستانتي بالازدهار، ولكن كما قال هانز مورجنثاو عالم السياسة: “ما هي إلا علاقات قوة”، فما من قوة صاعدة إلا ويجب أن توقفها القوة المتربعة على العرش من إيقافها. وبالفعل بدأت حرب الثلاثين عاماً والتي انتهت بصلح وستفاليا ، والتي انتزعت السلطة الزمنية من البابا انتزاعاً، والتي أنشأت الدولة القومية ووضعت مبدأي السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول كمبادئ حاكمة للعلاقات الدولية. هنا الولاء ليس للدين أو للبابا إنما للملك، ويمثل هذا التعبير ما يعبر عنه الفكر السياسي المسيحي: (دع ما للقيصر للقيصر ودع ما لله لله).
ولكن مبدأ الشرعية الذي جاءت به معاهدة وستفاليا كان يعطي السلطة والسيادة للملوك، ويبدو هذا واضحاً أكثر في فكر “بودان” الذي عاصر الصراع نفسه في فرنسا. ولكن فرنسا أيضاً هي التي ستضع حداً لسلطة العروش المطلقة؛ ففي عام ١٧٨٩م حدثت الثورة الفرنسية والتي كانت بمثابة زلزال ضرب أوروبا قاطبة، والتي جاءت بمبدأ مفاده ألا وهو (لا تفريق ولا تجميع بالإكراه)، أو فيما عُرف فيما بعد باسم حق تقرير المصير، والذي مثّل حجر الزاوية الذي أُنشئت عليه فكرة الأمة أو الدولة القومية.
في التعريف بالدولة القومية والأمة:
الأمة هي باختصار شديد:
مجموعة من السكان الذين يعيشون على مساحة من الأرض تُدعى الإقليم، ويجمعهم مصير واحد مشترك، وغاية واحدة. ويُعد مبدأ التجانس القومي واحداً من أهم المبادئ الحاكمة للدولة القومية، وهناك عاملان لتحقيق هذا التجانس القومي:
- الأول: هو وحدة الأصل، أو اللغة، أو العرق، أو الدين، وهنالك أمثلة حية على مثل هذه الدول (مصر، فرنسا، ألمانيا).
- الثاني: هو المصلحة المشتركة بين هذه الجماعات المختلفة، فمع وجود الهدف المشترك ومع وحدة المصير الذي تشعر به الجماعات المكونة للمجتمع أو الأمة يتحقق هذا التجانس. وتُعد سويسرا التي تضم جماعات ألمانية وإيطالية وفرنسية ورومانية (رومانشية) مثالاً؛ ولذلك نرى مثلاً سويسرا دولة محايدة في أغلب الصراعات الأوروبية حتى في فترتي الحربين العالميتين. والولايات المتحدة الأمريكية كذلك دولة من المهاجرين بُنيت على أساس الحلم الأمريكي وأرض الحرية وأن الفرص متاحة للجميع من كل أنحاء العالم.
ولكن الوضع مختلف في دول العالم الثالث، وتحديداً الدول التي تعاني من انقسام عرقي وتنوع بالجماعات العرقية. فالاستعمار هو من خطّ الخطوط للدول الأفريقية والآسيوية ، وهو الذي قطع أوصال جماعات عرقية كاملة وقبائل قد تكون لديها الفرصة لتكوين دولة خاصة بها. فليس مستبعداً أن نرى قبائل الهوتو والتوتسي التي مُزّق شملهم على كلاً من رواندا وبوروندي، والذي تسبب هذا الأمر فيما عُرف باسم مذبحة ١٩٩٤م والتي راح ضحيتها أكثر من مليون شخص، والأكراد الذين قُسّموا على أكثر من أربع دول هم (العراق، سوريا، تركيا، إيران). والمشكلة في أن هذه الجماعات تمثل أقليات بمجتمعاتها، فهي تشعر بالتمييز وبالاضطهاد، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، تبدأ هذه الجماعات بإنشاء الحركات العرقية من أجل المطالبة بحقوقها، وقد تشمل الحقوق إما المساواة أو الحكم الذاتي أو حتى الانفصال والانضمام لدولة أخرى كمثال على ذلك (حركة صومالي أوجادين في إثيوبيا والتي تسعى للانفصال والانضمام للصومال، أو عرب الإسكندرونة بتركيا).
