On Research

مقالات تحليلية

العلاقة بين الإسلام واليهودية وإشكالية النسب الإبراهيمي:قراءة تحليلية

Email :129

إعداد

د. خلف المفتاح

باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية واليهودية

سوريا

 

 

هل نبي الله إبراهيم هو الجد المشترك لأتباع الديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، كما هو شائع عند جمهور المسلمين؟ وهل هذا التصور قائم عند معتني باقي الديانات؟ وكيف يكون ذلك والنص القرآني المحكم يقول: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}؟

ومع أن الاشتباك الحاصل بين أتباع الديانات الثلاث ليس بجديد، وإنما يعود لبدايات ظهور الإسلام، ولاسيما بعد هجرة الرسول محمد وأتباعه إلى يثرب التي كان لليهود فيها حضور كبير يعود لعدة عقود من الزمن؛ بسبب طردهم أو لنقل هروبهم من الاضطهاد المسيحي الكاثوليكي بعد سيطرة البيزنطيين على بلاد الشام على خلفية صلب السيد المسيح على يد بيلاطس عبر مكيدة يهودية. حيث حاول الرسول محمد جذب اليهود للإسلام على قاعدة الجذر الشائع بين الإسلام واليهودية وهو سيدنا إبراهيم، ففكرة تعريف الجد المشترك ولدت أساساً في المدينة المنورة في إطار ذلك السعي، حيث تشكل الانطباع عند سكان المدينة من خلال مقولات يهودية بأن نبياً سيظهر في تلك الفترة، مما مهد لعلاقات طيبة بين المهاجرين والأنصار من جهة ويهود المدينة من جهة أخرى.

وقد حملت آيات قرآنية كثيرة الإشارة والمديح لبني إسرائيل ولاسيما في سورة البقرة بوصفهم أتباع كتاب موحدين، إلى درجة كتابة صحيفة بين أهالي المدينة شملت المسلمين واليهود وغيرهم من سكان المدينة، تعد من أهم الوثائق التاريخية التي تنظم علاقة تعاقدية في مجتمع متنوع دينياً وإثنياً. وقد أعقب ذلك حوار عميق بين الرسول محمد وزعماء اليهود ورهبانهم، ومنهم أبو عامر الراهب وحيي بن أخطب وغيرهم، في سعي لدخول اليهود بالدين الجديد أو حتى اعترافهم به بوصفه رسالة سماوية، ولكن دون جدوى؛ إلى درجة أنه في حوار بين الرسول محمد وأبو عامر الراهب حول الحنيفية ومن يحملها صادقاً من أتباع الديانتين، قال أبو عامر للرسول: “الكاذب منا يموت طريداً”، في تحدٍ واضح ونكران وتكذيب لرسالة الإسلام ونبوة سيدنا محمد، آخذاً في الاعتبار أن اليهود لا يقبلون بنبي أو يؤمنون به خارج إطار العائلة اليعقوبية أبناء إسرائيل وسلالته اليهودية، إلى درجة أن الذين دخلوا الإسلام من اليهود لم يتجاوز عددهم الثلاثة أو أكثر قليلاً، فالمشيح المنتظر في السردية الدينية اليهودية يجب أن يكون من نسل داود في جذر سلالي يعود ليعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

وبعد هذه الدرجة من الجحود والنكران لرسالة الإسلام، بدأت العلاقة بين المسلمين في المدينة والقبائل اليهودية ولاسيما بني قينقاع وقريظة والنضير ولاحقاً يهود خيبر بالتغير والسلبية، حتى إن النص الديني القرآني بعد سنتين من الهجرة للمدينة بدأ ينظر لبني إسرائيل، أو لنقل اليهود، نظرة أخرى ولاسيما بعد غزوة الخندق، فبدأ المسلمون بإخراجهم من المدينة على خلفية ذلك ونكثهم بما جرى الاتفاق عليه في صحيفة المدينة، ونُسب للرسول القول قبيل وفاته: “أخرجوا اليهود من جزيرة العرب فلا يعيش دينان فيها”، مع أن الرسول فوق كل ذلك اعتبرهم أصحاب كتاب وأتباع ديانة ثم أهل ذمة بعد توسع الدولة الإسلامية خارج إطار جزيرة العرب.

ولعل التحول الأهم في العلاقة بين اليهودية والإسلام بدأ مع تحول القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام استجابة للنص القرآني، ثم من خلال تحريم وتحليل بعض أنواع الطعام، وكذلك تحريم الربا، وبداية طرد اليهود من قلب المدينة إلى خارجها، مما شكل قطيعة نهائية بين المسلمين واليهود انتهت نهاية مأساوية لهم في غزوة خيبر.

لقد بدأت بعد ذلك مرحلة من التأصيل الإسلامي لمكانة المسلمين في الشجرة الإبراهيمية، وأنهم مما عناهم الخطاب المتعلق بالأرض الذي حاول اليهود احتكاره بسلالة إسحاق ويعقوب، ومحاولة إخراج إسماعيل من السلالة الإبراهيمية لجهة أنه ابن جارية، وهو ذو أبعاد سياسية، فاليهودية عندهم تأتي من الأم وليس من الأب؛ فاليهودي وفق ذلك من كانت أمه يهودية، ولعل هذه المسألة تشكل اليوم معضلة في إسرائيل لجهة أن أغلب اليهود المستوطنين القادمين من الاتحاد السوفيتي السابق هم من مسيحيات متزوجات من يهود.