أو حتى الانفصال وتكوين دول مستقلة مثل الأكراد. وفي الحقيقة إن هذا الأمر ليس حكراً على الدول النامية، بل أيضاً لدينا جماعات عرقية بدول العالم الأول مثل أيرلندا الشمالية في المملكة المتحدة، والباسك وكتالونيا في إسبانيا، ولكن هنا يكمن مربط الفرس، ففي هذه الدول تتوفر لديها الآليات التي يمكن بها إدارة مثل هذه الصراعات، ولكن يجب علينا التفريق بين الجماعة العرقية والحركة العرقية.
- الجماعة العرقية: مجموعة من البشر يرتبطون بعدد من الخصائص البيولوجية أو الثقافية أو الدينية، مما يشكل إحساساً بالهوية المشتركة والانتماء، وهذا ما يخلق مفهوم (نحن وهم) ويخلق هالة الشحن التي نراها بالدول النامية، لأنه غالباً يكون هنالك جماعة عرقية مسيطرة تمتلك أغلب الموارد والمزايا، وأقلية مختلفة ثقافياً لا تستطيع أن تحصل على كسرة الخبز.
- الحركة العرقية: فهي تمثل التنظيم والوسيلة التي تسعى الجماعة عبرها لتحقيق مصالحها، ولكنها عبارة عن تنظيم قد يُنضم إليه وقد يتم لفظه فيما بعد، على عكس الجماعة التي تكون العضوية بها إجبارية. مثال على هذا الأمر الحركة الصهيونية، فهي تدعي أنها تنادي بحقوق اليهود، ولكن في الحقيقة هناك عدد كبير من اليهود حول العالم يقفون ضدها، وأيضاً حزب العمال الكردستاني في تركيا، وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في الشمال السوري.
ومن وسائل الحركات العرقية:
- وسائل سلمية: مثل إنشاء الأحزاب ودعم الأحزاب التي تدعم حقوق الأقليات، أو اللجوء إلى المنظمات الدولية أو إلى الجماعة الدولية.
- أو وسائل عنيفة: وهذا هو الطابع الغالب سواءً بحرب العصابات (حرب الكر والفر) أو بالحروب النظامية.
لماذا دول العالم الثالث تحديداً هي التي يتجذر بها الصراع إلى هذا الحد؟
على عكس الدول الأوروبية والغربية تحديداً؛ الإجابة ببساطة: هو ذلكم المبدأ البسيط الذي يعطي حق تقرير المصير، وأنه لا تجميع ولا تفريق بالإكراه. إن أوروبا كان لديها الوقت الكافي لتشكل نفسها، فعبر سلسلة من الحروب ابتداءً من حروب الثلاثين عاماً ووصولاً إلى الحربين العالميتين، جاءت الدول الأوروبية بحدودها الحالية من الواقع وإلى الواقع، لذلك لا يوجد مثل هذه النزعات الانفصالية، لأن تكوين هذه الحدود جاء وتشكل على فترات زمنية طويلة. هذا على عكس دول العالم الثالث التي وجدت نفسها مضطرة للقبول بالأمر الواقع وبالحدود التي خطها المستعمر بيده.
أما الذي نراه نحن، أن الاستعمار بالفعل له دوره، ولكن التنظيم السياسي بالدول الإفريقية كان به خطأ منذ البداية. بمعنى أن النظام السياسي بالدول الغربية نشأ من رحم الواقع أيضاً، فالدستور الأمريكي جاء ليعبر أن الجميع مرحب به على هذه الأرض، على أرض الفرص. وفيما يخص حتى السلطة التشريعية كان هنالك اختلاف: هل نجعلها على حسب عدد السكان أم على حسب الولايات وأن هنالك عدداً ثابتاً لكل ولاية؟ وحدث الخلاف بين الولايات الأمريكية التي كانت تدعم إنشاء مجلس النواب والولايات الصغيرة التي تدعم إنشاء مجلس الشيوخ والذي يكون لكل ولاية به ممثلان فقط. فجاء الشكل الذي عليه الكونغرس الآن، وكذا المجمع الانتخابي، جاء ليحقق هذا التوازن. وعقب مناقشات تمت بين الآباء المؤسسين، وحتى التعديلات التي أُدخلت فيما بعد والتي تخص الحقوق المدنية، جاءت نتيجة للحرب الأهلية بين الشمال والجنوب لإنهاء العبودية، وحركة الحقوق المدنية بالقرن الماضي. أي أنه بالمختصر، التنظيم السياسي جاء ليلبي حاجات المجتمع، وفكرة النظام السياسي تشمل وجود (دستور، أيدولوجيا، ومؤسسات)، وكل هذه الأمور يجب أن تأتي من وإلى الواقع مما يجعل النظام السياسي بالفعل إطاراً منظماً للتفاعل داخل المجتمع.
نأتي إلى الدول الخارجة من الاستعمار فنرى أن حركات التحرر تحولت هي نفسها إلى إطار ضاغط على هذه المجتمعات، وغير معبرة بأي شكل عن الواقع الذي تعيشه هذه الدول. وأنه غالباً يوجد جماعة مهيمنة أو حزب واحد وسلطة مشخصة في يد رئيس الدولة (موبوتو الذي كان يرى نفسه المخلص، ونيكروما في غانا، وسوكارنو في إندونيسيا). كل أولئك جعلوا شعوبهم يقعون في غياهب الفقر والجهل، وفوق ذلك جعل الشعب يأكل لحمه بنفسه؛ نرى ذلك بوضوح في مذبحة القرن، حيث كان الرجل الذي هو من الهوتو يقتل زوجته التي هي من التوتسي، وذلك كان بسبب الاستعمار البلجيكي ونخب التوتسي الذين كانوا أداة في ظلم الهوتو. وحقيقة إن الإبادة الجماعية التي كانت من الهوتو ما كانت إلا لغاية تحقيق الدولة القومية ذات الهوية الواحدة. ونتيجة لكل هذا تعاني النظم بإفريقيا، وفي دول مثل الصومال والسودان والكونغو وبوركينا فاسو ومالي من حركات عرقية وإرهابية مختلفة نتيجة لغياب الإطار المنظم الذي يحقق الغاية من وجود الدولة بالأصل، ألا وهو المجتمع الهادئ.
إن الشكل الذي عليه دول العالم الثالث يذكرنا بالشكل الذي كانت عليه الإمبراطوريات قديماً؛ فالإمبراطورية تظل متماسكة طالما الإمبراطور كان قوياً ليمسك بلجامها، ولكن فور سقوطه من على ظهرها تبدأ بالتفكك كحريق روما تماماً. والمشكلة هي أن الحركات العرقية والأزمات التي ترتبط بها لم تعد مرتبطة بحدود الدولة، إنما تمتد إلى الدول التي حولها مثل الأكراد. وأيضاً يجب علينا أن نذكر أنه مع دخول النسق في حالة الأحادية، مبادئ السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول أصبحت في خبر كان، وأصبح هنالك مبادئ أخرى تدعو لتدويل الصراع مثل التدخل الإنساني وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وهنالك دول تستغل هذا الأمر لتحقيق مصالحها، فرنسا مع الغرب الأفريقي كمثال.
كيف يمكن حل المشاكل العرقية:
الاتجاه الأول: القضاء على الاختلاف: الإبادة الجماعية، والإدماج القسري، والتطهير العرقي، والتهجير. هذا الاتجاه يرى أن الثقافات الفرعية ما هي إلا ثقافات مضادة ومهددة للقيم التي تشكل المجتمع بها.
- الإبادة الجماعية: الغاية منها التضييق وإزالة هذه الجماعات بشكل كلي أو جزئي بالشكل الذي يفقدها فاعليتها وعلى النحو الذي يوحد هوية المجتمع بشكل كامل، وليس هنالك من مثال أبرز من مذبحة القرن برواندا.
- الإدماج القسري: فيكفي أن نرى الدول الداخلة في الاتحاد السوفيتي بالقرن الماضي، وذلك لنعلم كيف أن السوفيت الذين كانوا يقولون يا عمال العالم اتحدوا، هم أنفسهم الذين كانوا يفرضون عليهم الثقافة الروسية ويجعلونهم يتجرعونها رغماً عن أنفهم.
- التهجير أو التطهير العرقي: فهذا ما حصل بالأمريكتين عندما وطأت قدم الأوروبي تلك الأراضي من مذابح وقتل للسكان الأصليين.
الاتجاه الثاني: الاستيعاب: أي أن الثقافات الفرعية والهويات المختلفة أمر مقبول تماماً، ولكن هنالك اتجاهان اختلفا في آلية تحقيق هذا الأمر:
- الاتجاه التوافقي: والذي يرى أن الاختلاف يجب أن يتم تمثيله، لذلك يدعم أنصار هذا الاتجاه تشكيل الأحزاب على أساس عرقي، وأن يتم تمثيل الجماعات العرقية بالأبنية والمؤسسات السياسية المختلفة. لذلك يرون أن النظام البرلماني كنظام سياسي سيكون الأفضل، وأنه لتشكيل الوزارة سيؤدي هذا الأمر إلى ترسيخ ثقافة المساومة وثقافة الحلول الوسط. ولذلك يرون أن النظام الانتخابي الخاص بالقائمة النسبية سيكون هو الأفضل لأنه سيضمن التمثيل الشامل.
- الاتجاه الاندماجي: فيقوم على تجاوز الخلافات السياسية وبناء الهوية الوطنية الموحدة. فنراه يرفض تأسيس الأحزاب على أساس عرقي، ويركز على اعتدال النخب السياسية الحاكمة والتي تمثل الدولة بكل كيانها. لذلك نراهم يشجعون النظم الانتخابية التفضيلية مثل الصوت التكميلي والصوت البديل، ونراهم يشجعون وجود النظام الرئاسي كنظام سياسي، والرئيس يمثل الاتجاه المعتدل للمجتمع.
ولكن هنالك أمر هام يجب أن نلتفت إليه، ألا وهو؛ ما هي أبرز الأسباب التي قد تعيد هذا الصراع العرقي مرة أخرى إلى الواجهة؟
- أولاً المدخل الأولي: وينادي بأنه بسبب علاقات (نحن وهم)، وأنه بسبب العداء والكراهية المتراكمة والخوف من سيطرة جماعة واحدة على باقي الجماعات وبسبب هذا التمايز، يظهر لدينا الصراع العرقي. ولكن هذا الاتجاه لا يفسر سبب التعايش السلمي في المجتمعات المتنوعة عرقياً في دول مثل سويسرا والولايات المتحدة.
- ثانياً المدخل النسقي: والذي يقول إنه بسبب التدخلات الخارجية والظروف الاقتصادية والاجتماعية، يؤدي هذا الأمر إلى إشعال فتيل الصراع. ولكن بالتأكيد السبب ليس فقط النسق أو البنية التي يوجد بها المجتمع، إنما هو مجرد عامل مساعد.
- ثالثاً مدخل المقاول السياسي: وأن النخب السياسية هي التي تشعل هذه الأزمات. ولكن إن كان هذا صحيحاً، فماذا يجبر الأفراد على الانصياع للنخب؟ وما يجبر هؤلاء النخب على الالتزام ناحية هذه الأقليات؟ فلماذا لا ينضمون إلى الجماعة التي تمثل الأغلبية؟
ولذلك من وجهة نظري أيضاً يجب أن نرى أن النظام الانتخابي يلعب دوراً مهماً في تخفيف حدة الصراعات العرقية وتعزيز الإدماج:
يمكن تنظيم الأربع احتمالات للتكوين العرقي للمجتمع في الجدول الآتي:

ختاماً:
إن هنالك عدة أزمات تواجه المجتمعات المتنوعة عرقياً وتشمل الآتي: أزمة الهوية، والمشاركة، والشرعية، والتغلغل. وإذا تم حل هذه الأزمات الأربع فستكون الدولة قد جمعت مقومات الحداثة السياسية، وبناء الهوية الموحدة، وتأسيس الحكم على مبادئ الشرعية. ووجود مشاركة مجتمعية من مختلف الطوائف سيضمن تغلغل الدولة على كامل إقليمها، وسيؤكد صفوف الأمة، ويقضي على الفتن من جذورها؛ بالتأكيد ليس بشكل كامل ولكن بشكل يحقق الحد الأدنى مما يسمى بالمجتمع الهادئ. والأهم من كل هذا يجب علينا أن نفهم أن الغرض من أي جماعة هو المصلحة، لذلك يجب علينا أن نبني المؤسسات بهذه الدول بالشكل الذي يحقق المصلحة المشتركة للجميع.