وإلى جانب ذلك، اعتبر اليهود أن أرض فلسطين هي أرضهم يرثونها، فجاء النص القرآني المحكم بأن: {الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}، إضافة إلى ادعاء اليهود أنهم شعب الله المختار، فجاء النص القرآني مخاطباً المسلمين: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، فالتفضيل هنا ليس للعرق والأصل وإنما لعمل المعروف والنهي عن المنكر. من هنا يصبح تفضيل اليهود ليس بوصفهم يهوداً وإنما لحملهم رسالة التوحيد، التي اعتبروها تفضيلاً وليست رسالة لها تبعاتها، وليس امتيازاً وتميزاً عن باقي البشر (الغوييم)، مما يعني أن ما يميز الناس والديانات هو حمل رسالة التوحيد والعمل بشريعة الرب.

أما الإشكالية الأخرى فتتعلق بوراثة النبوة، فالمعروف في تقاليد الشرق أن النبوة تنتقل إلى الابن البكر، وهنا تؤول النبوة بعد وفاة إبراهيم لولده البكر إسماعيل (أبو العرب) وليس لإسحاق، وهذا يعني أن الأرض المقدسة تكون له ولنسله وليس لإسحاق ونسله، آخذاً في الاعتبار أنه ولد لإسحاق ابنان: عيسو ويعقوب، ومع أن النبوة يفترض أن تكون للبكر عيسو، إلا أنها انتقلت ليعقوب بناءً على خديعة قامت بها زوجة إسحاق، وهذا ثابت في نص التوراة في سفر التكوين. وفي العودة للسردية اليهودية نكتشف أنها تصر على أن العرب أحفاد إسماعيل استولوا على الأرض المقدسة التي هي من حق إسحاق ونسله، لذلك نجد الصهاينة يتحدثون منذ قيام إسرائيل وحتى الآن عن “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات في إعادة تعريف للنص التوراتي وما ورد على لسان رب اليهود القومي “يهوه”. ولو عدنا لخطاب مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة قبل أربع سنوات، لوجدنا أنه وضع “الكيباه” اليهودية على رأسه وحمل التوراة بيمينه قائلاً: “إن إسرائيل تستمد شرعيتها من التوراة وليس من القرار 181 الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1947 أي قرار التقسيم”.

ولعله من الجدير بالذكر وفي ظل الحديث عن “الاتحاد الإبراهيمي” لجهة أن أتباع الديانات الثلاث ينتمون إلى جذر إبراهيمي واحد؛ أن الكثير من الباحثين في اللاهوت المسيحي اليهودي لا يعترفون بانتماء العرب والمسلمين لإبراهيم الخليل جد اليهود، فإبراهيم المسلمين هو غير “إبراهام” اليهود، مما يعني أن سردية أن الإسلام هو الامتداد الديني لليهودية والمسيحية هو غير مقبول من “المسيهودية” التي ترى أن الإسلام قد نسف الكثير من الثوابت والركائز في الديانتين اليهودية والمسيحية، إضافة إلى القول بتحريف التوراة، من هنا يصبح الإسلام بوصفه ديناً امتداداً لثقافة الشرق الدينية وليس بالضرورة استكمالاً وخاتمة للديانات التوحيدية.

مما سبق نصل إلى نتيجة وخلاصة تبين أن القطيعة بين الإسلام واليهودية قد حصلت بعد سنتين من الهجرة إلى يثرب بعد رفض اليهود الاعتراف بنبوة الرسول محمد ورسالته، حيث اعتقدوا أن محمداً سيكون… مما يعني أن سردية أن الإسلام هو الامتداد الديني الرسالي لما سبقه من ديانات هي غير مقبولة من المسيحية اليهودية (المسيهودية) التي ترى أن الإسلام قد نسف الكثير من اللاهوت اليهودي وركائزه المتجذرة في الوعي الجمعي لليهود، ناهيك عن الحديث عن التوراة المزورة، من هنا يصبح الإسلام امتداداً لثقافة الشرق التوحيدية وليس خاتمة للديانات التوحيدية.

مما سبق يخلص الباحث المدقق إلى نتيجة أن القطيعة بين اليهودية والإسلام قد حصلت بشكل نهائي بعد سنتين من الهجرة للمدينة مع رفض اليهود الاعتراف بنبوة الرسول محمد، وهم الذين اعتقدوا أنه سينخرط في يهوديتهم، بمعنى تهويد الإسلام لا أسلمة اليهودية، لذلك نكتشف أن الخطاب القرآني الذي نزل في المدينة بدأ بنسف مفاهيم اليهودية ولاسيما الأساسية منها، من قبيل أنهم شعب الله المختار والأرض المقدسة وحصر النبوة في النسل الداوودي، وأن “يهوه” هو الإله القومي لليهود ليس رباً للعالمين والعهد بين موسى والرب، وكرس الخطاب القرآني أن الله هو رب العالمين، وأن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وأن المسلمين هم خير أمة أخرجت للناس كونهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحملون رسالة التوحيد. واستكملت القطيعة بين اليهود والمسلمين مذاك بطرد اليهود من جزيرة العرب في عهد الخليفة عمر بن الخطاب إعمالاً لحديث ينسب للرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

منخرطاً في اليهودية أي تهويد الإسلام لا أسلمة اليهودية، لذلك نجد النص القرآني الذي نزل في المدينة بدأ بنسف مفاهيم اليهودية من قبيل مقولة شعب الله المختار والأرض المقدسة وحصر النبوة في نسل داود، وأن “يهوه” هو الإله القومي لليهود وليس رباً للعالمين، والانطلاق نحو مفاهيم عالمية للدين تتعلق بالأرض والعقيدة والربوبية والشريعة والعهد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts